; الإسلام ومشاريع الوحدة | مجلة المجتمع

العنوان الإسلام ومشاريع الوحدة

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر الأحد 03-مايو-1992

مشاهدات 61

نشر في العدد 999

نشر في الصفحة 50

الأحد 03-مايو-1992

ينظر الباحثون إلى مشاريع الوحدة في العصر الحديث على أنها حل لمشاكل كثيرة توفر على الأمم والشعوب كثيرًا من الصراعات، في عصر انفتحت دروبه، وتقاربت ساحاته بفعل التكنولوجيا المتقدمة اليوم، حتى سمي بعالم قرية الكرة الأرضية، الذي استحالت فيه القارات إلى حارات، والأجناس إلى عائلات، والأقطار إلى بيوت، فأصبحت بذلك مشاريع القوميات والجنسيات والعصبيات أوهامًا لا تؤدي إلى تماسك أو استقرار للمجتمعات، ولا نجد شيئًا يصلح لإقرار هذه البشرية اليوم إلا أن تجتمع على أهداف وقيم ومصالح وتآخ، وترجع إلى أصلها الأول، قال -تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (الحجرات: 13). كما أنه لا بد أن يؤخذ في الاعتبار الاستقرار النفسي للإنسان الذي أصبح بعد هذا الانفتاح يحتاج هو الآخر إلى هوية بدلًا من القوميات والشعوبيات؛ لأنه أصبح كما يقول «توفلر» بفعل التكنولوجيا الحديثة، بدويًا جديدًا، يركب الطائرات بدل الجمال، وينزل المطارات بدل المضارب، وينام في الفنادق بدل الخيام، ويحمل الحقائب بدل الأخراج والأكياس، وهكذا ولا يصلح لهذا التوطين النفسي إلا الإيمان والحب، والشعور بالوحدة الإنسانية والأخوة البشرية المحيطة: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد»، قال -تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ (النساء: 1). والإسلام أول من نادى بتوحيد البشرية تحت لواء الأمة الواحدة، وقد وحد الأمة الإسلامية على اختلاف أجناسها وأعراقها وألوانها، في عصر كان التواصل فيه شاقًا ومرهقًا وكانت القوميات والعصبيات أديانًا أو أشد تحكمًا في النفس الإنسانية، كما جمع البدو مشتتي الهويات، وأعطاهم الهوية الإيمانية، ووصلهم بالمجتمعات والحضارات النفسية والمادية، إن النظرية الإسلامية تبرز كل يوم لتتحدى وتتلألأ كل حين لتهدي الضال وترشد الحائر، فهل يفيء المسلمون قبل غيرهم؟ لأن الأمة المسلمة كما يقول إقبال: «ضعفت عن شريعة القرآن، فحاولت أن تبدل معنى القرآن ليلائمها، ولم تحاول أن تغير نفسها لتلائم القرآن». فهي اليوم تفلسف الشتات وتوطنه، وأعداؤها اليوم يراهنون على شتاتها القومي والمذهبي والنفسي، والشخصية المسلمة اليوم تعيش في صراع بين واقع مفروض يرفضونه، ومثال يطمحون إلى تحقيقه فلا يصلون إليه. وهي اليوم تعيش وخزات التخلف والتمزق والقهر والصراعات، كما أنها ترى الأمم الأوروبية من حولها تجاوزت الوحدة فيها مرحلة القومية، ودخلت مرحلة وحدة الحضارة مع أخواتها بعد تاريخ تذابح طويل ورهيب، في حين أن العالم الإسلامي ما زال يتلمس وحدة حضارته التي عاشها 14 قرنًا في عصر الوحدات الكبرى، وما زال مفكروه يتعثرون في خلافات تاريخية ومذهبية، وغير قادرين على إيجاد صيغ تجمع وحدوي دولي من نوع يوافق منهجهم، ويلائم أحوالهم، مع أن ذلك من فرائضهم وأولوياتهم ويستطيعونه إذا خلصت النيات، وصدقت التوجهات. فما هو العائق إذن؟ ولا أظنه سيستمر طويلًا؛ لأن الأمة بأصالتها ومنهجها ستكسر الحواجز، وتحطم السدود. قال -تعالى-: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ ۚ﴾ (الروم: 4-5).



 


ا

الرابط المختصر :