العنوان المسلمون في بريطانيا والحرب على أفغانستان: خيارات التهدئة أو التمرد
الكاتب عامر الحسن
تاريخ النشر السبت 03-نوفمبر-2001
مشاهدات 56
نشر في العدد 1475
نشر في الصفحة 31
السبت 03-نوفمبر-2001
عندما سافر بلير إلى باكستان قبل اندلاع الحرب كان هدفه امتصاص غضب الباكستانيين الموجودين في بريطانيا والتأكيد أن الحرب ليست موجهة ضدهم.
• توجه حقيقي لتفعيل قانون الإرهاب وعرض قوانين إضافية على البرلمان.
وضعت الحرب الأمريكية- البريطانية ضد أفغانستان المسلمين في بريطانيا في وضع لا يحسدون عليه، فغالبيتهم من أصل باكستاني أو بنجالي ولديهم تعاطف فطري مع الشعب الأفغاني، وقد ندد معظم المؤسسات والمنظمات الإسلامية بالحرب على الفور، كما ندد قبل ذلك بتفجيرات نيويورك وواشنطن، وأعلن أن الحرب قد تفضي إلى تطورات غير محمودة بالنسبة للمسلمين في بريطانيا الذين يتابعون الأنباء بترقب يسوده القلق واتصلت مراكز الشرطة بهذه المؤسسات والمنظمات كي تستشيرها في كيفية تلافي أي مشكلات أمنية من المسلمين أو ضدهم، لكن المشكلة أكبر من الناحية الأمنية، فقد تحولت إلى مشكلة تعايش حضاري سيواجهها الوجود الإسلامي في الغرب.
وقد حرصت المنظمات الإسلامية المعروفة على أن تتسم مواقفها بـ:
أولًا: الوضوح تجاه ما يجري على الساحة الدولية وبلا أدنى غموض أو مواربة.
ثانيًا: مطالبة الغرب والإعلام تحديدًا بالتعقل وعدم التهييج والإثارة ضد المسلمين وأهمية التفريق بين الإرهاب- الذي يدينه الإسلام وبين السواد الأعظم من المسلمين الذي لا يقر هذه الأعمال.
ثالثًا: تحذير الولايات المتحدة وبريطانيا من مغبة القيام بأعمال عسكرية ضد أفغانستان دون تقديم أدلة دامغة، وأن المطلوب هو إبراز هذه الاتهامات بوضوح أمام محاكمة عادلة دون خوض حروب تثمر نتائج عكسية «والخطأ لا يعالج بخطأ مثله».
رابعًا: مطالبة الولايات المتحدة بإعادة النظر في سياساتها تجاه العالم وبخاصة العالم الإسلامي، سيما فيما يتعلق بالصراع العربي- الصهيوني، إذ يرى غالبية العرب والمسلمين أن سياسة أمريكا منحازة فيه للصهاينة.
الموجة الثانية بعد سلمان رشدي:
ومن وراء حطام برجي مركز التجارة الدولي يعتقد بعض المسلمين أن هناك ظواهر معاكسة ستتسم بوضوح أكثر، منها آلية تحرك المسلمين في بريطانيا للتعبير عن آرائهم. ويصف المفكر الباكستاني- البريطاني المعروف ضياء الدين سردار في حواره مع المجتمع تفجيرات ١١ سبتمبر بأنها «الموجة الثانية التي تواجه المسلمين بعد قضية مؤلف «آيات شيطانية»- الهندي الأصل البريطاني الجنسية سلمان رشدي، فقضية رشدي أوجدت لدى المسلمين أهمية التحرك عبر مؤسسات أو منظمات تعبر عن وجهة نظرهم بصورة جماعية ومنظمة لدى الحكومة وعززت لدى المسلمين الحاجة للوحدة أمام خطر يستهدف دينهم، لكن ظلت في هذه الأثناء المواجهة إلى حد ما تعتمد على مبادرات فردية أو مؤسسات مستقطبة من دول خارجية غير معنية بمصالح المسلمين في بريطانيا عمومًا خارج إطار موضوع رشدي.
وتتابعت أحداث أخرى مثل حرب الخليج قبل عشر سنوات جعلت المسلمين مرة أخرى معنيين بالسياسة لا يستطيعون الانزواء عنها وتراكمت مشاكل محلية مثل قضية التعليم والعنصرية معمقة الحاجة لوجود إسلامي أكثر تنظيمًا، فنشأ المجلس الإسلامي البريطاني الذي يضم تحت مظلته معظم المؤسسات والمنظمات الإسلامية كي يكون صوتًا مسموعًا لدى الحكومة البريطانية ومعبرًا عن مطالب المسلمين وآرائهم.
وأضاف سردار: وضع المسلمين في بريطانيا اليوم أحسن حالًا مما كان عليه في السابق، فقد اكتسب العديد من المنظمات الإسلامية ثقة الحكومة البريطانية، لدرجة أن المجلس الإسلامي البريطاني يساعد رئيس الوزراء توني بلير في صياغة خطاباته الموجهة للمسلمين في بريطانيا، وذكر أيضًا أن الجيل الجديد من المسلمين اليوم يختلف عن الجيل القديم الذي جاء إلى بريطانيا بحثًا عن لقمة العيش فقط وكانت اهتمامات الجيل القديم منحصرة في الحفاظ على الحد الأدنى من هويته وأهمها قضية «اللحم الحلال» أما الآن فالجيل الجديد له طموحات أكبر لتعزيز وجوده، ويعبر عن وجهة نظره من خلال القنوات المعترف بها من الدولة والعمل المؤسسي.
ويؤكد سردار قائلًا: لقد ذهبت لمؤتمر حزب العمال السنوي الذي انعقد بمدينة برايتون مؤخرًا، فرأيت عدد المشاركين المسلمين يفوق عددهم مقارنة بالعام الماضي، لقد أصبحت هناك مصالحة بين المسلمين وبين السياسة الغربية من حيث اقتناع المسلمين بجدوى المشاركة لتحسين أوضاعهم في المستقبل.
كابوس أمني: مظاهرات عارمة:
لكن لا يبدو أن السيناريوهات المطروحة لا تعكس تفاؤلات سردار نفسها، فالازدواجية الأمريكية- البريطانية إزاء قضايا المسلمين تظل تنذر بإشعال فتيل من التمرد لا تحمد عقباه فعلى الرغم من أن رئيس تحرير صحيفة «مسلم نیوز» الشهرية أحمد فارسي يرى أنه من المبالغة القول بأن ما يجري في أفغانستان سينعكس على شكل مشاغبات حادة في بريطانيا، إلا أنه يرى أن الحرب ستجعل المسلمين البريطانيين يفقدون ثقتهم بالدولة وبمؤسساتها المختلفة ويصبحون أكثر تمردًا على السلطة والقانون.
ويضيف: لا شك في أن سياسة بريطانيا الخارجية قد تكون رافدًا من روافد تمرد المسلمين هناك، ولا شك أنه كانت لدى بلير تخوفات من أن يحدث ذلك إذا ما تم قصف أفغانستان، حيث أغلبية المسلمين في بريطانيا تنحدر من أصول باكستانية وبنجالية، وقال: إن مكمن الخطر هو أن هؤلاء المسلمين بريطانيون ويحظون بحقوق المواطنة المعروفة، وهذا يعطيهم ثقة قصوى في التعبير عن آرائهم بحرية وبلا خوف من الطرد خارج البلاد أو إلغاء حق لجوئهم السياسي مثلًا، كما هو الحال مع بعض الجنسيات العربية والإسلامية الموجودة هنا.
ويشير إلى أن بلير عندما سافر لباكستان قبل اندلاع الحرب كان يهمه احتواء مشاعر الباكستانيين الموجودين في بريطانيا وامتصاص غضبهم والتأكيد لهم بأن الحرب ليست موجهة ضدهم، وإنما هي ضد الإرهاب واستجاب في هذه الأثناء لمطالب المجلس الإسلامي البريطاني بعقد مؤتمر صحافي طارئ يعلن فيه براءة ساحة المسلمين في بريطانيا من أي نيات إرهابية بعد حملة التشويه التي قامت بها وسائل الإعلام الغربية ضد سمعة المسلمين، وعبر المجلس لبلير بوضوح عن حجم استياء المسلمين من التصاريح الأولية التي أطلقها رئيس الوزراء بعد أحداث 11 سبتمبر بدقائق والتي لم يفصل فيها بين الإرهاب وبين تعاليم الإسلام السمحة.
بين الخطاب الدبلوماسي والأمني:
هناك مجموعة عوامل ستحدد بأي اتجاه يمكن أن تسفر عنه أحداث سبتمبر والحملات العسكرية ضد أفغانستان بالنسبة لمستقبل المسلمين في بريطانيا، أي هل تسفر هذه الأحداث عن تعميق المشاعر لدى المسلمين بأهمية ترتيب العمل وتنظيم الصفوف داخل مؤسسات وتشكيل جبهات وجماعات ضغط أو «لوبيات» لتعبير عن رأي موحد والدفع باتجاه سياسة ما، أم أنها ستؤدي إلى استقطاب حاد باتجاه المزيد من التشدد في الممارسة والكراهية لنظام، سيما لدى الجيل الجديد، مما قد ينتج عنه سلسلة من عمليات العنف تخل بالأمن، وتضع صورة المسلمين في الغرب في حرج أمني وحضاري؟ ومن هذه العوامل:
أولًا: الإعلام، بحيث لو استمرت نزعته غير المحايدة في تغطيته للأعمال الإرهابية وربطها بالمسلمين، فهذا من شأنه أن يزرع بذور الشك بين البريطانيين نحو المسلمين واعتبارهم مجرد «طابور خامس» «وعدو مبطن»، مما سيفتح الفرصة أمام المغرضين من التيارات العنصرية لشن حملة شعواء ضد الوجود الإسلامي في لندن وبقية العواصم الغربية عبر عمليات تحرش واعتداء تزيد من حدة التوتر ووجود أجواء غير صحية لتعايش سلمي.
ثانيًا: الأجنحة اليمينية والمسؤولون السياسيون: حيث أثارت تصريحات رئيسة وزراء بريطانية السابقة مارجريت تاتشر حول وصف موقف القيادات الإسلامية في بريطانيا من أحداث نيويورك وواشنطن بالضعف والغموض، وبأنها لم تندد بالعمليات بالشكل الكافي- أثارت استياء وغضب المسلمين في بريطانيا، معتبرين مثل هذه التصريحات ضوءًا أخضر للمزيد من الممارسات العنصرية ضد المسلمين.
وقد أكدت معظم المنظمات الإسلامية أنها نددت منذ الدقائق الأولى بالحادث وبمرتكبيه، وقالت إن تصريحات تاتشر تدل على أن البارونة الكبيرة في السن ما عادت على اتصال حيوي بما يجري على الساحة البريطانية، وقال المتحدث باسم المجلس الإسلامي البريطاني محمود الرشيد في تصريح خاص لـ المجتمع: «تاتشر شخصية سياسية لها ثقلها وقد كانت رئيسة لحزب قديم ومعروف، ولا شك أن تصريحات مثل هذه تؤثر بشكل أو بآخر في ذهنية البريطانيين».
ثالثًا: الخطاب الحكومي، ويعتبر أهم عامل، لأن الإعلام، على حد تعبير سردار سيظل يبث الإشاعات ضد المسلمين لأنه يبحث عن التهييج والإثارة، حيث سيتمخض عن الموقف الحكومي البريطاني توجهات وسياسات ستؤثر بشكل مباشر على حياة المسلمين بصورة يومية مقارنة بتغريدة خارج السرب من تاتشر وغيرها من السياسيين القدامى، وحاليًا فإن توجهات الحكومة البريطانية تتسم بالغموض والازدواجية، فمن ناحية يؤكد بلير أن غالبية المسلمين لا يقرون ما حدث ويتميزون بالاستقامة والاعتدال ودينهم الإسلامي يندد بقتل الأبرياء، ومن ناحية أخرى يقرر صرف ١٦ مليون جنيه إسترليني لتفعيل دور الاستخبارات (IM5) في مطاردة الناشطين الإسلاميين.
تنشيط قانون الإرهاب:
وعمليًا فإن الشق الأمني من الخطاب سيعني تفعيل قانون الإرهاب يقول مدير مؤسسة FAI: هناك توجه حقيقي لتفعيل قانون الإرهاب وعرض مشاريع قوانين إضافية للبرلمان حول آليات التطبيق في ضوء الأحداث الأخيرة، وأوضح أن المؤسسة طلبت من محامين مسلمين متخصصين متابعة هذه المشاريع ومحاولة تنبيه النواب المسلمين لانعكاساتها الخطيرة على المسلمين وعلى توتير أجواء التعايش بين الطرفين.
وقال مصدر مطلع لـلمجتمع رفض ذكر اسمه: إن الاستخبارات البريطانية تعرف كثيرًا عن المسلمين في بريطانيا ولا تنقصها المعلومات. وإنما تحليل هذه المعلومات، وإن الحكومة كانت تعتمد على بعض الخبراء والأكاديميين المختصين في الحركات الإسلامية مثل البروفيسور فرايد هاليداي بجامعة لندن، لكن الوقت أثبت أن هؤلاء «كانوا يقولون للحكومة ما كانت تحب سماعه وليس ما يجب عليها معرفته». وأشار إلى أن الاستخبارات موجودة في كل مكان، وما عمليات اقتحام منازل بعض الناشطين فجأة وأخذ أقراص كومبيوتر ووثائق سوى محاولة لسد نقص في معلومات معينة أو تعويض نقص عملاء الرصد في مناطق الاقتحام. وقال: إن العمل الاستخباراتي ينطلق من مصالح بريطانيا الأمنية والتي من الطبيعي أنها لن تتخلى عنها مهما كانت دبلوماسية الحكومة إزاء مشاعر المسلمين، سيما وأن هناك ضغوطًا على بلير من دول عربية لتسليم عدد من المشتبه بهم.
وإزاء ذلك يبقى التحدي قويًا أمام مؤسسات العمل الإسلامي في بريطانيا سيما المجلس الإسلامي البريطاني، فأجواء الاستقطاب تتزايد: فمن ناحية يدعو المجلس الإسلامي في بياناته المسلمين لضبط النفس والصبر، ومن ناحية ثانية لا تساعد مواقف الحكومة البريطانية كثيرًا على استيعاب غضب الشارع الإسلامي في مدنها، وقد يضطر ذلك المجلس الإسلامي إلى «تسخين» خطابه بصورة نقدية ضد الحكومة البريطانية لاسترضاء المسلمين الذين يتهمونه «بالاعتدال المفرط»، حفاظًا على مكاسب علاقات جيدة مع حزب العمال، وإلا فمن المحتمل أن تتزايد شعبية بعض المجموعات المتطرفة في احتواء استياء الجيل الجديد، مما سيعني اتجاها نحو مزيد من التشدد، وبالتالي مزيد من المتاعب. الكرة في النهاية في ملعب الحكومة البريطانية «تيارها المعتدل»، وقادة المسلمين من ذوي الحكمة والخبرة في العمل العام.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل