; حوار مع الشيوعيين في أقبية السجون.. الحلقة (۱۸) | مجلة المجتمع

العنوان حوار مع الشيوعيين في أقبية السجون.. الحلقة (۱۸)

الكاتب عبدالحليم خفاجي

تاريخ النشر الثلاثاء 10-أبريل-1973

مشاهدات 101

نشر في العدد 145

نشر في الصفحة 29

الثلاثاء 10-أبريل-1973

﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ (سورة يوسف: ٣٩) حوار مع الشيوعيين في أقبية السجون الحلقة (۱۸) بقلم الأستاذ: عبد الحليم خفاجي المحامي عائد العمل، وعائد رأس المال «الربح» قيمة أخلاقية في عمل اليد والكدح الذاتي • لقد بان لنا الدور الذي تؤديه الملكية بمفهومها الصحيح في توفير صبغة الاختيار على مدار المجتمع، وإنما هي أداة كل فرد في مباشرته لهذا الاختيار. • وبان لنا أن أبرز صور الدخول هي: - (١) عائد العمل (۲) عائد رأس المال (الربح)، فالإنسان ينمي ثروته بعمله المباشر فيها، أو عن طريق المشاركة بها مع عمل الخير، وفي هذه الحالة يكون له الحق في عائد رأسماله في المشاركة، فهل هناك ضرورة اجتماعية لإباحة هذا اللون الأخير من الدخل الذي لا ينتج من العمل مباشرة؟ وهل هو عائد مشروع أم سرقة واغتصاب كما يراه الماركسيون من خلال تحليلات ماركس للقيمة؟ • ضرورة إباحة الربح: • نعم: هناك ضرورة اجتماعية لإباحة الربح، ضرورة يوجبها مفهوم التكليف ومداه في بيئة الرسالات السماوية، آية ذلك أن هناك حالات يتقلب فيها الناس جميعًا، ولا يخلو منها كل بیت، إن لم يكن كل فرد؛ فطالب العلم، والشيخ، والمريض، والمرأة، والطفل حتى يكبر، والمتفرغ لهدف أو رسالة إنسانية، ومن على هذا الشكل ممن لا يكون العمل في مقدورهم بصفة مؤقتة اختيارًا أو اضطرارًا، أو لا يكون في مقدورهم بصفة دائمة اضطرارًا. • كيف نجعل هؤلاء لا يقعون في قبضة إنسان آخر، أو في أسر سلطانه حتى يعبروا ظروفهم؟ • كيف يظلون في حماية الشريعة وحدها قادرين على الاختيار دائمًا على نفس مستوى التكليف الذي عليه القادر أو الراغب في العمل المنتج؟ • ومن ثم كيف يلزم مواجهة هذه الضرورات الاجتماعية مواجهة تتسم بالحكمة بدوام إبقائهم على نفس مستوى التكليف، وعلى نفس مستوى القدرة على خوض ميدان المنافسة والاختيار؟ • إن الإسلام لم يرفع التكليف عن طالب العلم حتى يتعلم إذا لم يترك له تحصيل العلم وقتًا للعمل، والإسلام لم يرفع التكليف عن المرأة؛ لأنه حبب إليها العمل في البيت إذا أشغلتها رعاية الأسرة فلم تترك لها وقتًا للعمل بالخارج، ولم يرفع الإسلام التكليف من الفرد إذا حرم وضعف عن العمل بيده، ولا عن المريض حتى يشفى من مرضه، ولا عن القائم برسالة من تعليم وقضاء وجهاد إذا صرفتهم هذه الأعمال عن العمل بأیدیهم، وهكذا فوجب إذن تسليح هؤلاء وهؤلاء بنفس السلطة التي تكون في يد القادر على العمل المباشر حتى يتساووا معهم في المسئولية عن التكليف. لذلك فقد أباح الشارع الحكيم الدخول عن طريق عائد رأس المال (الربح) ليستطيع صاحب رأس المال أن يشارك في الإنتاج، وأن ينميه بطريق المشاركة ليستخدم عائدة في توسيع مجالات التصرف والاستعمال من خلال صبغة الاختيار، فيظل له نفس القدرة على الاختيار، ويظل سید ظروفه وآماله. • الدخول تتفاضل: • لا شك أن الدخل عن طريق الربح حالة أدنى من صورة الدخل عن طريق العمل الذي حبب فيه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وزكاه، ولكنها الضرورات الاجتماعية التي يجب مواجهتها بمنطق الاختيار، ثم إن هذه الظروف تمر علينا جميعًا في مراحل حياتنا المختلفة، الأمر الذي لا يخلو منه كل بيت إن لم يكن كل فرد. • ولو دققنا لوجدنا أن هناك كثيرًا من التجاوز في النظر إلى أصحاب هذه الظروف نظرة ارتياب إلى إنتاجية عملهم، فعملهم في ميدان الخدمات أو في ميدان العلم هو في حقيقته عمل منتج على نفس مستوى العمل المباشر، وقد عدلت روسيا أخيرًا عن التفرقة الجائرة بين النوعين من العمل، وساوت في النظر بين جميع عمال المشروع الإنتاجي من عمال وموظفين. ويبقى جانب تربوي هام -برغم كل ما يقال عن الضرورات الاجتماعية ومواجهتها- يستمده الإنسان من عمل يده برغم حقه في عائد رأس ماله؛ ولذلك كان سيدنا سلمان الفارسي -عليه رضوان الله- وهو أمير «المدائن» ينفق كل عطائه، ويفضل عليه ما يأتيه من عمل يده في صناعة الخوص. وقد فطنت بعض الأحزاب الشيوعية إلى مغزى العمل النفسي، فألزمت أعضاءها بترك العمل السياسي والانخراط في سلك العمل الزراعي أو الصناعي، ومعايشة الواقع مدة لا تقل عن سنتين؛ حتى لا ينفصلوا شعوريًّا عن واقع مجتمعهم، وبهذا تنضبط نظرتنا إلى الربح كصورة من صور الدخول له وظيفة اجتماعية في الدرجة الأولى قبل أي اعتبارات اقتصادية. • الكسب الحلال: • ومن هنا كانت حكمة الإسلام في إباحة صور أخرى من الدخول أدنى من صورتي عائد العمل وعائد. الملكية ليست شرًا لذاتها وهي منوطة بطريقة الاستعمال: رأس المال، لم يشترك الفرد في جلبها بعمل ذاته (عضليًا أو ذهنيًا) أو يعمل رأسماله: مثل الميراث، والوصية، الوقف، والهبة، والزكاة، والصدقات، والكنوز، وأعطى لها وللدخول السابقة عنوانًا عامًا هو الكسب الحلال. والمشكلة -بعد اتضاح الضرورة الاجتماعية في إباحة الربح- تكمن في كيفية ضبط عائد رأس المال حتى يكون تقديره عادلًا ومشروعًا، وليس سرقة ولا اغتصابًا، كما هو واقع الاستقلال الرأسمالي. وهذا يجعل لنا تحليلنا الخاص للقيمة بعيدًا عن المواقف المسبقة التي كانت وراء تحلیل مارکس المعتسف تبريرًا لموقفه العقيدي من الملكية. قيمة التحليل: أما ما سبق أن أوضحناه في الحلقة السابقة من مفهوم الملكية ودورها الصحيح في بيئة الرسالات السماوية، بيئة التكليف، وشرطه الاختيار فيلزم تدعيمه بتحليل موضوع القيمة تحليلًا أمينًا؛ لنرى مشروعية الربح من عدمه، كما يلزم ضبط حركة المال بعد التحليل بجميع موازين الحركة في الشريعة الإسلامية؛ حتى يظل عائد العمل حلالًا وعائد رأس المال حلالًا، فلا تختلط صورة الملكية الإسلامية بصورة الملكية الرأسمالية أو الاقطاعية من قريب أو بعيد على ما سنبين. مع الإشارة السريعة إلى أن الملكية الخاصة الإسلامية كأصل لا تمنع من قيام الملكية العامة كاستثناء، وكحل من حلول الضرورة المنضبطة بالموازين الإسلامية التي تبعدها من أي تشابه مع الماركسية في النتائج كما سنبين ذلك أيضًا. نظرية الربح: قبل عرضنا للتحليلات التي تؤكد مشروعية الربح بالضمانات اللازمة يلزم التعرض لما قاله مارکس أولًا لتقييمه علميًا لنرى هل تحققت حتمياته؟ وما دلالة عدم تحققها؟ وثانيًا لنبرهن على عدم صحة المقدمات التي بني عليها. مارکس يرى أن للسلعة قيمتين قيمة تبادلية، وقيمة استعمالية، وأن التبادل هو الذي يجعل العملية مربحة من حيث الكيف، وإن كانت متساوية من حيث الكم، والكم هو مقدار وقت العمل الذي لمل في إنتاج السلعة، والعمل المنتج الذي يعتبره مارکس أساس القيمة ليس هو العمل الحقيقي؛ أي ليس هو عدد ساعات العمل المبذولة؛ لأنه بذلك يواجه أشكالًا إذ تكون السلعة التي بذل فيها جهدًا ومشقة يلزم بالضرورة بيعها بثمن أكبر من السلعة التي أنتجت بالوسائل الغنية في وقت أقل، ولذلك يرى ماركس أن القيمة لا تعتمد على المجهود الذي يقاس بالوقت، بل يقيسها في حدود ما يسميه «بالعمل اللازم اجتماعيًا» أي اللازم في الظروف التكنيكية العادية للإنتاج في فترة معينة طبقًا لمتوسط مهارة وجهد المنتج، فاذا قدر للاختراعات أن تخفض من هذا المعدل الزمني فإنه لا بد أن تهبط القيمة بالتالي. والفرق بين الجهد الفني وغير الفني -العقلي منه واليدوي- فرق كمي لا كيفي، مرجعه ما سبق أن أنفق من قوة العمل في سبيل إحالة الجهد إلى فن، ولذلك فمن الممكن القول بأن العمل غير الفني يمثل وحدة واحدة، والعمل الفني يمثل أكثر من وحدة، وبهذا يمكن قياس ما في الجهد الإنساني من قوة عاملة.  ويعتبر ماركس أن عمل العامل هو وحده العمل المنتج وهو وحده أساس القيمة، ويطلق عليه اصطلاح رأس المال المتغير، أما رأس المال الثابت المتمثل في الآلآت والمباني والمواد الخام- فلا يدخل في تكوين القيمة، فهو لذلك يعتبر دور الرأسمالي والتاجر والمقرض، كلها أدوار طفيلية لا تقوم بأي عمل منتج، وبالتالي فهم يحصلون على دخول استقلالية كالربح والفائدة والريع، أما الدخل الوحيد المشروع عنده فهو دخل العامل الذي جاء مقابل عمله المنتج، والمتمثل فيما يحصل عليه مقابل بيع السلع بمقدار ما بذل فيها من عمل، ولكنه يرى أن الرأسمالي لا يعطي العامل قيمة عمله كاملًا، وإنما يعطيه جزءًا منه في صورة أجبر ويحتجز لنفسه بقية القيمة، وهي التي يسميها «فائض القيمة» ويعتبرها اغتصابًا، وهذه العملية الإنتاجية الرأسمالية ستؤدي في نظره إلى ثلاثة قوانين حتمية في تقويض النظام الرأسمالي، هي: 1. قانون تجميع رأس المال: يرى أن زيادة رأس المال الثابت، ونقص رأس المال المتغير يؤدي إلى نقص نسبة الربح؛ لأن العمل أي «رأس المال المتغير» هو مصدر القيمة الوحيد عنده، والمنافسة القائمة تؤدي إلى زيادة تشغيل الآلآت التي توفر العمل ليضمن فائض قيمة نسبيًا وبالتالي مزيدًا من الربح. ویدلل مارکس رياضيًا على أن رأس المال المتغير هو وحده أساس القيمة؛ حتى أنه إذا حدثت ابتكارات أدت إلى توفير العمل، فان ذلك سيكون له نتيجة واحدة هي انخفاض فائض القيمة التي يحصل عليها الرأسمالي، وكل ما هنالك أن المنتج الذي استخدم الابتكارات لأول مرة تكون الزيادة التركيب العضوي الراس المال بالنسبة له نتائج تختلف عن آثارها فيما يته بطبقة المنتجين عموما فهو ... كمية أكبر من السلع بنفقات أقل.... متوسط النفقات السائد في السوق ويبيعها بالثمن الذي ينبني على نفقة المنتجين الآخرين، ولهذا يحصل المنتج على دخل احتكاري يفض إلى فائض القيمة المستغل أولًا، ولكن سرعان ما تعمل المنافسة على تعميم وسيلة الإنتاج الجديدة، ومم ذلك أن تنخفض النفقات عمومًا لا جميع المنتجين، ويصبح كل منتج نفس حالة المنتج الأول، فتنخفض الأسعار إلى الحد الذي تباع فيه السلع بقيمة ما بذل فيها من عمل؛ أي من رأس مال متغير، ورأس المال المتغير قد نقص على مدار المجتمع... الاختراعات الجديدة وفرت القوى العاملة، ومعنى ذلك لديه أن فائض القيمة الذي سيحصل عليه المنتج سيقل، ولذلك يقرر ماركس و... قانون تميل نسبة الارباح تبعًا إلى الانخفاض نتيجة لزيادة التركيز العضوي لرأس المال، وتنافس المشروعات والتقدم الفني. 2. قانون تركيز رأس المال يری مارکس أن المنافسة ستقضي. ..المنتج الصغير إلى أن تتركز رؤوس الأموال في أيدي قليل من المنتجين، ويتحول هؤلاء المنتجون الصغار>>> قضت عليهم المنافسة إلى إجراء ... مما يعمق الصراع بين طبقتي الع والرأسماليين، ولذلك يقول ماركس «أن رأسماليًا واحدًا يقتل كثيرين» 3.قانون زيادة البؤس والنتيجة أن البؤس يأخذ في الازدياد المستمر، فكلما زاد رأس المال الثأ أي كلما زاد التركيب العضوي لرأس المال، كلما كان ذلك على حساب ...ـ عدد جديد من العمال يضافون. قانون التجميع، وقانون التركيز «جيش الاحتياطي الصناعي» وهذا يمكن صاحب العمل من زيادة تخفيض الأجور، ليحصل على فائض قيمة أكبر، كما يلجأ إلى مختلف وسائل الاستقلال من نحو تشغيل العمال ساعات أكثر، أو استخدام الصبيان والنساء، أو البحث عن ابتكار جديد لتعود نفس الكرة، فكلما هبطت أرباحه نتيجة زيادة التركيب العضوي؛ كلما لجأ إلى مختلف الوسائل الاستغلالية والاحتكارية لتعويض هذا الهبوط، والنتيجة مزيد من الثراء لطبقات الرأسماليين، ومزيد من البؤس لطبقة العمال. أما احتمال تجمع العمال في نقابات تدافع عن حقوقهم، وتوفر لهم شروطًا أفضل في العمل، فلم ير مارکس أن ذلك سيكون له نتائج جدية، وإنما هي محاولات يائسة ستتغلب عليها رغبة الرأسماليين النهمة في الربح، كما أن سلطات الدولة لن تكون إلا في جانب هؤلاء الرأسماليين ضد طبقة العمال ومحاولاتها، ولذا يقول ماركس: إن التناقض المستمر في عدد الرأسماليين الذين يستظلون ويحتكرون جميع مميزات عملية التحويل هذه يقوم إلى جانبه نمو في البؤس الجماعي والاضطهاد والاستعباد والتحقير والاستغلال، ولكن تنمو معه أيضًا ثورة الطبقة العاملة، وهي طبقة تتكاثر في العدد على الدوام، وينظمها ويوحدها النظام الآلي لعملية الإنتاج الرأسمالي نفسه. ويتكلم عن العامل فيقول: إنهم يعملون على تشويه العامل حتى يصير شبحًا لإنسان، ويهبطون بمكانته إلى مستوى تابع حقير للآلآت، ويقضون على ما تبقى له من لذة يشعر بها في عمله، ويحيلون حياته إلى كد متواصل كريه إلى نفسه. ويتكلم عن الآلة باعتبارها عدوًّا للعامل فيقول: «إن الآلة أعظم سلاح لقمع إضراب العمال، والإضراب أحد مظاهر الاحتجاج الذي يعلنه العمال بين آن وآخر ضد سيطرة الرأسماليين، وأنها من بدء استعمالها خصم عنيد للعمال استطاع بها الرأسماليون أن يطئوا بأقدامهم كل مطلب من مطالب العمال التي تهدد بإيجاد أزمة. ويتكلم عن الملكية الرأسمالية في الجزء الثاني من كتاب رأس المال -ص: (۲۲۳- ٢٢٥) يقول: «إن الملكية الخاصة الرأسمالية المتولدة عن طريقة الإنتاج الرأسمالية، هي السلب الأول للملكية الخاصة القائمة على أساس العمل الفردي، ولكن الإنتاج الرأسمالي يلد بقوة القانون الطبيعي الذي لا يتغير القوة التي تسلبه؛ أي تنفيه، وهذا سلب السلب «نفي النفي» هذا السلب الثاني لا يؤدي إلى عودة الملكية الخاصة، ولكن يعيدها على أساس التعاون والملكية المشتركة للأرض وأدوات الإنتاج التي ينتجها العمل نفسه، إن تحول الملكية الخاصة المبعثرة القائمة على العمل الفردي إلى ملكية رأسمالية عملية أطول أمدًا وأشد عنفًا، وأكثر صعوبة من تحويل الملكية الخاصة الرأسمالية إلى ملكية اجتماعية، كان الأمر في الحالة الأولى متعلقًا باستيلاء البعض على ملكية جمهور الناس، أما في الحالة الأخيرة فالذي يعنينا هو الاستيلاء على تملك نفر قليل بواسطة جمهور الناس». • نبذة تاريخية: • هذه هي نظرية القيمة بكل متعلقاتها ونتائجها لدى ماركس، وقبل التعرض لجوانبها نقدم للموضوع نبذة تاريخية لهذه النظرية ليكون القارئ ملمًّا بظروف نشأتها. • لقد شاعت نظرية «العمل أساس القيمة» في مطلع القرن التاسع عشر في كتابات رواد علم الاقتصاد الأوائل، حيث قال بها آدم سميث في كتابه ثروة الأمم، وكان لوك أول من وضع الخطوط العريضة لهذه النظرية، ومن بعدهما جاء ریکاردو الذي تأثر به مارکس، وكانت هذه النظرية تجد مبررها من طبيعة اقتصاديات هذه الفترة؛ حيث كانت تسود حالة المنتج المستقل، سواء في الزراعة أم في الصناعة، وهو يعمل بنفسه، ثم يبيع إنتاجه في السوق مباشرة، ومن هنا نجد أن الاقتصاديين التقليديين، وفي مقدمتهم آدم سميث وريكاردو- قد بنوا تحليلاتهم على أساس الافتراض بأن التنافس بين المنتجين شيء صحيح، وأن الاحتكار غير قائم حيث تسود المساواة التامة بين المتعاملين بحيث إن ما تحصل عليه كل طبقة هو ما تستحقه من أجر فعلًا؛ لأن السلع تميل إلى أن تباع بقيمة ما بذل فيها من عمل. ولقد نشر ریکاردو كتابه المبادئ سنة ۱۸۱۷م، وبيَّن أن تبادل السلع يتم على أساس كمية العمل المبذول في إنتاج السلع؛ أي على أساس ساعات العمل التي استغرقها إعداد السلع. ولما كان العمل نفسه سلعة، فإن ثمنه يقدر على أساس عدد ساعات العمل اللازمة لإعالة العامل، والإبقاء على نسله دون زيادة أو نقص، وهو ما يسمى بحد الكفاف، أما تحديد نوع الغذاء الكافي لإعالة العامل خلال الساعات التي تكفي لتوفيرها له، فيرى ريكاردو أن العرف والعادة يساعدان على تحديد ما هو ضروري في ذلك، ولكن العرف والعادة متغيران وليسا ثابتين، فما يكفي العامل اليوم قد لا يكفيه في ظروف أخرى، ومن هنا قصرت النظرية عن إعطاء الإجابة على مدار المدة الطويلة؛ لأن تغير العرف والعادة يعدل المستوى اللازم للإعالة؛ أي أن حد الكفاف نسبي ومتطور، إلا أن ريكاردو لم يكن يهتم بهذا التغيير؛ لأنه كان ينظر إلى أن قانون السكان -أي الميل المستمر إلى التكاثر- يؤدي دائمًا إلى الضغط على مستوى المعيشة، إلى أن يصل إلى أدنى مستوى للحياة حتى لو سجل مستوى الأجور صعودًا في فترة ما، فإنه لن يلبث أن يتراجع. والعمل المنتج من وجهة نظر ريكاردو هو العمل المباشر كعمل العامل، وغير المباشر كالتاجر والرأسمالي والمقرض، أما مالك الأرض فلا يراه يقوم بأي عمل منتج، بل يعتبر ملاك الأرض عناصر سالبة لأنها تستهلك دخلها في الإنفاق على الترف والملذات، وقلما تتجه به إلى الإنتاج، ولذلك نراه يحمل على ريع الأرض، ويعتبره دخلًا غير مشروع يحصل عليه مالك الأرض دون مقابل، بينما نراه يعتبر أجر العامل وربح الرأسمالي وفائدة المقرض دخولًا مشروعة مقابل عمل منتج، فريكاردو قد نظر إلى المشكلة من زاوية الإنتاج، بينما نظر إليها ماركس من زاوية التوزيع، فنجده يرفض الربح والريع والفائدة، ويعتبرها جميعًا دخولًا استغلالية تكونت نتيجة عدم العدالة في توزيع القيمة التي أنتجها العامل، والتي هي من حقه وحده، ولكن هذه العناصر المستقلة تقاسمتها معه. • بعد هذه النبذة التاريخية نأتي على دراسة الواقع لنرى هل صدقت تنبؤات ماركس؟ وهل تحققت حتمياته؟ مما يفتح لنا الطريق أمام دراسة أساس القيمة من زاوية جديدة تعطينا أساسًا مشروعًا لنظرية الربح مغايرًا لأسلوب الاستغلال الرأسمالي، ولرد فعله الماركسي الذي أنكر الربح كلية مما نأى بالطرفين عن الصواب. ثبت لأعداء الإسلام -من اليهود والصليبيين- عقب الحروب الصليبية أن منازلة المسلمين وجهًا لوجه ستؤدي في النهاية إلى انتصار المسلمين مهما عظمت قوة أعدائهم المادية، ولما بحثوا من سبب ذلك وجدوه يكمن في الإسلام نفسه؛ إذ إن تمسك المسلمين بعقيدة دينهم واعتصامهم بحبل ربهم يعطيهم من القوة الروحية والمعنوية ما يحقق لهم النصر على أعدائهم، هذه القوة مصدرها إيمانهم العميق بربهم، وترابط قلوبهم ووحدة صفهم، وخاصة إذا وجد أمامهم عدوًا مشتركًا يحاول المساس بكرامتهم، ولهذا اقتراح بعض رجال الدين -من اليهود المنتصرين والنصارى المتهودين- بعد الحروب الصليبية أن يشن الغرب على الإسلام والمسلمين حربًا غير مباشرة تستهدف مصادر قوتهم الروحية، فيعملوا على زعزعة العقيدة في نفوسهم، ويحاولوا تفتيت وحدتهم، فتتزعزع شخصيتهم، وتتصدع جبهتهم الداخلية، فيفقدوهم بذلك جانبًا كبيرًا من قوهم المادية والمعنوية. ومنذ ذلك الحين ركز المستعمرون الغربيون حملتيهم على مراكز القوى الروحية والمادية في الوطن الإسلامي، فعملوا على تحطيمها والقضاء عليها، وقد تمثلت هذه المراكز في القيادة السياسية للمسلمين «الخلافة» والتي كانت تشكل الحارس الأمين والراعي القوي الذي يسهر على مصلحة المسلمين ووحدة صفهم، كما كانت تتمثل في القيادة الشعبية، التي تتمركز في معاقل العقيدة والعلوم الإسلامية كالأزهر، ولم يعرف التاريخ انفصامًا بين هاتين القيادتين، بل كانت القيادة الشعبية تعمل جنبًا إلى جنب مع القيادة السياسية لما فيه خير المسلمين ونصرتهم، فكانت تدعمها مادامت على الطريق المستقيم، وتقومها ما حادت عن هذا الطريق، ولذلك لم يكن تركيز هؤلاء الأعداء هجومهم على القيادة الشعبية بأقل منه تركيز هجومهم على القيادة السياسية. ونجح أعداء الاسلام في إسقاط القيادة السياسية للمسلمين حينما أعلن «مصطفى أتاتورك» -اليهودي الماسوني- إلغاء الخلافة الإسلامية في تركيا، واعتقد أن نجاح الأعداء في الوصول إلى هذه الغاية لم يكن ليتم لهم إلا بعد أن استطاعوا زعزعة العقيدة الإسلامية في قلوب المسلمين فحجزوهم عن مصدر القوة الروحية.
الرابط المختصر :