; تأملات في الفتن ونظرات في واقعنا المعاصر «٢ من ٣» | مجلة المجتمع

العنوان تأملات في الفتن ونظرات في واقعنا المعاصر «٢ من ٣»

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر السبت 13-فبراير-2010

مشاهدات 187

نشر في العدد 1889

نشر في الصفحة 35

السبت 13-فبراير-2010

تحدثنا في المرة السابقة عن معاني الفتنة في الكتاب والسنة، وكانت بمعان عدة 

1. الابتلاء والاختبار: كما في قوله تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾(العنكبوت: 2)، أي: وهم لا يبتلون كما في ابن جرير. 

2. الصد عن السبيل والرد: كما في قوله تعالى: ﴿ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾(المائدة: 49)، قال القرطبي: معناه يصدوك ويردوك.

3. العذاب: كما في قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾( النحل: 110) ، فتنوا أي عذبوا.

4. الشرك والكفر: كما في قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ (البقرة: 193)، قال ابن كثير: أي شرك.

5. الوقوع في المعاصي والنفاق كما في قوله تعالى في حق المنافقين، ﴿وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ ﴾ (الحديد: 14) قال البغوي: أي أوقعتموها في النفاق وأهلكتموها باستعمال المعاصي والشهوات.

6. اشتباه الحق بالباطل كما في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ ( الانفال: 73)، فالمعنى: ألا يوالى المؤمن من دون الكافر، وإن كان ذا رحم به ﴿تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ﴾ (الانفال: 73)، أي شبهة في الحق والباطل، كذا في جامع البيان لابن جرير.

7. الإضلال: كما في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ﴾ (المائدة: 41)، فإن معنى الفتنة هنا الإضلال. «البحر المحيط لأبي حيان، ٤/٢٦٢».

8. القتل والأسر ومنه قوله تعالى: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾(النساء: 101) والمراد: حمل الكفار على المؤمنين وهم في صلاتهم ساجدون حتى يقتلوهم أو يأسروهم. «كما عند ابن جرير». 

9. اختلاف الناس وعدم اجتماع قلوبهم كما في قوله تعالى: ﴿وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ﴾(التوبة: 47)، أي يوقعوا الخلاف بينكم. «كما في الكشاف، ۲ / ۲۷۷».

10. الجنون كما في قوله تعالى ﴿بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾(القلم: 6)، فالمفتون بمعنى المجنون

11. الإحراق بالنار: لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ﴾ (القلم: 10). 

قال ابن حجر: ويعرف المراد حيثما ورد بالسياق والقرائن (الفتح، ١١ / ١٧٦).

تنبيه

قال ابن القيم يرحمه الله: « وأما الفتنة التي يضيفها الله سبحانه إلى نفسه أو يضيفها رسوله إليه كقوله: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾ (الانعام: 53)، وقول موسى ﴿ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ﴾ (الأعراف: 155)، فتلك بمعنى آخر، وهي بمعنى الامتحان والاختبار والابتلاء من الله لعباده بالخير والشر بالنعم والمصائب فهذه لون وفتنة المشركين لون، وفتنة المؤمن في ماله وولده وجاره لون آخر، والفتنة التي يوقعها بين أهل الإسلام كالفتنة التي أوقعها بين أصحاب علي ومعاوية وبين أهل الجمل، وبين المسلمين حتى يتقاتلوا ويتهاجروا لون آخر. «زاد المعاد، ج ۳، ص ۱۷۰». 

هذا ولقد جاء على المسلمين زمان هاجت فيه الأرض وكثرت فيه الفرق، وكثر فيه النزاع، وطمت فيه الفتن، وتماوجت فيه الأحداث. وراحت كل فرقة تبحث لها عن سند في هذا القرآن، وفي حديث رسول اللهﷺ، ودخل في هذه الفتن وساقها أعداء هذا الدين الأصلاء من اليهود-خاصة-ثم من «القوميين»، دعاة «القومية» الذين تسموا بالشعوبيين!

 ولقد أدخلت هذه الفرق على حديث رسول الله ﷺ ما احتاج إلى جهد عشرات العلماء الأتقياء الأذكياء عشرات من السنين لتحرير سنة رسول الله ﷺ وغربلتها وتنقيتها من كل دخيل عليها من كيد أولئك الكائدين لهذا الدين.

كما استطاعت هذه الفرق في تلك الفتن أن تؤول معاني النصوص القرآنية، وأن تحاول أن تلوي هذه النصوص لتشهد لها بما تريد تقريره من الأحكام والاتجاهات.

ولكنها عجزت جميعًا-وفي أشد أوقات الفتن حلوكة واضطرابا-أن تحدث حدثا واحدا في نصوص هذا الكتاب المحفوظ وبقيت نصوصه كما أنزلها الله حجة باقية على كل محرف وكل مؤول: وحجة باقية كذلك على ربانية هذا الذكر المحفوظ.

ثم جاء على المسلمين زمان-ما نزال نعانيه-ضعفوا فيه عن حماية أنفسهم، وعن حماية عقيدتهم، وعن حماية نظامهم، وعن حماية أرضهم وعن حماية أعراضهم وأموالهم وأخلاقهم، وحتى عن حماية عقولهم وإدراكهم وغير عليهم أعداؤهم الغالبون كل هذه الأول، وأما في العصر الحديث فإن ضراوة المعركة بين الوثنية الهندية والإسلام ضراوة ظاهرة.

ولقد ألبوا على الإسلام والمسلمين كل قوى الجزيرة العربية المشركة وراحوا يجمعون القبائل المتفرقة لحرب الجماعة المسلمة ﴿وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ (النساء: 51)، ولما غلبهم الإسلام بقوة الحق-يوم أن كان الناس مسلمين-استداروا يكيدون له بدس المفتريات في كتبه-لم يسلم من هذا الدس إلا كتاب الله الذي تكفل بحفظه سبحانه-ويكيدون له بالدس بين صفوف المسلمين، وإثارة الفتن عن طريق استخدام حديثي العهد بالإسلام ومن ليس لهم فيه فقه من مسلمة الأقطار ويكيدون له بتأليب خصومه عليه في أنحاء الأرض. حتى انتهى بهم المطاف أن يكونوا في العصر الأخير هم الذين يقودون المعركة مع الإسلام في كل شبر على وجه الأرض وهم الذين يستخدمون الصليبية والوثنية في هذه الحرب الشاملة، وهم الذين يقيمون الأوضاع ويصنعون الأبطال الذين يتسمون بأسماء المسلمين، ويشنونها حربا صليبية صهيونية على كل جذر من جذور هذا ـ الدين!

وصدق الله العظيم: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ (المائدة: 82)

إن الذي ألب الأحزاب على الدولة المسلمة الناشئة في المدينة وجمع بين اليهود من بني قريظة وغيرهم وبين قريش في مكة، وبين القبائل الأخرى في الجزيرة. يهودي.

والذي ألب العوام، وجمع الشراذم، وأطلق الشائعات في فتنة مقتل عثمان رضي الله عنه رسالة وما تلاها من النكبات. يهودي.

والذي قاد حملة الوضع والكذب في أحاديث رسول الله ﷺ وفي الروايات والسير. يهودي.

ثم إن الذي كان وراء إثارة النعرات القومية في دولة الخلافة الأخيرة ووراء الانقلابات التي ابتدأت بعزل الشريعة عن الحكم واستبدال «الدستور» بها في عهد السلطان عبد الحميد، ثم انتهت بإلغاء الخلافة جملة على يدي أتاتورك. يهودي.

وسائر ما تلا ذلك من الحرب المعلنة على طلائع البعث الإسلامي في كل مكان على وجه الأرض وراءه یهود!

ثم لقد كان وراء النزعة المادية الإلحادية. يهودي. ووراء النزعة الحيوانية الجنسية يهودي. ووراء معظم النظريات الهدامة لكل المقدسات والضوابط يهود !

ولقد كانت الحرب التي شنها اليهود على الإسلام أطول أمدًا، وأعرض مجالًا، من تلك التي شنها عليه المشركون والوثنيون-على ضراوتها إلى الآن-أشد ضراوة وأكثر فتكا من ذي قبل وتحتاج إلى جهود وكفاح وجهاد حتى تنقشع هذه الغمة نسأل الله العون والسداد.

وسنتبع الحديث في المرة القادمة إن شاء الله.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل