العنوان كيف نعيد إلى بيوتنا البركات في شهر الخيرات ؟
الكاتب أ. د. سمير يونس
تاريخ النشر السبت 04-سبتمبر-2010
مشاهدات 114
نشر في العدد 1918
نشر في الصفحة 36
السبت 04-سبتمبر-2010
كيف نعيد إلى بيوتنا البركات في شهر الخيرات؟ (۳)
هذه هي المقالة الثالثة عن كيفية تحصيل البركة في بيوتنا في شهر رمضان الكريم، وفي المقالين السابقين الأول والثاني تناولت تسعا من وسائل إحلال البركة في بيوتنا، وفي هذه المقالة أضيف بعض الوسائل الأخرى فيما يلي:
عاشرا: الإكثار من الصدقات
قول الله عز وجل ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ (البقرة:276). وهذا يؤكد أن في الصدقة بركة عظيمة.
جلست مع صديق ذات يوم، فبث لي بعض آلامه وهمومه، وكان من أشدها كدرا تلك الديون التي أغرقته في دوامة من الهم والغم والمذلة، وحجبت عن عينيه النوم، وطلب مني النصح، فقلت له: تصدق، فرد قائلا: أتهزأ بي؟ قلت: معاذ الله جرب، ثم جاءني زائرا بعد ثلاثة أشهر، وقال: سبحان الله!! منذ ثلاث سنوات وأنا أحاول أن أوفر من راتبي كل شهر جزءًا لجدولة ديوني وتسديدها، فلم أستطع فلما تصدقت تغيرت حالي، حيث عرضت علي فرصة عمل راتبها ضعيف ما كنت أتقاضاه فصرت أوفر الزيادة وأكثر، وسددت بعض ديوني، وتنفست الصعداء، فصرت أحسن حالًا خلال ثلاثة أشهر فقط!!
ففي الصدقة إذن بركة، لأنها تغير حياتك إلى الأفضل، وهي برهان على صحة الإيمان لقوله ﷺ: والصدقة برهان رواه مسلم.
وهي سبب في شفاء الأمراض، قال ﷺ:داووا مرضاكم بالصدقة حسنه الألباني في صحيح الجامع.
وهي تظل صاحبها يوم القيامة، وفي ذلك يقول المصطفى ﷺ: كل امرئ في ظل صدقته حتى يفصل بين الناس » رواه أحمد ، والصدقة تطفئ غضب الرب لقوله ﷺ: صدقة السر تطفئ غضب الرب أخرجه الطبراني.
والصدقة من أحب الأعمال إلى الله تعالى لقوله ﷺ: أحب الأعمال إلى الله عز وجل سرور تدخله على مسلم، أو تكشف عنه كربة أو تقضي عنه دينا ، أو تطرد عنه جوعا.... رواه ابن أبي دنيا وحسنه الألباني.
هنيئا لمن أنفق وأعطى بسخاء ابتغاء وجه ربه الأعلى، فقد نال جماع الخير وهو البر، قال تعالى: ﴿لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ۚ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ (آل عمران:92).
وبركة الصدقة ممتدة مستمرة لا تنتهي بنهاية حياة المتصدق، وإنما تتجاوز ذلك فتنفعه بعد مماته، لقوله ﷺ: إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاثة إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له (رواه مسلم).
والصدقة تقي مصارع السوء، لقوله: صنائع المعروف تقي مصارع السوء ، رواه الحاكم وصححه الألباني.
ومن بركة الصدقة أيضا أنها تجبر القصور إذا حدث نقص في الزكاة الواجبة، وهي أيضا تطفئ الخطايا، وتكفر الذنوب، لقوله صلى الله عليه وسلم: والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار رواه الترمذي، كما أنها تطهر النفوس حيث تطهر نفس الفقير من الحقد والحسد وتطهر نفوس الأغنياء من الشح والبحل يقول عز وجل: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ۖ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (التوبة:103).
ويظن البخلاء أن الصدقة تنقص المال وهذا اعتقاد غير صحيح، لقوله: ما نقصت صدقة من مال رواه مسلم.
والصدقة تقي المتصدق شر جهنم، قال صلى الله عليه وسلم: اتقوا النار ولو بشق تمرة متفق عليه.
حادي عشر: إحسان التوكل على الله
فمن أهم مفاتيح البركة في الحياة التوكل على الله، لذلك أكد النبي هذا المعنى في قوله: «لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا رواه الترمذي.
والتوكل الصادق هو الذي يأخذ العبد فيه بالأسباب، ويسعى لتحصيل رزقه، وهو على ثقة ويقين بأن الله رازقه، وهو أمر يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالعقيدة، ومن صفات المؤمنين قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (الأنفال:2). إن هذا المعنى للتوكل يذكرنا بالحوار الذي دار بين الإمام أحمد بن حنبل حينما سأله سائل عن حديث لو أنكم تتوكلون...... فقال له: يا إمام، لم العمل؟ فالذي يرزق الطير يرزقني، فرد عليه قائلا: يا هذا، إنك لم تفهم الحديث، فرسول الله ﷺ يقول: تغدو خماصا وتروح بطانا.. يعني أنها تأخذ بالأسباب وتتحرك.
وفي قصة مريم حينما جاءها المخاض في ابنها عيسى عليه السلام قال تعالى: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾ (مريم:25).
فالله تعالى قادر على أن يسقط عليها رطبا جنيا، ولكنه درس هنا في الأخذ بالأسباب، وفي حقيقة التوكل.
وحسبنا أن نتدبر قول الله تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ ۚ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ (الطلاق:3).
ثاني عشر: صلة الأرحام
إن صلة الرحم من الإيمان، قال صلى الله عليه وسلم: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه رواه البخاري.
ولقد أخبر الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم أن صلة الرحم سبب في بسط الرزق، وتحقيق البركة في العمر، حيث يقول: من أحب منكم أن يبسط له في رزقه، وأن ينسأ له في أثره وأن يزاد له في عمره، فليصل رحمه متفق عليه.
ومن هديه صلى الله عليه وسلم في بركة صلة الرحم قوله: صلة الرحم وحسن الخلق يعمران الديار ويزيدان في الأعمار رواه أحمد، والمعنى أنه بصلة الرحم وحسن الخلق يبارك الله للمسلم في الأرزاق والأموال والمساكن وصلة الرحم أيضا سبب لنيل البركة العظمى الكبرى وهي الجنة، يقول صلى الله عليه وسلم: “...... وصلوا الأرحام تدخلوا الجنة بسلام” رواه الترمذي وابن ماجة.
وصلة الأرحام سبب من أسباب غفران الذنوب، فلقد جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله، أصبت ذنبا عظيما فهل لي توبة؟! قال: هل لك من أم؟ قال: لا. قال: هل لك من خالة؟ قال: نعم قال: «فبرها » رواه الترمذي وابن حبان والحاكم.
واستدل العلماء من هذا الحديث على أن صلة الرحم بر والبر سبب من أسباب محو الذنوب.
كما روي عنه - أيضًا - أنه قال: تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم فإن صلة الرحم محبة في الأهل، مثرات في المال، منسأة في العمر رواه أحمد وصححه الحاكم، وكلمة مثرات من الثراء.
وفي المقابل.. فإن قطيعة الرحم سبب في اللعنة، وهي الطرد من رحمة الله، قال تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ(22) أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَىٰ أَبْصَارَهُمْ﴾ (محمد:23).
وجاء في الحديث القدسي، أن الله عز وجل لما خلق الله الرحم خاطبها قائلا: أما ترضين أن أصل من وصلك، وأقطع من قطعك؟ قالت: بلى قال: فذاك لك متفق عليه.
وقد فرضت طبيعة العصر بعض المعوقات لصلة الرحم، وذلك بسبب كثرة السفر وطول مدته، وضيق الوقت، وكثرة الأعمال، وثقل ضغوط الحياة، ولكن من فضل الله ونعمه أن أعطانا مندوحات وبدائل كثيرة للزيارات المباشرة، فلا شك أن زيارة الأرحام من أعظم وسائل الصلة، لكنها ليست الصلة الوحيدة، فإن عجز الإنسان عنها، أو حيل بينه وبينها بسبب السفر أو مانع فوق طاقته، فإنه يستعيض عن ذلك بمساعدة الفقراء من ذوي الأرحام وبإعطائهم حقوقهم ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَىٰ حَقَّهُ﴾ (الإسراء: ٢٦) ، وتقديم الهدايا لهم، ومشاركتهم الأفراح والأتراح، والاتصال بهم عبر الهاتف أو غير ذلك من وسائل الاتصالات المتاحة والممكنة ويفضل - قدر الإمكان - زيارتهم واصطحاب الزوجة والأولاد عند ذلك.
ومن المهم - في هذا السياق - أن نهتماهتماما خاصا بذوي الأرحام من كبار السن والمرضى الذين يشعرون بالعزلة، كما يجب أن نهتم بذوي الأرحام العامة الذين تربطهم بنا علاقة الدين، مهما بعدت الأوطان والأرض وخاصة الحاضرين منهم والمحتاجين من أمثال أهلنا في غزة وفلسطين وبقاع أرض الله.
ثالث عشر: تحري الكسب الحلال
ومن وسائل ذلك إتقان العمل، وحرص المسلم على أن يكون رزقه حلالا، فلا يصح أن يطلب الربح من تجارة المخدرات مثلا، أو من الربا قال تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ ۗ﴾ (البقرة: ٢٧٦).
قد تكون لدى الإنسان طموحات فوق إمكاناته، فيصيبه الجشع، ويحسب أنه لا سبيل لسعادته إلا بتحصيل المال الكثير، ويظن أن كثرة المال، تغنيه وتحصنه من نوائب الدهر وأزمات الحياة، ولكن هيهات لهذا الإنسان الذي لم يحسن الثقة برازقه. حري بهذا الإنسان أن يوقن بأن الله خلق الخلق فأحصاهم عددًا ، وقسم أرزاقهم وأقواتهم فلم ينس منهم أحدًا ، قال تعالى: ﴿وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا ۚ كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ (هود:6).
جدير بالإنسان أن ينطق منبهرا متعجبا مسبحا، فيقول:
• سبحان من رزق الطير في الهواء!!
• سبحان من رزق السمك في ظلماء الماء!!
• سبحان من رزق الحية في العراء!!
• سبحان من رزق الدود في الصخرة الصماء!!
فإذا كان الله عز وجل قد كتب رزقك: فلماذا لا تحسن الثقة بربك؟! لماذا يلجأ الإنسان إلى الكسب غير المشروع.. قد يختلس الإنسان، وقد يسرق، وقد يستولي على مال عام أو خاص كثير، ولكن هذا المال ليس فيه بركة فربما يضيعه السفهاء من أولاده فيحاسب عليه في الدنيا والآخرة ويستمتع به غيره.. وربما ينفقه عند الأطباء فلا يستمتع به، وتلك صورة أخرى من ضياع بركة المال ومحقه، إنه بدلا من أن يسعد بحلال كسبه يشقى بحرام كسبه، فإن الله تعالى إذا أراد بعبد خيرا بارك له في رزقه، وكتب له الخير فيما أولاه من النعم والبركة في الأموال والأولاد وسائر شؤون الحياة وصدق ربنا المنعم المتفضل المتعال إذ يقول: ﴿مَّا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا ۖ وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (فاطر:2).
فالله عز وجل يبارك في القليل الحلال، فيصير حال العبد إلى فضلونعمة، وزيادة وخير.
فالعبرة كل العبرة بالبركة، فكم من قليل كثره الله، وكم من صغير كبره الله، ولن تضيق أرض الله بعبد يتقي ، ولن يضيق العيش والرزق على من خشي الله واتقاه، ولله در من قال:
عليك بتقوى الله إن كنت جاهلًا.. يأتيك بالأرزاق من حيث لا تدري
فالكسب الحلال ينير القلب، ويشرح الصدر ويورث الطمأنينة والسكينة، ويغرس في نفس المسلم خشية الله، ويعين الجوارح على العبادات والطاعات، وهو من أسباب قبول الأعمال الصالحات، ومن متطلبات إجابة الله لدعاء عباده، فقد قال لسيدنا سعد يا سعد، أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة رواه الطبراني، أي احرص على أن تأكل من حلال وفي ذلك كله بركة.
أما الكسب الخبيث، فإنه شؤم وبلاء على صاحبه، يقسي القلب، ويطفئ نور الإيمان ويحل غضب المنتقم الجبار، ويمنع إجابة الدعاء، فهو ممحوق البركة، وإن صرفه صاحبه في بر لم يؤجر، وإن بذله في نفع لم يشكر، ثم هو حامل لوزره ومعاقب عليه، قال أحد الحكماء: شر المال ما لزمك إثم مكسبه وحرمت أجر إنفاقه..
وقد يعرض بعض الناس عن الكسب وجمع المال حتى إن كان حلالا، ويظن أن ذلك من الإيمان، والإسلام، ولكن الحقيقة التي أقرها الشرع وحث عليها أن يسعى المسلم إلى الكسب الحلال وينشط، وإلا من أين يكون الإسلام قويا؟! ومن أين تدفع الزكاة؟ رحم الله الصحابي الجليل التاجر الماهر عبد الرحمن بن عوف إذ يقول: يا حبذا المال أصون به عرضي وأرضي به ربي...