العنوان أرقام مُفزعة!
الكاتب أحمد منصور
تاريخ النشر الثلاثاء 08-نوفمبر-1994
مشاهدات 111
نشر في العدد 1124
نشر في الصفحة 29
الثلاثاء 08-نوفمبر-1994
المشروعات التي حملتها «إسرائيل» إلى مؤتمر
الدار البيضاء، والتي قدرت قيمتها بحوالي 25 مليار دولار فتحت ملف الاستنزاف
الكبير لثروات الأمة، ومقدراتها الذي بدأ على يد طاغية العراق بالحروب المفتعلة
التي فجرها في المنطقة منذ أوائل الثمانينيات.
فالحرب العراقية الإيرانية استنزفت 400 مليار
دولار من ثروات الأمة، وفي النهاية لم يجن الطاغية شيئًا غير الخراب والدمار
للمنطقة.
أما جريمة غزوه للكويت في أغسطس 1990م فقد أكد
تقرير أعده صندوق النقد العربي بالاشتراك مع الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي
والاجتماعي ومنظمة الدول المصدرة للنفط «أوابك» نُشر في العام الماضي 1993م أن
كلفة حرب الخليج الثانية التي نتجت عن غزو العراق للكويت، والتي تحملها الاقتصاد
العربي قد بلغت أكثر من 676 مليار دولار، وهو مبلغ يكفي لقيام نهضة عربية شاملة في
كافة المجالات ولعدة عقود.
هذا خلاف تدمير العراق ومقدراته، فالأرقام التي
أعلنت عن خسائر العراق في الحرب الأخيرة أشارت إلى أنها بلغت 160 مليار دولار حيث
دمرت البنية الأساسية للبلاد، كما بلغت خسائر الحصار الاقتصادي 40 مليار دولار،
أما العقوبات التي قررتها الأمم المتحدة على العراق لتدفعها للدول والشعوب التي
تضررت من جريمة صدام فقد بلغت 150 مليار دولار.
ولم يكتف النظام البعثي بهذا الخراب والدمار
والاستنزاف الضخم الذي سببه للمنطقة كلها، وإنما قام بحشد قواته على الحدود
الكويتية في الشهر الماضي في حركة لاقت نقمة وسخط شعوب العالم أجمع وزادت من
الاستنزاف والضغوط على دول المنطقة، ولم يجن من ورائها شيئًا سوى تسجيل صفحات
جديدة في سجله الأسود.
وقد صرح وزير الدفاع الأمريكي «وليام بيري» في 11/10
الماضي بأن عملية انتشار القوات الأمريكية الأخيرة «سوف تتكلف مليارات الدولارات»،
وأكد «بيري» على كلامه بعبارة أخرى حينما قال: «إننا نتحدث عن مليارات الدولارات
وليس مئات الملايين من الدولارات». لذلك فإن «إسرائيل» سارعت هي الأخرى ليكون لها
نصيبها الوافر في حرب استنزاف ثروات الأمة، فعرضت في مؤتمر الدار البيضاء الذي
أعدته وأنتجته وأخرجته وصاغت بيانه الختامي مشروعاتها المئة والخمسين والتي تصل
تكلفتها كما أشرنا من قبل إلى 25 مليار دولار طالبة من الشريك الأمريكي أن يواصل
ضغوطه على الدول العربية الغنية، حتى تدعم المطامع الصهيونية والمشروعات التوسعية
في المنطقة، ولم يكتف وزير الخارجية الأمريكي «وارن كريستوفر» الذي حقق «لإسرائيل»
كثيرًا من المكاسب خلال الأسابيع القليلة الماضية بأن يطالب الدول العربية بتقديم
المساعدة «لإسرائيل» لتحقيق أحلامها بأموال العرب والمسلمين، وإنما أخذ يمارس
ضغوطه حتى النهاية في مؤتمر الدار البيضاء، حتى ترفع كافة الدول العربية -لاسيما
الدول الخليجية- المقاطعة الاقتصادية بالكامل عن «إسرائيل» وبالتالي يسقط الحاجز
الأخير للمقاومة وتجني «إسرائيل» مليارات أخرى من وراء تعاملها التجاري مع دول
المنطقة.
ولإدراك حجم الخسارة الفادحة والاستنزاف الضخم
لثروات الأمة من خلال الأرقام المخيفة التي ذكرناها، والتي تهدد بدخول المنطقة في
دوامة الديون وفوائد الديون التي غرقت فيها من قبل دول غنية بمواردها وشعوبها مثل
مصر والجزائر ونيجيريا فإن التقرير الذي نشره البنك الدولي عن ديون العالم، والذي
نشر في يناير الماضي 1994م يبرز حجم الكارثة التي تحيط بكثير من الدول العربية.
فحجم الديون المستحقة على الدول العربية في
نهاية العام 1993م بلغت 194 مليار دولار تبلغ قيمة الفوائد الربوية لها 18 مليار
دولار سنويًا، وإن هناك 12 دولة عربية من أصل 21 دولة مدينة تستهلك كل ميزانياتها
ليس في تسديد الديون، وإنما في تسديد فوائد الديون، وإن حجم الثروات التي استنزفت
خلال السنوات الأربع الأخيرة وحدها، وما يعد للاستنزاف مستقبلًا كفيل بإدخال دول
جديدة إلى دوامة صندوق النقد الدولي والبنك الدولي حيث أصبحت غالبية الدول العربية
والإسلامية من أفضل عملائهما.
ومما يزيد في المخاوف هو حجم النفقات العسكرية
فحجم الإنفاق على التسلح من قبل دول المنطقة بلغ خلال العام 1993م ستين مليار
دولار، وقد ذكرت صحيفة وول ستريت جورنال أن نصيب الولايات المتحدة منها بلغ 21
مليار دولار فيما فازت بباقي الصفقات دول أوروبية وأخرى شرقية.
هذه الأرقام الكبيرة التي ربما لا يدرك أبعادها
سوى الاقتصاديين تعطي دلالة واضحة على حجم الكارثة التي يمكن أن تلحق بمستقبل
الأمة إذا ما استمر الحال على ما هو عليه لا سيما بعد نجاح الصهاينة في تحقيق
مأربهم في مؤتمر الدار البيضاء؛ ليصبحوا طرفًا مباشرًا في مسيرة الاستنزاف،
ويغرقوا الأمة بالديون وفوائد الديون التي تستحق مباشرة لهم من خلال المشروعات
الضخمة التي يمكن أن تجبر كثيرًا من الدول العربية على المشاركة فيها.
إن هذه الأرقام التي أصبحت تتضخم كل يوم عن سابقه لا يمكن وصفها إلا بوصف واحد وهو أنها أرقام مفزعة وخطر داهم يهدد كيان الأمة ومستقبلها.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل