; الإسلاميون.. بين ثوابت الحق وإيحاءات الوهم | مجلة المجتمع

العنوان الإسلاميون.. بين ثوابت الحق وإيحاءات الوهم

الكاتب خضير جعفر

تاريخ النشر الثلاثاء 05-سبتمبر-2000

مشاهدات 49

نشر في العدد 1416

نشر في الصفحة 44

الثلاثاء 05-سبتمبر-2000

الثابت والمتغير محوران كثر الجدل حولهما، والزاوية التي ترصد الثابت منها تنحصر بين خطي الإفراط والتفريط في دائرة العمل الإسلامي؛ حيث لا نعني بالثابت هنا ما أحل الله وما حرم، ولا نقصد به البعد العقائدي المتصل بأصول الدين وفروعه، فتلك أمور لا مجال فيها لبحث أو نقاش أو جدل داخلي، بعد أن آمنا بها جميعا، وعقدنا عليها القلوب، ونمتلك على صحة إثباتها ألف دليل ودليل. 

ولكننا حينما نتحدث عن الثابت والمتغير هنا إنما نهدف إلى إثارة الجدل حول الفكر الإنساني الذي يحمله الإسلاميون، والتجربة المتراكمة التي صنعها إبداع المسلمين وتفكيرهم ورؤاهم، إنه مربط الفرس في جدلية الثابت والمتغير في الساحة الإسلامية، خاصة حينما يبتلي بعضنا بعقدة القداسة إزاء كل قديم، أو عقدة الخوف من التعاطي مع كل متغير أو جديد، وما نريد التأكيد عليه في هذا السياق أن ليس كل قديم سليمًا، ولا كل جديد خروجًا عن الحق ذميمًا، ولا بدعة يستحق القائلون بها جلدًا أو تجريمًا، فإذا ما استثنينا الكتاب العزيز، وما صح من السنة المطهرة، فلن يبقى أمامنا نص مقدس لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، سواء قاله فيلسوف محترم أو فقيه ضليع أو متكلم رفيع، أو مفسر عميق؛ لأن كل الذي يأتي به هؤلاء يندرج تحت قائمة الرأي البشري، ويخضع لقانون الجرح والتعديل، فما وافق الحق قبل، وما خالفه يمكن تجاوزه دون مساس بمكانة واحترام قائله الذي اجتهد فأخطأ؛ إذ له فيما أصاب أو أخطأ ثواب المجتهدين.

 إن الذي نقطع به هو أن بعض ما صنعناه من الثوابت لم يكن ثابتًا مقدسًا، ولذلك أدخلنا أنفسنا في أنفاق العسر الضيقة، وتركنا رخص الله وفسحة الشريعة السهلة السمحة لتواجه حرجا ما أراده الله لنا.

 ومرد ذلك إما جهلنا بالثوابت، أو بالواقع، أو بالتحديات، الأمر الذي يدعو حملة الهم الإسلامي إلى إعادة قراءة الواقع والتحديات والثوابت والمتغيرات معًا؛ لكي يضعوا أقدامهم على أرض صلبة تسمح لهم بحرية الحركة المنضبطة بإيقاعات الحلال والحرام، وليس بقناعات الذات المفتقرة إلى الأدلة، والتي تعوزها البراهين.

 أما أن يتحول هذا الرأي أو ذلك - مع أهمية قائله - إلى حقيقة لا تطولها مشارح التحقيق ومباضع البحث العلمي، فتلك مكانة لا نمتلك صلاحيات منحها لأحد، ولم يحلم حتى السلف الصالح وأصحاب الرأي الأقدمون بها؛ لأنها تعني وضع أصحابها فوق مقام الآدميين، وهو ما لا يصمد أمام النقد الحر الجريء.

 وإذا ما ثبت هذا فعندها تفتح أبواب البحث العلمي بوعي ليرفد المسيرة ويسددها، ونغني المكتبة العالمية والثقافة والعقلية الإسلامية بما يثريها ويرشدها ويحميها، ولكننا قد نفاجأ بعد حل هذه الإشكالية بإشكالية أخرى حينما نضيف إلى قائمة الثوابت الشرعية ثوابت جديدة لا تستحق لفظ الثبات، فتملي على النفس والمجتمع قائمة محظورات ما أنزل الله بها من سلطان، ولم يسعفها دليل أو برهان.

 وإذا كان المنطق القرآني يؤكد على استيعاب تجارب الأمم والشعوب؛ لأن ﴿فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (يوسف: ۱۱۱)، فإن الثابت الشرعي والعقدي الذي حددته النصوص، ودعت إلى الالتزام به الشريعة خطوط حمر لا نملك معها القدرة على التحلل أو التحرر منها، لكننا نخشى أن يوسع المتحرجون دائرة الحرام؛ لتشمل ما جاورها من مباحات فيوقعوا الأمة في وديان الحرج، ويسلبوا منها القدرة على الحركة في فضاءات المباح، وبالتالي يحولون سعة الشريعة إلى قوالب جامدة ميتة تقتل الإبداع، وتقهر الأتباع وتضطر المؤمنين إلى الجمود في دائرة حدود لم يرسمها التشريع الإسلامي، أو ينفرون الآخرين من الورود في بحبوحة الإيمان، والولوج في رياض الهدى، وفي ذلك صد عن سبيل الله، ألبس البعض أهواءه فيها أثواب القداسة، ومنحها صفة الثبات دونما أدلة إثبات من آيات أو روايات.

الرابط المختصر :