; الفتنة أشد من القتل | مجلة المجتمع

العنوان الفتنة أشد من القتل

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر السبت 28-مايو-2011

مشاهدات 66

نشر في العدد 1954

نشر في الصفحة 33

السبت 28-مايو-2011

من معاني الفتنة في الكتاب والسنة:

 ١- الابتلاء والاختبار: كما في قوله تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَا وَهُمْ لا يُفْتَتُونَ﴾ (العنكبوت:2)؛ أي وهم لا يبتلون كما في ابن جرير، لأن الإيمان ليس كلمة تقال وتنطق فقط، وإنما هو أعمال ومواقف والتزام يقتضي بثبات وتحمّل للتبعات، وكل ذلك يقتضي من الإنسان قوة معينة ونفسية وثابة في الدفاع عن الحق.

2 - الصد عن السبيل والرد: كما في قوله تعالى: ﴿وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضٍ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ (المائدة: ٤٩)، قال القرطبي: معناه: أن يصدوك ويردوك، أو يزعزعوا ثقتك في البلاغ عن الله سبحانه أو في العمل بشرعه، أو يقنعوك بالعمل ببعضه وترك البعض الآخر، العمل بما يوافق الأهواء، أو بما يحقق شهوة أو شهرة.. إلخ.

3- العذاب: كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبِّكَ للَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فَتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبِّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (النحل:110) فتنوا أي عُذبوا فتنوا بكلمة الكفر كرها أو تحت العذاب، أو ما شاكل ذلك مما لم يستطيعوا تحمله في جهادهم في سبيل الله، رغم الصبر والمصابرة، فالله بعد ذلك غفور رحيم.

4- الشرك والكفر: كما في قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ (البقرة: ۱۹۳) قال ابن كثير: أي شرك، أمرنا بقتال من يقاتلنا حتى نرد عن أنفسنا وعن المسلمين الاستباحة من المعتدين والمتجبرين، وإلا ستكون فتنة كبيرة.

٥- الوقوع في المعاصي والنفاق: كما في قوله تعالى في حق المنافقين: ﴿وَلَٰكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ﴾ (الحديد:١٤)، قال البغوي: أي أوقعتموها في النفاق، وأهلكتموها باستعمال المعاصي والشهوات، أي ساعدتموها على الضلال، وكرهتم العمل للمعروف وللحق وأحببتم أن يعجز المسلمون عن نصرة الحق حتى لا يظهر تخلفكم وجرمكم.

 6- اشتباه الحق بالباطل: كما في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةَ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ (الأنفال:73)، فالمعنى: إلا يوالي المؤمن من دون الكافر، وإن كان ذا رحم به؛ «تكن فتنة في الأرض» أي شبهة في الحق والباطل.. كذا في «جامع البيان» لابن جرير، أي يجب أن يوالي المؤمن المؤمن، كما يوالي الكافر الكافر، فولاية المؤمن للمؤمن ألزم وأوجب والفرقة بين المؤمنين جريمة وضعف وخور يؤدي إلى فساد في الأرض وضياع للأوطان.

7- الإضلال: كما في قوله تعالى: ﴿وَمَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ﴾ (المائدة: ٤١)، فإن معنى الفتنة هنا الإضلال. ««البحر المحيط» لأبي حيان 4/»)، أي أن الهداية والضلال بيد الله سبحانه، فيجب الالتجاء إليه وطاعته وطلب العون منه، فإنه الذي بيده ذلك وهو القادر عليه سبحانه وتعالى، يهدي من يشاء، ويضل من يشاء وكل ذلك له أسبابه.

8- القتل والأسر: ومنه قوله تعالى: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أن يَفْتَنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (النساء: ۱۰۱)، والمراد: حمل الكفار على المؤمنين وهم في صلاتهم ساجدون حتى يقتلوهم أو يأسروهم، كما عند ابن جرير، أي يفتنكم الذين كفروا بالقتل الذي يكون بسبب انشغالكم بالصلاة، فقد شرع الله لكم صلاة الخوف رحمة بكم وحفاظا عليكم فلا تهملوا في القيام بها. 

9- اختلاف الناس وعدم اجتماع قلوبهم: كما في قوله تعالى: ﴿وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ﴾ (التوبة: ٤٧)، أي يوقعوا الخلاف بينكم كما في (الكشاف، ۲/277)، الاختلاف بين الناس ليس كله مذمومًا، بل تنوعًا للآراء، ووصولًا إلى الرأي الصحيح، أما إذا كان الخلاف للعداوات والفرقة والتناحر والخسران المبين فهو شيء سيئ وأمر مذموم ينبغي تجنبه والحذر منه ومنع مسبباته وزجر القائمين به.

١٠- الجنون: كما في قوله تعالى: ﴿بأَيَكُمُ المَفْتُونُ﴾ (القلم:6)، فالمفتون بمعنى المجنون سيعرف الناس من مخالطة المؤمنين من المجنون المؤمنون أم الكافرون، والأعمال ستظهر الحق في ذلك وليس كل ما يخالف الباطل جنونًا.

 ١١- الإحراق بالنار: لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ (البروج:۱۰)، فتنوا المؤمنين بالعذاب الأليم عن الحق ومحاولة ردهم إلى الباطل، وما أكثر هذه الفتن في أيامنا تلك من أقوام غلاظ شداد مردوا على النفاق وعلى فتنة المسلمين في كل شيء وبكل أمر، حتى وصل إلى القتل بالرصاص الحي قال ابن حجر: ويعرف المراد حيثما ورد بالسياق والقرائن. (الفتح، 11/١76).

موقف المسلم أمام الفتن

أولًا: الاستعاذة من الفتنة، فقد صح عن النبي أنه كان يستعيذ من الفتنة دبر كل صلاة، فعن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أن رسول الله له كان يدعو في الصلاة: «اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال، وأعوذ بك من فتنة المحيا وفتنة الممات».

ثانيًا: القرآن الكريم الذي جعله الله مصدر الثبات للمؤمنين سواء بقراءته أو بتطبيق أحكامه، وما فيه من أوامر أو باستعراض ما فيه من قصص وعبر.. يقول الله تعالى: ﴿قُلْ نَزَلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (النحل:102)، ويقول تعالى: ﴿وَكُلًا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ به فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذَكَرَى للمؤمنين﴾ (هود:120)، فالقرآن الكريم هو الوسيلة الثانية للتثبيت بعد دعاء الله تعالى فليحرص المسلم على قراءته وتدبره والعمل بما جاء فيه.

ثالثًا: عمل الطاعات المختلفة، قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدّ تثبيتا﴾ (النساء:66)، فعمل الطاعات والابتعاد عن المعاصي هو السياج الواقي بإذن الله تعالى من الوقوع في الفتن، فمثلاً يقول الله تعالى في أمر الصلاة: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَاب وِأَقِم الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللهُ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ (العنكبوت:45)، ويقول تعالى في شأن الصدقة: ﴿وَمَثَل الذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنفُسِهِمْ كَمَثَل جَنَّةَ بِرَبْوَة أَصَابَهَا وَابلَ فَاتَتْ أَكلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِن لَمْ يُصَبْهَا وَابِلٌ فَطَلَّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (البقرة:265). وعمومًا، فعمل الصالحات هو المخرج من الوقوع في الفتن كما أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم: «بَادِرُوا بِالأَعْمَالِ فَتَنَا كَقِطَعِ اللَّيْلِ المظلم يُصْبِحُ الرَّجُل مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا، أَوْ يُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كافِرًا يَبيعُ دِينَهُ بعَرَض مِنْ الدُّنْيَا» (أخرجه مسلم).. والله أعلم.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 8

210

الثلاثاء 05-مايو-1970

محاجر العقيدة الإسلامية

نشر في العدد 414

79

الثلاثاء 03-أكتوبر-1978

للإيمان طريق للإصلاح