; تأملات في هجرة النبي صلى الله عليه وسلم (4): الهجرة من الجهل إلى العلم | مجلة المجتمع

العنوان تأملات في هجرة النبي صلى الله عليه وسلم (4): الهجرة من الجهل إلى العلم

الكاتب د. إيمان مغازي الشرقاوي

تاريخ النشر السبت 02-فبراير-2008

مشاهدات 63

نشر في العدد 1787

نشر في الصفحة 52

السبت 02-فبراير-2008

  • النبي جاء ليرفع الأمية عن الأمة ويحرر العقول من الخرافات والضلالات. 
  • الصحابة عندما علموا أهمية العلم وفضله سارعوا لتعلمه فكانوا حملة للدين ووعاء العلم. 

كانت بعثة النبي صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين وكانت هجرته فتحًا مبينًا ونصرًا مؤزرًا على ضلالات الجهل والتخبط في دروبه والتيه في ظلماته، إذ تمكن المؤمنون من خلال وجودهم في دولة الإسلام الناشئة من التفرغ لطلب العلم وتلقيه عن النبي صلى الله عليه وسلم مشافهة، فالحال يساعد على ذلك في ظل البعد عن فتنة الإيذاء بمكة وما تبعها من استضعاف، لذا فقد تلقى الصحابة   رضي الله عنهم من المهاجرين والأنصار كل كلمة من معلمهم العظيم بدقة وعناية، فتعلموا منه القرآن الكريم وهو يتنزل بينهم غضًا طريًا. 

وكان لهم نبينا صلى الله عليه وسلم خير معلم، ولم لا وقد قال تعالي ممتنًا على عباده ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ (آل عمران:164).

 فجاء النبي صلى الله عليه وسلم ليرفع الأمية عن الأمة وليحرر العقول من الخرافات والضلالات، والجهل الصاد عن سبيل الله عز وجل، وسما بها عن كل ما يهين آدميتها المكرمة فحرم الكهانة والسحر والعرافة والشعوذة، ونهى عن قراءة الكف والفنجان، وأبطل التنجيم وعبادة الأوثان جاء المعلم الأعظم صلى الله عليه وسلم يعلمها التخرج من أميتها بهذا العلم وكان أول ما نزل آيات تدل على طريقه.. ﴿اقْرَأْ باسم رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإنسان مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإنسان مَا لَمْ يَعْلَمْ (العلق:1-5).

فأخذوا عنه العلم بجد وانطلقوا به بثبات وحب ليبلغوه غيرهم ويزيلوا به آثار الجهل من النفوس، ويبطلوا بيقينه وساوس شياطين العقول ويهزموا بقوته شطحات الأهواء، انطلقوا سمعًا وطاعة لرسول الله حين قال: «بلغوا عني ولو آية» (البخاري).

نجوم الهدى:

لما عرف الصحابة رضي الله عنهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم أهمية العلم، سارعوا لتعلمه فكانوا حملة للدين ووعاء للعلم، تراهم وهم يتناوبون على تلقيه من فم النبي الكريم صلى الله عليه وسلم فتجد بعضهم يعمل في صنعته، والآخر يسمع عنه، ويتناوبون على ذلك ثم يبلغ الحاضر منهم الغائب حتى لا تفوتهم منه كلمة. فحفظوا أقواله وعلموا أحواله، الخاصة والعامة، وتلك خصيصة لا يشاركه فيها أحد، إذ لم يترك أصحابه رضي الله عنهم مما قال أو فعل شيئًا إلا وتسابقوا إليه حفظًا وفهمًا وعملًا، وتبليغًا للناس بصدق وأمانة وتقوى وورع، وتلك هي الرسالة التي بعث من أجلها خير البشر عليه الصلاة والسلام.

لذلك قال ابن مسعود رضي الله عنه: «إذا أردتم العلم فانثروا القرآن فإن فيه علم الأولين والآخرين». ويبين لنا عمر رضي الله عنه المنهج في تعلمه فيقول: «تعلموا القرآن خمس آيات خمس آيات، فإن جبريل كان ينزل بالقرآن على النبي ﷺ خمسًا خمسًا «البيهقي». وكانوا إذا صلوا الغداة قعدوا حلقًا يقرأون القرآن ويتعلمون الفرائض والسنن ويذكرون الله تعالي كما يقول أنس  رضي الله عنه.

الناس ثلاثة..

يقول على بن أبي طالب من رضي الله عنه: «الناس ثلاثة: عالم رباني، ومتعلم على سبيل نجاة، وهمج رعاع أتباع كل ناعق، يميلون مع كل ريح، لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجأوا إلى ركن وثيق».

طلب العلم فريضة..

قال صلى الله عليه وسلم: «طلب العلم فريضة على كل مسلم» (ابن ماجه) وقوله: «طلب العلم فريضة» قيل فيه: هو العلم الذي لا يسع البالغ العاقل جهله، وقال ابن المبارك: إنما هو أن يقع الرجل في شيء من أمور دينه فيسأل عنه حتى يعلمه، وقال البيضاوي: المراد من العلم ما لا مندوحة للعبد منه كمعرفة الصانع، والعلم بوحدانيته، ونبوة رسوله وكيفية الصلاة، فإن تعلمه فرض عين.

وقال الثوري: هو الذي لا يعذر العبد في الجهل به. وقيل هو طلب علم الحلال حيث كان أكل الحلال فريضة، وغيرها من الأقوال.

 ومن هذه الأقوال يتبين أن هذا العلم المذكور في الحديث الشريف إنما هو فرض عين على كل مسلم ومسلمة، وبه تزكو النفوس ويعرف العبد ربه فيعبده عبادة صحيحة. وهذا العلم مسؤولية الجميع في تعلمه وتعليمه كبيرة بداية بالأسرة فالمدرسة والمسجد والمجتمع، وهو يحتاج الطرق صحيحة في تدريسه وتعليمه منذ الصغر وفق مناهج ميسرة وأساليب متطورة تناسب كل الأعمار والمستويات، إذ يرتكز عليه الإيمان بما يبني العقول ويهذب النفوس ويحيي القلوب.

أمتنا مأمورة بالقراءة:

لقد علم المسلمون على مر العصور فضيلة العلم فبدأوا بما هو فرض عين عليهم ثم أتبعوا ذلك بسائر علوم الدين والدنيا، فظهر الفقهاء الذين علموا وفهموا وفرعوا وعلموا، وكثر العلماء الربانيون، والدعاة المصلحون، كما تنافسوا في طلب فروض الكفاية من العلوم التي لا غنى عنها في حياتهم للتمكين في الأرض لأداء رسالتهم العظيمة فصاروا أساتذة العالم ومعلمي البشرية في شتى العلوم ومختلف المجالات، حتى ترجمت كتبهم إلى لغات أخرى لينقل عنهم هذا العلم الذي كان لهم الريادة فيه.

حاجة الأمة إلى العلماء...

إن أمتنا دائما في حاجة إلى متخصصين في أمور الشريعة لحفظ ذلك الدين وتبليغه، والقيام بواجب الدعوة إليه الذي لا يسقط إلى يوم القيامة، وإلى متخصصين في العلوم الأخرى من طب وفلك وحساب وكيمياء وتاريخ وجغرافيا وهندسة، نحتاج لمن يتخصص في علوم اللغات المختلفة لنوصل لأصحابها رسالتنا ونمد حبل التواصل بيننا وبينهم، نحتاج لخبراء في علوم العصر الحديثة من التكنولوجيا المختلفة، في الاتصالات والاختراعات وغيرها من سائر العلوم التي هي شعار لقوة الأمم ومبرر لسيادتها، ولن نكون خير الأمم إن لقنا الجهل وأحاطت بنا ظلماته فانتظرنا من غيرنا أن يكشفه عنا أو يعطينا مما عنده.. وكيف يعطينا إذا حرمنا نحن أنفسنا؟! كما أنها بحاجة إلى معلمين ومعلمات من أصحاب الكفاءة والخبرة الذين يؤدون أعمالهم بصدق وإخلاص، موقنين أنهم أصحاب رسالة وأنهم على طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم بدورهم يحتاجون دائمًا لإمدادهم بالجديد المبتكر عن طريق حضور الدورات العلمية المستمر. والاطلاع الدائم على ما جد على الساحة العلمية، على أن يعود للمعلم دوره ومكانته التي أكرمه الله بها، فتعلي من شأن المعلم ونجله ونحترمه.

وأنت يا طالب العلم..

أين أنت من كل هذا يا طالب العلم؟! إن الأمل معقود عليك بعد الله وأمتك تنتظرك وهي بحاجة إليك.. ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لك: «من خرج في طلب العلم فهو في سبيل الله حتى يرجع» (الترمذي). ويقول: «من سلك طريقا يلتمس فيه علمًا سهل الله له طريقًا إلى الجنة» (الترمذي).

إنك بلا شك تنتمي إلى تلك الأمة العظيمة أمة «اقرأ» التي أمرت بالقراءة والتي دعاها قرآنها من فوق سبع سماوات إلى الأخذ بأسباب العلم وسلوك سبيله، وما ذاك إلا لأهمية تلك المرحلة - مرحلة التعلم والعلم - في حياة أي فرد، وفي بناء أي أمة وفي نهضة أي مجتمع وإن المجتمعات الجاهلة ليس لها أن تسود أو ترتقي وليس لها مكان بين الأمم.

 ألا تعلم أنك على ثغر من ثغور الإسلام لا بد لك أن تسده وتحفظه؟ فكم من نفوس انحرفت بسبب جهل أصحابها بالدين الحق! وكم من ثغور ضيعت وتُضيع بسبب جهل أهلها وذويها! 

لذا فإن عليك أولًا أن تتعلم دينك وحينها ستعرف أن هذا الدين عظيم إذ يطلب من أبنائه أن يتعلموا ويتخصصوا في كل علم نافع للبشرية ليكونوا شامة بين الأمم ويحققوا الاكتفاء الذاتي لأنفسهم، حتى لا بعدوا أيديهم إلى غيرهم استجداء، بل تمتد هي بالعطاء للعالم من حولهم، عطاء بلا حدود وفي كل شيء، إن بيننا وبين غيرنا من الأمم حين نمسك بزمام العلم فتسوقه كما أراد الله له نفعًا شاملًا للبشرية لا دمارًا! وبهذا نستحق أن تكون الأمة الوسط التي توازن بين متطلبات الروح وحاجة الجسد.

المراجع:

۱۔ صحیح مسلم.

۲- شرح سنن ابن ماجه للسندي.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1597

71

السبت 17-أبريل-2004

فتاوى (العدد 1597)

نشر في العدد 841

72

الثلاثاء 03-نوفمبر-1987

بريد القراء

نشر في العدد 1710

3

السبت 15-يوليو-2006

استراحة المجتمع العدد1710