; صفحة من كتاب: تربية الأولاد في الإسلام للأستاذ عبد الله علوان | مجلة المجتمع

العنوان صفحة من كتاب: تربية الأولاد في الإسلام للأستاذ عبد الله علوان

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الخميس 01-يونيو-1978

مشاهدات 130

نشر في العدد 398

نشر في الصفحة 44

الخميس 01-يونيو-1978

▪    مسئولية التربَية الجِسمية..

من المسؤوليات الكبرى التي أوجبها الإسلام على المربين من آباء وأمهات ومعلمين.. مسؤولية التربية الجسمية، لينشأ الأولاد على خير ما ينشؤون به من قوة الجسم. وسلامة البدن، ومظاهر الصحة  والحيوية والنشاط.

وإليكم- أيها المربون- المنهج العملي الذي رسمه الإسلام في تربية الأولاد الجسمية، لتعلموا ضخامة الأمانة الملقاة على عاتقكم، ومعالم هذه المسؤولية التي أوجبها الله عليكم:

1- وجوب النفقة على الأهل والولد لقوله تبارك وتعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (البقرة: 233) ولقوله عليه الصلاة والسلام في الحديث الذي رواه مسلم:- «دينار أنفقته في سبيل الله، ودينار أنفقته في رقبة، ودينار تصدقت به على مسكين، ودينار أنفقته على أهلك أعظمها أجرًا الذي أنفقته على أهلك».

وإذا كان للأب الأجر والمثوبة في التوسعة على الأهل، والإنفاق على العيال، فإن عليه بالتالي الوزر والإثم إذا أمسك عن الإنفاق، وقتر على الأهل والأولاد وهو مستطيع، اسمعوا إلى ما يقوله عليه الصلاة والسلام في حق المضيعين لعيالهم، والممسكين عن نفقة أهلهم وأولادهم وذلك في الحديث الذي رواه أبو داود وغيره:- «كفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يقوت-»، وفي رواية لمسلم: «كفى بالمرء إثمًا أن يحبس عمن يملك قوته» ومن النفقة على العيال تهيئة الأب لأهله وعياله الغذاء الصالح، والمسكن الصالح، والكساء الصالح حتى لا تتعرض أجسامهم للأسقام، وينهك أبدانهم الأوبئة والأمراض.

2- اتباع القواعد الصحية في المأكل والمشرب والنوم، لتصبح لدى الأولاد عادة وخلقًا، فمن هديه- عليه الصلاة والسلام- في الطعام الاحتماء من التخمة والنهي عن الزيادة في الأكل والشرب على قدر الحاجة.

روى الإمام أحمد والترمذي وغيرهما عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أنه قال:- «ما ملأ آدمي وعاء قط شرًا من بطنه، بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان لا بد فاعلاً، فثلث لطعامه، وثلث لشرابه وثلث لنفسه».

ومن هديه- صلوات الله وسلامه عليه- في الشراب: الشرب مثنى وثلاث، والنهي عن النفس في الإناء والشراب قائمًا..

روى الترمذي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم:- «لا تشربوا واحدًا كشرب البعير، ولكن اشربوا مثنى وثلاث، وسموا إذا أنتم شربتم، واحمدوا إذا أنتم رفعتم».

وفي الصحيحين عن أبي قتادة أن النبي- صلى الله عليه وسلم- نهى أن يتنفس في الإناء- وفي رواية للترمذي نهى أن يتنفس في الإناء أو ينفخ فيه.

ومن هديه- صلى الله عليه وسلم- في النوم، النوم على الجانب الأيمن لكون النوم على الجانب الأيسر يضر بالقلب ويعيق التنفس- إضافة إلى ما دعا إليه الطب الحديث من أن النوم على الجانب الأيمن  يريح المعدة وساعدها على أداء وظيفتها.

3- التحرز من الأمراض السارية المعدية:

روی مسلم وابن ماجه وغيرهما من حديث جابر بن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه كان في وفد ثقيف رجل مجذوم، فأرسل إليه النبي- صلى الله عليه وسلم- ارجع فقد بايعناك وروى البخاري في صحيحة أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: «فر من المجذوم فرارك من الأسد».

وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة قال:- لا يوردن ممرض على مصح- لذا كان لزامًا على المربين- ولا سيما الأمهات- إذا أصيب أحد أولادهم بمرض معد أن يعزلوه عن بقية الأولاد، حتى لا ينتشر المرض، ويستفحل الوباء.. فما أعظم هذا الهدي النبوي في تربية الأجسام، والحفاظ على صحة الأبدان.

4- معالجة المرض بالتداوي:

لما للتداوي من أثر كبير في دفع البلاء، وتحقيق الشفاء.. ولقد جاء الأمر بالتداوي في أحاديث كثيرة.

▪    نجتزئ منها ما يلي..

روی مسلم وأحمد وغيرهما عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما عن النبي- صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «لكل داء دواء، فإذا أصاب الداء برأ بإذن الله عز وجل».

وفي مسند الإمام أحمد وفي النسائي وغيرهما عن أسامة بن شريك، قال: كنت عند النبي- صلى الله عليه وسلم- وجاءت الأعراب، فقالوا: يا رسول الله أنتداوى؟ فقال: نعم يا عباد الله تداووا، فإن الله عز وجل لم يضع داء إلا وضع له شفاء، غير داء واحد قالوا: ما هو؟ قال: الهرم، وسئل عن الدواء: هل يرد من قدر الله شيئًا، فقال: هو من قدر الله.

فما على الآباء والمربين إلا أن يأخذوا بتوجيهات النبي صلى الله عليه وسلم في شأن الاهتمام بأولادهم حين يصابون، وبمعالجتهم حين يمرضون لأن الأخذ بالأسباب والمسببات من مقتضيات الفطرة، ومن صميم مبادئ الإسلام..

5- تطبيق مبدأ لا ضرر ولا ضرار:

لما روى مالك وابن ماجه والدارقطني عن أبي سعيد الخدري- رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:- لا ضرر ولا ضرار.

فهذا الحديث الشريف عده الفقهاء والأصوليون قاعدة شرعية من أهم القواعد التي قررها الإسلام، وينبني عليها أمور كثيرة في الحفاظ على كيان الفرد والمجتمع، وفي دفع الضرر عن الناس..

وبناء على هذه القاعدة وجب على المربين، ولا سيما الأمهات أن يرشدوا أولادهم إلى التقيد بالتعاليم الصحية، والوسائل الوقائية في الحفاظ على صحة الولد، وتنمية قوته الجسدية.. وعليهم كذلك أن يستعينوا بالمختصين فيما يجب اتخاذه لوقاية الجسم من الآفات المرضية، والأمراض السارية.

فإذا كان أكل الفواكه فجة تؤذي الجسم، وتسبب المرض، فعلی المربين أن يرشدوا الأولاد أن يعتادوا  أكل الفواكه ناضجة.

وإذا كان أكل الخضار والثمار قبل غسله يؤدي إلى آفات مرضية.. فعلى المربين أن يرشدوا الأولاد إلى أن يعتادوا أكل الخضار والثمار بعد غسلها.

وإذا كان إدخال الطعام على الطعام يسبب أمراضًا في المعدة وفي جهاز الهضم عامة.. وفي جهاز التنفس.. فعلى المربين أن يرشدوا الأولاد أن يعتادوا الطعام في أوقات مخصوصة.

وإذا كان تناول الطعام باليدين قبل غسلهما يؤدي إلى انتشار المرض فعلى المربين أن يرشدوا الأولاد إلى تطبيق هدى الإسلام في غسل اليدين قبل الطعام وبعده.

وإذا كان النفخ في الإناء وفي الملعقة يؤدي إلى أضرار جسمية، فعلى المربين أن يمنعوا أولادهم عن هذه العادة المؤذية..

وهكذا، حينما يأخذ المربون بهذه التعليمات الطبية، ويعودوا أولادهم على التقيد بهذه الإرشادات الصحية.. فلا شك أن الأولاد ينشؤون على الصحة الكاملة، ويترعرعون على سلامة الجسم، وقوة البدن، وظاهرة الحيوية والنشاط..

٦- تعويد الولد على ممارسة الرياضة وألعاب الفروسية:

تحقيقًا لقوله تبارك وتعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾ (الأنفال: 60).

وتنفيذًا لأمره عليه الصلاة والسلام في الحديث الذي رواه مسلم- المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف.

ومن أجل هذا دعا الإسلام إلى تعليم السباحة والرمي وركوب الخيل وذلك في التوجيهات النبوية التالية:

- كل شيء ليس من ذكر الله فهو لهو أو سهو إلا أربع خصال: مشي الرجل بين الفرضين- للرمي-  وتأديبه فرسه، وملاعبته أهله، وتعليمه السباحة.

- وروی مسلم أن النبي تلا قوله تعالى:- ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾ (الأنفال: 60)-: ثم قال:- ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي.

- عليكم بالرمي فإنه من خير لهوكم.

- وروى البخاري في صحيحة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمر على أصحابه في حلقات الرمي، فيشجعهم ويقول لهم:- ارموا وأنا معكم كلكم.

- وجاء في الصحيحين أن النبي- صلى الله عليه وسلم- أذن للحبشة أن يلعبوا بحرابهم في مسجده الشريف، وأذن لزوجه عائشة أن تنظر إليهم، وهو يقول لهم:


دونكم يا بني! أرفده- يلعبون عند النبي- صلى الله عليه وسلم- بحرابهم، دخل عمر فأهوى إلى الحصباء فحصبهم بها، فقال عليه الصلاة والسلام- دعهم يا عمر.

7- تعويد الولد على التقشف وعدم الإغراق في التنعم:

ليقوم في سن الرشد والبلوغ بواجب الجهاد، والدعوة إلى الله على أحسن وجه، وأنبل معنى.

ولقد جاءت الدعوة إلى التقشف والتربية على حياة الخشونة في أكثر  من حديث:

- إياكم والتنعم فإن عباد الله ليسوا بالمتنعمين.

تمعددوا، واخشوشنوا، ومعنى- تمعددوا-: انتسبوا إلى جدكم معد بن عدنان في خشونة العيش والفصاحة.

ويكفي الرسول- صلوات الله عليه وسلامه- قدوة وأسوة في تقلبه في حياة الخشونة والتقشف.. في المطعم، في الملبس، في المسكن.. لتتأسى الأجيال المسلمة به، وتمشي على هديه وسنته، حتى تكون دائمًا في حال تهيؤ واستعداد واستنفار.. لكل ما يعترضها من أحداث، وما ينزل في ساحتها من نوازل.

ومن الملاحظ أن أمة الإسلام حينما تنقلب في النعيم، وتسترسل في الملاذ والطيبات، وتنام على الديباج والحرير وتغريها الحضارة المادية ببريقها ومظاهرها فسرعان ما تنهار، وتستسلم لضربات الأعداء، وسرعان ما تخمد في نفوس شبابها روح المثابرة والمرابطة والجهاد في سبيل الله، وما سقوط الأندلس في التاريخ عن الأذهان ببعيد.

8- تعويد الولد على حياة الجد والرجولة والابتعاد عن التراخي والميوعة والانحلال.

وذلك للإرشادات النبوية التالية:
- روى مسلم في صحيحة عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أنه قال: احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز.

- وروى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن- وزاد النسائي في روايته- فإذا فعل ذلك فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه.

- وروى مسلم وغيره عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- صنفان من أهل النار لم أرهما، قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات، مميلات مائلات رؤوسهن كأسنمة البخت الماثلة، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا..

وهذا غيض من فيض مما وجه إليه رسول الإسلام صلوات الله وسلامه عليه، وهي- كما رأيت- توجيهات قيمة تدعو إلى حياة الجد والرجولة وتحذر من الميوعة والانحلال.. ومن المعلوم بداهة أن الولد إذا نشأ على الميوعة والانحلال، وتربى على الفجور والمنكر، ودرج على الهزل وعدم الاكتراث.. فإن شخصيته تتحطم، ونفسيته تتعقد، وجسمه يتعرض لأخطر الأسقام والأمراض.

لهذا كله كان لزامًا على المربين- ولا سيما الأمهات- أن يتعهدوا أولادهم منذ الصغر، وأن يغرسوا في نفوسهم أنبل معاني الرجولة والخشونة والإباء والشيم العظيم.

وعليهم كذلك أن يبعدوهم عن كل ما يحطم الرجولة والشخصية، ويقتل الفضيلة والأخلاق، ويوهن العقل والجسد فإن في ذلك ولا شك، سلامة لتفكيرهم، وقوة لأبدانهم، وحظًا لأخلاقهم، وسموًا لأرواحهم، وحافزًا قويًا لتحقيق آمالهم وأمانيهم.

تلكم هي- أيها المربون- أهم الأسس التي رسمها الإسلام في تربية الأولاد الجسمية.

فإن أعرتموها اهتمامكم، وأوليتموها عنايتكم، تمتع الجيل الذي تقومون على توجيهه وتربيته بالقوة والصحة والحيوية والنشاط.

وتكونون بالتالي قد قمتم بأداء الأمانة الملقاة على عاتقكم، وحققتم المسؤولية التي أوجبها الله عليكم، ولقيتم الله سبحانه يوم القيامة بوجه أبيض في مجمع من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 35

129

الثلاثاء 10-نوفمبر-1970

صلاة التراويح

نشر في العدد 331

109

الثلاثاء 04-يناير-1977

الإسلام وَدَلالات الألفَاظ

نشر في العدد 377

93

الثلاثاء 06-ديسمبر-1977

من شذرات القلم (عدد 377)