العنوان اليد العليا خير من اليد السفلى
الكاتب د. علي الحمادي
تاريخ النشر السبت 07-أبريل-2001
مشاهدات 88
نشر في العدد 1445
نشر في الصفحة 43
السبت 07-أبريل-2001
رغم يقيننا بأن عدم وجود المال لا ينبغي أن يكون سببًا أو مبررًا للتقاعس عن صناعة الحياة؛ إذ إن التاريخ والواقع قد ذكرا لنا عددًا من الفقراء كان لهم الأثر البالغ في دنيا الناس، وانظر إلى كثير من العلماء الذين بلغ تأثيرهم الآفاق وعبر القرون والقارات، كانوا فقراء حتى قال قائلهم:
قلت للفقر أين أنت مقيم قال في عمائم الفقهاء
إن بيني وبينهم لإخاء وعزيز عليّ ترك الإخاء
فهذا العالم الفقيه عبد الوهاب المالكي كان يعيش في بغداد فضاق به الحال فقرر الرحيل من بغداد، وقال للناس: والله لو وجدت رغيفين كل صباح ومساء ما عدلت عن بلدكم هذا، ثم قال:
بغداد دار لأهل المال طيبة
وللمفاليس دار الضنك والضيق
ظللت حيران أمشي في أزقتها
كأنني مصحف في بيت زنديق
أقول: رغم يقيننا بهذا كله إلا أن كلامنا هذا ليس دعوة لطلب الفقر وترك الكسب الحلال؛ فاليد العليا خير من اليد السفلي، وقد ذهب أهل الدثور بالأجور، وما ضر عثمان -رضي الله عنه- ما فعل بعد أن اشترى الجنة بماله مرتين، ونعم المال الصالح للرجل الصالح.
عن حكيم بن حزام -رضي الله عنه- قال سألت رسول الله فأعطاني، ثم سألته فأعطاني، ثم قال لي يا حكيم: «إن هذا المال خضر حلو، فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه وكان كالذي يأكل ولا يشبع، واليد العليا خير من اليد السفلي».
قال حكيم فقلت يا رسول الله، والذي بعثك بالحق لا أرزأ أحدًا بعدك شيئًا حتى أفارق الدنيا؛ فكان أبوبكر يدعو حكيمًا ليعطيه العطاء فيأبي أن يقبل منه شيئًا، ثم إن عمر دعاه ليعطيه فأبى أن يقبل منه، فقال يا معشر المسلمين إني أعرض عليه حقه الذي قسم الله له من هذا الفيء فيأبى أن يأخذه، فلم يرزأ حكيم أحدًا من الناس شيئًا بعد النبي ﷺ حتى توفي (البخاري - الوصايا. والدارمي – الزكاة).
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه-. أن فقراء أتوا رسول ﷺ فقالوا: ذهب أهل الدثور بالدرجات والنعيم المقيم، فقال وما ذاك، فقالوا يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم ويتصدقون بفضول أموالهم، ولا نتصدق، ويعتقون ولا نعتق، فقال رسول الله ﷺ أفلا شيئًا تدركون به من سبقكم وتسبقون به من بعدكم ولا يكون أحد أفضل منكم إلا من صنع مثل ما صنعتم قالوا: بلی یا رسول ﷺ؟ قال: تسبحون وتحمدون وتكبرون دبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين مرة. فرجع فقراء المهاجرين إلى رسول ﷺ فقالوا سمع إخواننا أهل الأموال بما فعلنا ففعلوا مثله، فقال رسول ﷺ: ﴿ذَ ٰلِكَ فَضۡلُ ٱللَّهِ یُؤۡتِیهِ مَن یَشَاۤءُۚ وَٱللَّهُ وَ ٰسِعٌ عَلِیمٌ﴾ (المائدة: 54) (البخاري . الأذان، ومسلم - الزكاة، وأحمد . مسند الأنصار، والدارمي – الصلاة).
وعن عبد الرحمن بن حباب -رضي الله عنه- «أن عثمان بن عفان جهز جيش العسرة بثلاثمائة بعير، بأقتابها وأحلاسها».
وعن عبد الرحمن بن سمرة -رضي الله عنه- أنه أي عثمان - رضي الله عنه- «جاء يومئذ بألف دينار فصبها في حجر رسول الله ﷺ فقال ﷺ «ما ضر عثمان ما فعل بعد هذا اليوم مرتين».
لقد أثنى القرآن الكريم على أصحاب المال الذين يوجهونه لخدمة دينهم وأمتهم، وجعل أجرهم عظيمًا، ومنزلتهم رفيعة وعدهم من المجاهدين.
يقول الله تعالى: ﴿ٱلَّذِینَ یُنفِقُونَ أَمۡوَ ٰلَهُم بِٱلَّیۡلِ وَٱلنَّهَارِ سِرࣰّا وَعَلَانِیَةࣰ فَلَهُمۡ أَجۡرُهُمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ وَلَا خَوۡفٌ عَلَیۡهِمۡ وَلَا هُمۡ یَحۡزَنُونَ﴾ (البقرة: 274).
ويقول الله تعالى: ﴿مَّثَلُ ٱلَّذِینَ یُنفِقُونَ أَمۡوَ ٰلَهُمۡ فِی سَبِیلِ ٱللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنۢبَتَتۡ سَبۡعَ سَنَابِلَ فِی كُلِّ سُنۢبُلَةࣲ مِّا۟ئَةُ حَبَّةࣲۗ وَٱللَّهُ یُضَـٰعِفُ لِمَن یَشَاۤءُۚ وَٱللَّهُ وَ ٰسِعٌ عَلِیمٌ﴾ (البقرة: 261).
ويقول تعالى: ﴿ءَامِنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَأَنفِقُوا۟ مِمَّا جَعَلَكُم مُّسۡتَخۡلَفِینَ فِیهِۖ فَٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ مِنكُمۡ وَأَنفَقُوا۟ لَهُمۡ أَجۡرࣱ كَبِیرࣱ﴾ (الحديد: 7).
ويقول تعالى: ﴿ٱنفِرُوا۟ خِفَافࣰا وَثِقَالࣰا وَجَـٰهِدُوا۟ بِأَمۡوَ ٰلِكُمۡ وَأَنفُسِكُمۡ فِی سَبِیلِ ٱللَّهِۚ ذَ ٰلِكُمۡ خَیۡرࣱ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ﴾ (التوبة: 41).
إن الإسلام نظم التعامل مع المال، ودعا إلى الكسب الحلال، ولم يحارب المال، وإنما حارب المال الخبيث الذي يتم الحصول عليه من الظلم والغش والخداع وإيذاء الناس وأكل حقوقهم.
ولذا وجدنا عددًا ليس بالقليل من كبار الصحابة والتابعين والسلف كانوا أغنياء، وكانوا مفاتيح للخير بسبب ما عندهم من مال وثراء، ومنهم عبد الرحمن بن عوف، عثمان بن عفان، عبد الله بن عمر، عبد الله بن المبارك، أبو حنيفة النعمان، وغيرهم.
المال سلاح ذو حدين، فإما أن تستخدمه للتأثير النافع وصناعة واقع يحترم القيم والمبادئ فيكون فيه خير كثير، وإما أن تجعله في الفساد والانحراف ومحاربة الدين وأهله فيكون فيه شر كثير.
وللمال والثراء المنضبط بضوابط الشرع فوائد جمة في صناعة التأثير النافع وإحداث تغيير فذ في واقع الناس، ولعل من أهم هذه الفوائد ما يلي:
- المال عامل مساعد في إنجاز أو تسريع أي مشروع تأثيري؛ إذ إن كل جزئيات هذا المشروع ربما تحتاج إلى مال كثير لتحقيقها.
بالعلم والمال يبني الناس ملكهم لم بين ملك على جهل وإقلال
- المال لسان فصيح، وسلاح مؤثر وورقة رابحة في حياة البشر بالأمس واليوم وغد، وفي هذا يقول القائل:
وتقدم الأصحاب فاستمعوا له ورأيته بين الورى مختالا
لولا دراهمه التي يزهو بها لوجدته في الناس أسوأ حالا
إن الدراهم في المواطن كلها تكسو الرجال مهابة وجلالا
فهي اللسان لمن أراد فصاحة وهي السلاح لمن أراد قتالا
- المال يكسو صاحبه هيبة ويزيده تقديرًا بين الناس، ويوصله إلى من بيدهم القرار والتأثير، ومن عادة كثير من البشر، إلا من رحم الله، أنهم ينظرون إلى الفقراء نظرة فيها شيء من الدون وقلة التقدير، ولذا يقول القائل:
يمشي الفقير وكل شيء ضده والناس تغلق دونه أبوابها
وتراه ممقوتًا وليس بمذنب يرى العداوة ولا يرى أسبابها
حتى الكلاب إذا رأت رجل الغنى حنت إليه وحركت أذنابها
وإذا رأت يومًا فقيرًا ماشيًا نبحت عليه وكشرت أنيابها
ولقد أدرك اليهود أهمية المال وخطورته فدخلوا إلى العالم من هذا المفصل الرئيس فقادوا الأمم، وسيطروا على كثير من الساسة والمتنفذين واستطاعوا أن يؤثروا تأثيرًا كبيرًا في دنيا الناس، بالرغم من أنهم حفنة قليلة في كل بلد يقيمون فيه، إلا أن جميع الساسة يغازلونهم ويخطبون ودهم ويقدمون لهم القرابين ويتفننون في إرضائهم والتقرب إليهم.
لذلك فإنني أتعجب ممن يريد أن يترك بصماته النافعة المرضية لله تعالى في هذه الحياة كيف يقع بعضهم في التطرف والغلو تجاه المال؛ إذ تجد البعض يطلقونه طلاقًا بائنًا لا رجعة فيه ويكفرون به كفرًا يخرجه من ملة العقلاء والمصلحين، وفي المقابل تجد البعض الآخر يكاد يعبده من دون الله تعالى ويهيم في حبه حتى لو شققت عن قلبه أو عقله فلن تجد إلا درهمًا ودينارًا أو دولارًا .