العنوان سلاح الفتن «العصرية»
الكاتب الدكتور توفيق الشاوي
تاريخ النشر الثلاثاء 03-يونيو-1997
مشاهدات 89
نشر في العدد 1252
نشر في الصفحة 34
الثلاثاء 03-يونيو-1997
رأيت فكري حبيسًا في صومعة أستاذنا الجليل الشيخ أحمد سحنون وهو يقاسي جراح الاعتداء برصاص عملاء الفتنة وهو يؤم المصلين في صلاة الفجر
الحروب الاستعمارية تطورت وأصبح «الاستعمار»، يستخدم أسلحة جديدة بدلاً من الأسلحة التقليدية وسلاح الفتن العصرية، تستخدمه الدول الكبرى الطامعة ضد الشعوب المستضعفة أو الناشئة من أجل تمزيق وحدتها وتخريب اقتصادها حتى تضطر حكوماتها إلى الاستعانة بها واستجداء المعونات والقروض والمساعدات والأسلحة، وتطلب منها التدخل لحمايتها من خصومها أو معارضيها في الداخل أو جيرانها الذين تخشاهم.
هذا التدخل يمكن القوى الاستعمارية من زيادة نفوذها الاقتصادي والتجاري والثقافي والعسكري، مما يمكنها من السيطرة الكاملة على المجتمع برضاء حكومته وطلبها، بل برضاء الشعوب أو بعض طبقاتها أو عناصرها على الأقل وبذلك يصبح الأجنبي صديقًا وشريكًا وحليفًا بدلاً من أن يكون غازيًا ومحتلاً.
إن سلاح الفتن العصرية، يعتبر اقتصاديًا لأنه يعفيهم من التضحية بدماء جنودهم ويوفر لهم ما تتكلفه الغزوات الاستعمارية بواسطة الجيوش ولذلك فإن صناعته وتطوره لا تقل أهمية عن الصناعات الحربية الأخرى، ولا يجوز أن نتجاهل هذا التطور ولا بد أن نفكر في مواجهته بأساليب متطورة تتفق مع الظروف العالمية الحاضرة.
إن الاستعمار هو ظاهرة عالمية اقتصادية ابتكرتها الدول الكبرى للسيطرة على المواد الأولية والثروات التي تملكها الشعوب الأخرى، وما يقتضيه ذلك من هيمنة عالمية تمكنها من التحكم في طرق الاتصال والنقل، ولذلك فإن مقاومته يجب أن تستخدم فيها الأساليب المؤثرة في اقتصاديات الدول جميعها، كبيرها وصغيرها، وأهمها أسلوب المقاطعة الاقتصادية.
إنهم الآن يذلون شعوبنا واحدًا بعد الآخر بفرض المقاطعة الاقتصادية لمحاصرتها وتخريبها وإبادة شعوبها، فمن حقنا نحن استخدام المقاطعة الشعبية للتأثير في اقتصادياتهم ومجتمعاتهم.
منذ أن هزمت دولة الخلافة فإن أعداءنا يطمعون في تمزيق وحدتنا وإفساد مجتمعنا وإذلال شعوبنا بقصد القضاء على كيانها وحرمانها من جميع أسباب القوة والبقاء حتى يتحكموا فيها ويستغلوا ثرواتها ويستقر سلطانهم على بلادنا دون مقاومة أو معارضة وقد زينت لهم شياطين البغي أن يتخذوا
الصهيونية حليفًا لهم في القضاء على مقومات أمتنا وإذلال شعوبنا، وأنشأوا لها دولة مكنوا لها في المنطقة وزودوها بجميع أسباب السيطرة حتى ينفذوا أهدافهم بواسطتها.
ولما كانوا على يقين بأن شعوبنا ترفض الاستسلام لهذا المخطط الرهيب وتقاوم الاعتراف بهذه الدولة المفروضة في المنطقة، فإنهم قرروا حرماننا من أن يكون لشعوبنا حرية تقرير مصيرها أو اختيار نظمها ومحاسبة من يستبدون بالأمر فيها، وبدأوا يساعدون كل من يتنكر لحقوق أمته ويتعاون مع أعدائها في تنفيذ سياستهم بالقوة والعنف، وذلك بقصد القضاء على رصيد شعوبنا من القيم التي تحصن وجودها وتمدها بأسباب الحيوية والتقدم والبقاء.. ومقاومة البغي والعدوان.
أصبح الهدف من فتنة شعوبنا في كثير من البلاد هو إبادتها، وليس تحويلها عن عقيدتها وشريعتها إلا وسيلة لذلك ولديهم وسائل أخرى فهم لا يكتفون بإبعاد شعوبنا عن عقيدتها وشريعتها ومقوماتها المعنوية الأصيلة، بل إنهم يسعون لحرمانها من ثرواتها بالاستيلاء على منابعها واحتكارها وإفقار أفرادنا وشعوبنا حتى أصبح الفقر، أكبر حليف لهم في هجومهم على بلادنا.. وفي تنفيذ مخططاتهم لإفساد مجتمعاتنا والقضاء على مقوماتها العقيدية والمادية
إنهم لا يكتفون بإبعاد شعوبنا وأفرادها عن المصادر الأصيلة للقيم العقيدية والأخلاقية الإسلامية، بل يحرصون على إفقارها ماليًا واقتصاديًا، ليحرموها من مصادر القوة المادية لكي يحتكروا المال والثروة وما تستحدثه التكنولوجيا المتطورة من أنواع السلاح ووسائل الاتصال الفضائية مثل الأقمار الصناعية وغيرها وتفقد بذلك مقومات القوة والمقاومة والمناعة.
هذه هي الفتن المعاصرة، التي تتعدد صورها وتتكاثر في بلادنا، ولا بد من دراستها لكي نجد وسيلة للخروج منها.
وأول ما نلاحظه أن جذورها في الخارج حيث نشأت صناعة تدبير الفتن في بلادنا لتمكنهم من احتلالها والسيطرة عليها بموافقة حكوماتها الوطنية، دون مواجهة أعباء الغزو العسكري والاحتلال التقليدي، لذلك فهي في نظرهم إحدى الصناعات التي تفوقوا فيها وتسابقوا في تطويرها.
وإذا أردنا مواجهتها والقضاء عليها فلا بد أن نسعى لاقتلاع جذورها الأجنبية، وهي في نظري مصالح رأسمالية ومطامع اقتصادية.
المخرج من فتنة الجزائر
كلما زرت عاصمة الجزائر أحرص على الصلاة ما استطعت في مسجد «أسامة بن زيد» مع أستاذنا التقي الوقور الشيخ «أحمد سحنون» وكنت أعتبر ذلك أعز ذكرياتي عن تلك الزيارات وذات يوم رأيت فكري، حبيسًا في صومعة أستاذنا الجليل الشيخ «أحمد سحنون»، وهو يقاسي من جراح الاعتداء عليه وهو يؤم المصلين في صلاة الفجر، برصاص عملاء «الفتنة» التي ما زالت الجزائر المجاهدة مسرحًا لها، وكان لا بد أن تسترسل خواطري في موضوع «الفتنة».
لقد استرسلت خواطري معه ودار بيننا حوار فقهي حول الظلم والكفر والفتنة، وأحكام شريعتنا بشأن الفتن وماهيتها، وواصلت الحوار فيما بعد مع بعض جلسائه وتلاميذه من هواة السياسة والوطنية ودعاة الجهاد الذين استدرجوني من آفاق الفقه إلى ساحات الواقع الذي يقاسيه شعب الجزائر
من حق الجميع أن يشاركوني في خواطري وتأملاتي عن الفتن قديمها وحديثها وأحكامها ومصادرها وأهدافها لكي يفكروا معي في أحسن الطرق للخروج من مستنقعاتها المدمرة التي يستفيد منها أعداؤنا أهل البغي «العصريون».
لقد لاحظت أن «الفتن العصرية»، تختلف في أسبابها وآثارها وعلاجها عن «الفتن القديمة» لأنها ليست فتنًا داخلية، كما يظن كثيرون.
إن أصابع هذا العالم الجليل المضرجة بالدماء تؤيد ما أكده أحد جلسائه من أن مديريها هم أعداء الإسلام، وهدفهم هو إطفاء نوره وإقصاء علومه ومبادئه وقيمه الأصيلة الراسخة في المجتمع.
لقد أسر إلي أنه واثق من أن هذا العدوان على شيخنا من تدبير العناصر التي اغتصبت السلطة وفرضت الفتنة على المجتمع بتحريض وتدعيم من قوى أجنبية ترعى الكفر والإلحاد والظلم، لذلك بدا حوارنا بالبحث عن علاقة الكفر بالظلم، وقال شيخنا إن الكفر هو أكبر الظلم بنص القرآن الكريم، إن القرآن الكريم وصف الشرك بأنه ﴿لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ (لقمان: ۱۳)، وفي آية أخرى قال ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (البقرة : ٢٥٤)، يقصد بذلك أن المشرك والكافر إنما يظلم نفسه، لأنه يجلب عليها غضب الخالق، وعقابه الشديد، وهذا هو النوع الأول من «الظلم»، وهو ظلم «الإنسان» لنفسه وإذا لاحظنا أن من يظلموننا ويعتدون علينا هم ظالمون لأنفسهم فإن هذا يجعلنا نبحث عن العلاج الذي يقاوم الظلم بجميع صوره وأنواعه.
إن وصف الشرك والكفر بأنه ظلم عظيم يدل على أن هناك أنواعًا أخرى من الظلم، فهو أوسع نطاقًا من الشرك والكفر.
والظلم تتفاوت صوره ودرجاته، فبعض أنواع الظلم أقل درجة من الشرك إذا وقفت عند حد الفساد أو ارتكاب المعاصي، لكن هناك أنواعًا أخرى من الظلم أشد وأعظم من الشرك والكفر ذاته، ومثال ذلك ما إذا أضاف الظالم لهذا الكفر الذي يظلم به نفسه ظلمه لغيره... فيكون ظلمه مضاعفًا، جمع ظلم الغير إلى ظلم نفسه، فيكون الظلم مضاعفًا أو مركبًا.
مثال هذا ما أشار له «القرآن الكريم» في سورة البروج ووصفه بأنه فتنة المؤمنين عن دينهم وإيمانهم، وتوعد مرتكبيه بالعذاب في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ (البروج: 10).
وظاهر من الآية الكريمة أن الله توعد مرتكبي هذه الفتنة بعذاب مضاعف، وصفه بأنه عذاب جهنم أولاً، ثم وصفه بأنه عذاب الحريق.
وسبب ذلك أن هذه الفتنة مضاعفة، ففيها الفتنة الذاتية التي هي ظلم المشرك لنفسه الذي يستوجب عذابًا أليمًا يجره الظالم على نفسه نتيجة هذه الجريمة الشنعاء، لكنه أضاف إليها فتنة غيره من المؤمنين الذين أذاهم واعتدى عليهم وظلمهم بقصد «فتنتهم» عن دينهم، أي تحويلهم إلى الكفر والفساد.
إن السورة الكريمة «البروج»، صورت لنا أشنع أنواع هذا «الظلم» المضاعف في قصة أصحاب الأخدود الذين ابتكروا لتعذيب «المؤمنين» طريقة إلقائهم في الأخدود الذي أشعلوا به النار ذات الوقود، ولم يكتفوا بذلك، بل قعدوا حولها يتمتعون ويتلذذون برؤية هؤلاء المؤمنين يقاسون هذا العذاب الأليم.
ولذلك فإن الفتنة بتعذيب المؤمنين تتفاوت درجاتها حسب ما يبتكره المجرمون من صور التعذيب، ومدى تلذذهم واستمتاعهم برؤية هذا العذاب الذي يتفننون في إعداد أسبابه وطريقة إخراجه.
وفي رأينا أن المدنية الحاضرة قد زودت الظالمين بوسائل أخرى من التعذيب الذي يفرضونه على المؤمنين.
ولا شك في أن بعض «الكفرة» أو المفسدين الذين يبتكرون وسائل التعذيب ويسلطونها على «المؤمنين»، سيكون عذابهم يوم القيامة متناسبًا مع درجة الظلم الذي يرتكبونه لفتنة «المؤمنين» عن دينهم وعقيدتهم، وذلك إذا لم يتوبوا عن ذلك كما قال القرآن الكريم.
لكن «الفتنة» هي نوع معين من الظلم، لأن الظلم أوسع نطاقًا من الفتنة الذاتية التي يقصد بها تحول الشخص من الإيمان إلى الكفر لسبب أو لآخر، فهو قد ظلم نفسه بالردة بعد الإسلام والكفر بعد الإيمان، كما يعتبر فتنة من نوع أقل مجرد التحول من الصلاح إلى الفساد، ومن الاستقامة إلى العصيان.
كما أن فتنة الغير قد تكون بمحاولة تحويله عن إسلامه وإيمانه إلى الكفر أو الإلحاد أو تحويله من حال إلى ما هو أسوا منه.
إذا كنا قد تكلمنا عن ظلم الكافرين لأنفسهم بالتحول من الإيمان إلى الكفر، أو فتنتهم لغيرهم بالاعتداء عليه لتحويله من الإيمان إلى الكفر، فإن هذه ليست الصورة الوحيدة للظلم أو الفتنة لأن الشخص قد لا يكفر، ولكنه يرتكب فاحشة أو معصية أو فسادًا يظلم نفسه به، كما أن ظلم الغير قد يكون بتحويله من الاستقامة والصلاح إلى الفساد أو «العصيان» الذي لم يصل إلى حد الكفر، ولكنه يؤدي إلى الفساد أو الهلاك.
ويلاحظ أن بعض من ظلموا أنفسهم بالكفر أو الفساد ابتداء يتباهى بعضهم به ويعتبر أن هذا هو الوضع العادي، لأنهم لم تبلغهم رسالة الإسلام والإيمان، أو لم يقتنعوا بها أو لم يلتزموا بشريعتها، بل يتعالون على من يدعوهم إليها، وقد نسب القرآن ذلك إلى فرعون الذي قال لقومه إنه يخشى أن يتسبب موسى بدعوته إلى التوحيد في فتنتهم عن دينهم وهو الشرك بتأليه فرعون وعبادته، أو أن «يظهر في الأرض الفساد».
وما زال في عالم اليوم «فراعين» كثيرة وفئات باغية تدعي أن ضلالها أو كفرها هو الحق وأن المؤمنين لا يستحقون أن يبقوا على ظهر الأرض لأنهم في زعمهم يفسدون في الأرض.. أو مضللون خطرون يجب إبادتهم.
وفي عالمنا المعاصر نجد بعض أعدائنا يقصدون بفتنتهم لشعوبنا إفساد المجتمعات المسلمة، وبذر بذور الشقاق والبغي فيها، حتى تتمزق وتستأصل، ولم يعد الهدف مجرد تحويلها عن عقيدتها ودينها، وإذا كانوا يحاربون عقيدتنا أو شريعتنا فلأنهم يعتبرون أنها أساس مقومات بقائنا وصلاح مجتمعنا الذي يريدون القضاء عليه.
هذه هي الفتنة العصرية التي يعذب فيها شعب بأكمله أو أمة كبرى أو صغرى يقصد إبادتها، فهي فتنة أكبر وأخطر من فتنة بعض أفراد من المؤمنين التي وصفتها سورة «البروج» ، وتوعدت مرتكبيها بعذاب جهنم وعذاب الحريق.