العنوان المفاهيم السياسية الإسلامية المعاصرة: الدولة التسلطية الحديثة
الكاتب حامد عبدالماجد قويسي
تاريخ النشر السبت 26-مايو-2001
مشاهدات 73
نشر في العدد 1452
نشر في الصفحة 66
السبت 26-مايو-2001
تعتبر الدولة التسلطية الحديثة، هي الشكل المعاصر المعبر عن جوهر الدولة المستبدة التي عرفها التاريخ البشري والتسمية بالتسلطية، هي الأصح علميًا مقارنة بالتسمية الشائعة في الأوساط العلمية الأكاديمية، وفي وسائل الإعلام أيضًا؛ والتي تطلق عليها الدولة السلطوية حيث إن كل دولة تمارس السلطة والحكم هي بحكم التعريف العلمي «دولة سلطوية»، أما الدولة التسلطية فهي نموذج معاصر محدد نسعى إلى تعريفه علميًا، ومن نماذج هذه الدولة: الدولة الإقطاعية والدولة الإمبراطورية، والدولة البيروقراطية، والدولة الفرعونية، إلخ.
وتسعى الدولة التسلطية إلى الاحتكار الشديد، والفعال لمصادر القوة، والثروة، والسلطة في المجتمع وذلك لمصلحة نخبة صغيرة ضيقة ومسيطرة، وهي تحقق هذا الاحتكار عن طريق احتكار المجتمع الأهلي والمدني ذاته وتحويل مؤسساته إلى تنظيمات تعمل كامتداد الأجهزة الدولة، أو تجعلها تعمل كظل الدولة على قشرة وسطح المجتمع.
ويحدد عالم السياسة الشهير -جيلير موادونل- سمات الدولة التسلطية الحديثة بالتالي:
الشمولية: اتساع مجالات النشاط التي تسيطر عليها أو تديرها بشكل غير مباشر وباستمرار وبالذات الأنشطة الأساسية اللازمة لبقاء المجتمع وحيويته.
التوسعية: معدلات نمو أجهزة الدولة أعلى بكثير من معدلات نمو مؤسسات المجتمع الأخرى لاسيما المدني منها.
الاختراقية: تقوم على إخضاع المجالات الخاصة للمجتمع المدني والحاقها بهذه الدولة، وبالتالي يتم تأميم أو دولنة -إن صح التعبير- أي ضم الفضاءات والمساحات السياسية والاجتماعية باستمرار لصالح الدولة.
القمعية: تعني أن فاعلية أجهزة القمع العضوي «الشرطة، وأجهزة المخابرات والأمن والجيش، إلخ» أعلى بكثير من فاعلية الأجهزة الأخرى.
التكنوقراطية: يصبح نفوذ طبقة الخبراء والفنيين أعلى بكثير من نفوذ السياسيين الذين يكادون يختفون من مؤسسات الدولة والمجتمع، الأمر الذي يعكس تراجع السياسة الصالح غلبة الاعتبارات الإدارية والفنية المحدودة والضيقة بشكل عام.
وإذا أردنا التوصيف العلمي لنماذج الدولة الحالية في العديد من بلدان العالم النامي سوف نجد أنها تمثل الصورة التطبيقية للدولة التسلطية الحديثة بل وبعض النماذج التاريخية لها، وقد تأثرت في شكلها وصورتها الحالية بثلاثة مؤثرات أساسية ذات طبيعة تاريخية إضافة للخصائص سالفة الذكر نتاج واقعها المعاصر، وهذه المؤثرات هي:-
الأول: الميراث الثقافي والتاريخي والحضري والنظمي، الذي عرفته هذه البلدان القرون طويلة والذي رسخ فيها القابلية للاستبداد؛ فقد كان تطورها السياسي متقطعاً وغير متصل، الأمر الذي قاد فيما بعد للقابلية للاستعمار.
الثاني: ميراث الفترة الاستعمارية -التي بدأت واقعيًا في قرن الاستعمار القرن التاسع عشر، واستمرت معظم القرن العشرين- بكل ما خلفته من نظم مركزية وإدارية، وما فرضته من ارتباطات خارجية دخلت بها القرن الحادي والعشرين.
الثالث: المهام التي أنيطت بالدولة -في مرحلة ما بعد الاستقلال- من حيث تحقيق التنمية، والتحديث، وإشباع الحاجات الأساسية للمواطنين، وتكريس الانتماء والولاء للدولة المستقلة حديثًا.
ورغم وجود درجات من الاختلاف بين «دول» العالم النامي التسلطية في طبيعة نظم الحكم فيها، وأشكالها، ومصادر شرعيتها، ومدى تقدمها الاجتماعي والاقتصادي إلا أننا نجد أمرين أساسيين يجمعان بين هذه الدول التسلطية هما:
الأول: غياب الديمقراطية، والتعددية السياسية الحقيقية، ومبدأ تداول السلطة، واحترام الحد الأدنى من حقوق وكرامة الإنسان.
الثاني: الدور المحوري الذي تلعبه القيادات والنخب الحاكمة -سواء التقليدية، أو ذات الأصول العسكرية- التي وصلت للحكم بعد سلسلة من الانقلابات العسكرية سميت في الغالب ثورات الأمر الذي لعب أدوارًا مهمة في صبغ الدولة المعاصرة التسلطية بعدد من الخصائص والسمات الواقعية نذكر منها ما يلي:
تركز السلطة تدريجياً في مؤسسة الحكم، وتحديداً في يد الحاكم الفرد.
تحول الجناح المدني في النخبة الحاكمة الجديدة من فريق مسيس، إلى نخبة فنية بيروقراطية لا تشارك في اتخاذ القرارات، وإنما تعمل على تنفيذها فقط.
تقوية جهاز الأمن الداخلي بحيث يتجاوز وظيفته في حفظ الأمن والنظام إلى وظائف القمع والإرهاب.
تقوية الجهاز الإعلامي باستمرار وتحويله إلى جهاز للتلقين الفكري، والدعاية للحزب، والنظام القائم، والشخص الحاكم.
وجود نوع من القبول، والإذعان من الأغلبية العظمى للرأي العام التي أنكر عليها حق المشاركة السياسية، ومع توالي الإحباطات يبدأ تحول الأغلبية إلى معارضة صامتة في أغلب الأحيان.
وفي ظل دولة تتصف بمثل هذه الصفات والخصائص لا يكون مسموحًا إلا بالقليل من العمل المؤسسات المجتمع المدني وجماعاته، وفي أنشطة مظهرية وليست حقيقية، وذلك لأن أجهزة أمن الدولة التسلطية سوف تنظر إلى هذا التحرك باعتباره دليلًا على نقص قدرتها، أو عدم قدرتها على القيام بواجبها الذي تعتبره أصليًا، ويصعب تفويضه، ويستحيل نقله أو التنازل عنه الطرف آخر، حتى لو كان من أبناء المجتمع أنفسهم.
فالدولة في مثل تلك الحالة هي النائب الوحيد عن المجتمع وبالتالي لا مكان لحركة المجتمع إلا ما ترضى عنه الدولة أصلًا، وفي حدود معينة، ومن ثم فقد المجتمع روح المبادرة وانقطع عن تراثه الحضاري، وصار فاقد الصلة بقيمه الأصيلة والنبيلة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل