العنوان حادث غیر متعمد تدويل الحرب!
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 26-مايو-1987
مشاهدات 62
نشر في العدد 819
نشر في الصفحة 4
الثلاثاء 26-مايو-1987
الافتتاحية
الصاروخ القاتل الذي اخترق السفينة الحربية الأمريكية «ستارك» وأهلك العشرات من بحارتها، هل كان سيُحدث نفس الصدمة السياسية والإثارة الإعلامية الفائقة لو أن هدفه كل إحدى ناقلات النفط العديدة التي أصيبت فوق مياه الخليج؟
لقد نال الأمريكان حظهم أخيرًا من هذه الحرب، مع إحساس عميق بالمرارة، لأن التكنولوجيا المتقدمة لسفنهم الحربية والأجهزة الدفاعية المعقدة لم تحمِ «الفرقاطة» من قدرها الأليم.
وحسبما هو معلن حتى الآن، فإن الهجوم على «ستارك» كان خطأ من قبل الطيارين العراقيين الذين كانوا بصدد الهجوم على أهداف بحرية أخرى في المنطقة، ولكنهم في ظلام الليل جعلوا من السفينة الأمريكية هدفًا لهم.
ولعله من الصعب الحكم بصورة دقيقة عن حقيقة الهجوم على «ستارك» أو، مناقشة ما صرح به «رفسنجاني» من أن الطيارين العراقيين نفذوا عملية عسكرية لصالح الاتحاد السوفيتي، ولكن الجدير بالملاحظة أن هذا الحادث الخطير جاء مناسبًا للعراق -بالرغم من الإحراج المؤقت- وذلك للفت نظر العالم -وأمريكا- بصورة صارخة إلى الاستمرار الثقيل والمزعج للحرب العراقية الإيرانية.
ولكن ماذا ستفعل أمريكا بعد الحادث؟
القراءة الأولية لتصريحات المسؤولين في واشنطن عقب الحادث وعلى رأسهم الرئيس ريغان، تشير إلى الإصرار الأمريكي على الوجود العسكري المكثف في الخليج بدعوى تأمين شريان النفط الخليجي إلى العالم وحلفاء الولايات المتحدة، مع اقتراحات قوية بإدخال حاملات الطائرات الموجودة في المحيط الهندي إلى الخليج لتأمين الغطاء الجوي للقطع البحرية الأمريكية فيه.
والكويت التي ألجأتها الهجمات المتكررة على ناقلاتها إلى طلب المساعدة الأمريكية لا شك أنها ستوفر للولايات المتحدة وأسطولها الحربي مناسبة قوية للعب دور متزايد داخل الخليج، بحجة حماية إحدى عشرة ناقلة كويتية سوف ترفع العلم الأمريكي خلال أسابيع قليلة.
وهكذا تريد واشنطن أن يكون الطلب الكويتي وحادثة «ستارك» تأشيرة للتدخل العسكري المباشر داخل الخليج، ولا شك أن الولايات المتحدة قادرة -في المستقبل القريب- على افتعال كافة الحوادث والمصادفات الغريبة الكفيلة بتبرير أي وجود عسكري أمريكي جديد وإضافي في مياه الخليج.
وإن موقف إدارة الرئيس ريغان من حرب الناقلات فيما مضي جدير بأن يوصف بالنفاق، فالمسؤولون الأميركيون لا يفتأون عن التصريح بأن وجود أساطيلهم في الخليج هو لحماية مرور النفط، بينما تلك الأساطيل لم تقم، بل لم تحاول أن تقوم باعتراض أيٍّ من عمليات الهجوم شبه اليومية على الناقلات والسفن في الخليج، إذًا ما دور هذه الأساطيل على شواطئنا؟!
وهذا الذي تقوم به أمريكا في الخليج شبيه بما كان يحدث في القرن التاسع عشر، عندما كانت الدول الاستعمارية ترسل الجيوش الجرارة إلى أقطار العالم الثالث بسبب «صفعة» على وجه أحد سفرائها!
ولا شك أن الولايات المتحدة كاذبة في معظم مبررات وجودها العسكري في الخليج، وهي كاذبة في قلقها المعلن من الحرب العراقية – الإيرانية، فهي التي تمسك لجام هذه الحرب وترسل السلاح إلى الطرف المصِر على استمرارها، ولو شاءت واشنطن لانتهت الحرب منذ سنوات.
ومما يزيد التعقيد في المسألة الخليجية أنها أصبحت قابلة للتدويل خاصة بعد الوجود السوفيتي الرسمي الذي أملته الاتفاقية التجارية مع الكويت؛ لاستخدام ناقلات نفط سوفيتية لصالح تصدير النفط الكويتي، وقد صرح مسؤولون سوفييت بأنه من حق الاتحاد السوفيتي إرسال سفنه الحربية لمرافقة تلك الناقلات، وللعلم فإن للبحرية السوفيتية أسطولًا دائمًا في مياه المحيط الهندي.
وإذا حدث أن تعرضت الناقلات السوفيتية وتلك التي ترفع العلم الأمريكي للهجمات وتدخلت أساطيل الجانبين لتوفير «الحماية»، فإن الخليج سيكتظ ببوارج الدولتين العظميين مع كل ما يتضمنه ذلك من أخطار كبيرة، ومبررات قوية -خاصة للجانب الأمريكي- لممارسة ضغوط ومساومات على دول الخليج لطلب الحماية.
ودول الخليج وهي المتضرر الأول من أية تطورات سلبية عن التدخل الأجنبي، عليها عبء السعي إلى إيجاد صيغة دقيقة ومحكمة لتلبية حاجاتها الأمنية والاقتصادية وبصورة لا تحقق للدول العظمى مبررات التدخل وعرض الحماية، كما أنها مؤهلة للوقوع تحت ضغوط سياسية مختلفة لدفعها لقبول خطط التدخل الأجنبي، وسيكون من الحكمة البالغة أن تنجح حكومات المنطقة في مقاومة هذه الضغوط وحماية شعوب المنطقة من شرور التكالب الدولي على خيرات الخليج.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل