; الدورة الأولى للانتخابات التشريعية الفرنسية.. تراجع الأغلبية الحاكمة وتقدم اليسار واحتمال تعايش سياسي بين الطرفين | مجلة المجتمع

العنوان الدورة الأولى للانتخابات التشريعية الفرنسية.. تراجع الأغلبية الحاكمة وتقدم اليسار واحتمال تعايش سياسي بين الطرفين

الكاتب د. محمد الغمقي

تاريخ النشر الثلاثاء 03-يونيو-1997

مشاهدات 60

نشر في العدد 1252

نشر في الصفحة 33

الثلاثاء 03-يونيو-1997

انتهت الدورة الأولى للانتخابات التشريعية الفرنسية بتقدم اليسار والجبهة الوطنية ذات النزعة الشوفينية بزعامة لوبان وتراجع التحالف الحاكم بشكل يجعله في موقع ضعيف أمام خصمه اليساري، ويطرح إمكانية تحقق سيناريو التعايش بين الطرفين بعد إجراء الدورة التالية في الفاتح من يونيو، وهو الأمر الذي لم يراهن عليه الرئيس الفرنسي عند إعلانه عن حل البرلمان والقيام بانتخابات تشريعية مسبقة، وقد أفرزت الانتخابات في دورتها الأولى النتائج التالية: الأغلبية الحاكمة 26,52% من الأصوات، اليسار ٤٠.٢٤%، والجبهة الوطنية ١٤.٩٤%.

ومن خلال ما تقدم يتبين وجود تحول في توجهات الناخبين مقارنة بالانتخابات الرئاسية عام ١٩٩٥م، فمنذ سنتين كان هناك توجه في وضع حد للتجربة الاشتراكية التي امتدت طوال ١٤ سنة في عهد ميتران الراحل، وكان الناخبون- في أغلبيتهم- يميلون إلى إدخال دم جديد في السياسة الفرنسية عن طريق فتح المجال للديجوليين ولليمين عمومًا للإمساك بالسلطة. 

وقد لعبت وعود شيراك دورًا كبيرًا في إقناع نسبة مهمة من الناخبين، حيث وعد بمستقبل مشرق خاصة فيما يتعلق بالوضع الاجتماعي والسعي إلى الحد من البطالة وتخفيض الضرائب والجبايات وتقريب الفوارق الاجتماعية، بالإضافة إلى فتح الأسواق العالمية للاستثمارات الفرنسية عن طريق تكريس الحضور الفرنسي في مناطق استراتيجية في العالم.

ولئن نجح إلى حد كبير في المسألة الأخيرة، إلا أنه لم يتوصل إلى محاصرة الأزمة الاجتماعية الداخلية، فبقيت الجبهة الداخلية ضعيفة، الشيء الذي مكن اليسار من تسجيل أهداف سياسية وانتخابية، بحيث التقت استراتيجية المعارضة في العودة إلى العمل السياسي بثقل كبير مع رغبة نسبة عالية من الناخبين في معاقبة حكومة جوبيه الوزير الأول الفرنسي ومن ورائها توجيه شبه تحذير وتنبيه إلى رئيس الدولة ليضع وعوده محل التطبيق، وعلى كل فإن الوزير الأول جوبيه، قد فهم الرسالة والتزم بالتخلي عن منصبه مباشرة بعد الدورة الثانية للانتخابات، وهو ما يعني أن حكومة جديدة ستعين يرأسها وزير أول جديد، وبالنظر إلى التقارب الكبير في الأصوات بين اليمين واليسار، فإنه وارد جدًا أن يفوز اليسار بأغلبية بسيطة تمكنه من أخذ زمام الحكومة الجديدة في إطار تعايش مع رئيس دولة ديجولي يميني لمدة خمس سنوات قادمة.

لذلك انصبت الجهود فيما بين الدورتين على عملية إقناع المحتفظين بأصواتهم لكي يدلوا بأصواتهم لهذا الاتجاه أو ذاك، فاللعبة الآن تدور بين الأحزاب الأقطاب التي تدور في فلكي اليمين واليسار، وهذه الأحزاب تمثل أساسًا الحزب الديجولي «التجمع من أجل الجمهورية»، وحليفه اتحاد الديمقراطيين بفرنسا من جبهة اليمين والحزب الاشتراكي وحليفه الحزب الشيوعي من جهة اليسار، أما الأحزاب الأخرى، فإنها مضطرة إلى تحويل أصواتها إما إلى هذا القطب، أو إلى ذاك.

الجبهة الوطنية ودور الحكم

وهنا يأتي دور الحكم الذي سيلعبه حزب جون ماري لوبان الشوفيني «الجبهة الوطنية»، وقد صرح رئيس الحزب بأن التوصية التي سيوجهها إلى أنصاره تتم حسب توافر شرطين أن يلتزم أصحاب هذا القطب أو ذاك بإبراز كراهيتهم ومعارضتهم لاتفاقية ماستريخت التي تفتح الحدود القارية داخل بلدان المجموعة الأوروبية عن طريق رفع الرقابة الجمركية إلا في بعض الاستثناءات، أما الشرط الثاني فيتمثل في إبراز الأولوية للفرنسيين في الخدمات والعمل إشارة إلى عدم معاملة المهاجر- ولو كان في وضع قانوني

بطريقة مساوية للفرنسي، ويصعب على مسؤولي الأحزاب الرضوخ لهذه المساومات لأنها تضرب مصداقية خطابهم الانفتاحي والمعتدل، لكن الحسابات السياسية تقتضي غض النظر عن بعض المسائل أو السكوت عن القضايا الخلافية حتى تمر العاصفة الانتخابية، الشيء الذي يفسر تجنب الأحزاب الكبرى الخوض في موضوع الهجرة لأنه حساس جدًا ويفقدها في النهاية جزءًا من أنصارها هي في حاجة أكيدة إليهم.

 لكل هذه الأسباب، فإن تدخل رئيس الدولة على شاشة التلفزيون مساء الثلاثاء يعتبر حسب المراقبين محطة مهمة في الفترة التي تفصل الدورتين، فهو سيحاول إشعار الرأي العام- والمترددين بالخصوص- بخطورة التعايش بين رئاسة يمينية وحكومة اشتراكية، رغم أن هذا العنصر رد عليه ليونان جوسبان الأمين العام للحزب الاشتراكي أكبر الأحزاب المعارضة، فقد جاء في إحدى تدخلات هذا الأخير أن فرنسا يمكنها التحدث بصوت واحد في السياسة الخارجية، وذلك بحضور الوزير الأول إلى جانب الرئيس في كل السياسات المهمة، بيد أن المشكلة الحقيقية تطرح على المستوى الداخلي في رسم السياسة الاقتصادية الاجتماعية، فهناك تباينات في التصورات بين اليمين واليسار بشأن الضمان الاجتماعي  وتوزيع الثروة والنظام الجبائي..

عودة الثقة في اليسار

بيد أن الرأي العام يبدو أنه اختار أو سيختار أسلوب التعايش الذي يفضله على احتكار السلطة بيد حزب أو تحالف حزبي من نفس الخط الأيديولوجي، وهذا ما نجح اليسار في إقناع جانب مهم من الناخبين به، وهذا التخوف من هيمنة توجه على المجتمع والدولة يجد دعمًا من الواقع ومن خلال ما عايشته فرنسا في السنتين الأخيرتين، إذ تسببت بعض القرارات والقوانين الاجتماعية غير الشعبية في تظاهر مئات من الفرنسيين احتجاجًا على سياسة الحكومة، ثم إن إعادة الثقة في اليسار والاشتراكيين بوجه الخصوص مردها أيضًا تأثير غير مباشر لصعود حزب العمال بقيادة تومي بلير في بريطانيا بعد حكم طويل للمحافظين. 

ومعلوم أن كلاً من اليمين واليسار في فرنسا حاول توظيف هذا الحدث لفائدته حتى علق وزير أول فرنسي سابق هو لورون نابيوس «اشتراكي» بأن المنتصر الوحيد في الانتخابات الفرنسية هو توني بلير. 

من ناحية أخرى، فإن اللوبيات والكيانات الدينية كان لها دور أساسي في ترجيح الكفة لهذا الشق أو ذاك، وبالنسبة للجالية المسلمة، فإنها ساهمت بدورها في واجبها الانتخابي، فهناك العديد من أبنائها يحملون الجنسية الفرنسية، وقد عبروا في مناسبات عدة عن استعدادهم وحرصهم على القيام بواجب المواطنة والمشاركة في العملية الانتخابية، ويصعب معرفة الطرف المفضل بالنسبة لكل الجالية التي ليس لها هيئة تمثلها، وإنما جمعيات ومنظمات واتحادات، لكن هناك مؤشرات لوجود ميل إلى الاشتراكيين واليسار عمومًا من حيث كونهم أكثر انفتاحًا على الآخرين، ولديهم استعداد أكبر لقبول الآخر والتعددية الثقافية والحضارية كعامل مساهم في إثراء المجتمع الفرنسي، ولعل هذا التوجه سيكون له أثر في النتائج الحاسمة بعد الدورة الثانية.

وفي انتظار هذه النتائج، يمكن التوقف عند مسألة مهمة تتمثل في عدم اهتمام نسبة تقدر بـ۱۳% من الرأي العام الفرنسي بالحياة السياسية، بحيث لم يجد هؤلاء مبررًا يقنعهم للقيام بواجبهم الانتخابي، وعدم الاكتراث بالبعد السياسي، هكذا يطرح تساؤلات جوهرية بخصوص نظام الاقتراع في إطار التعددية الحزبية القائمة اليوم في الغرب، وكذلك بخصوص حقيقة تمثيل البرلمان للرأي العام، وينكب العديد من الباحثين على هذه الظاهرة «عدم الاكتراث بالسياسة»، في الوقت الذي تطالب فيه شعوب في بقاع أخرى في العالم بحقهما في حرية التعبير عن طريق صناديق الاقتراع والتعددية الحزبية.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 409

89

الثلاثاء 22-أغسطس-1978

رسالة اليمن

نشر في العدد 496

85

الثلاثاء 09-سبتمبر-1980

الهجرة إلى الشعب في سوريا