; المسؤولية الفردية في ضوء القرآن (1-3) | مجلة المجتمع

العنوان المسؤولية الفردية في ضوء القرآن (1-3)

الكاتب توفيق علي

تاريخ النشر السبت 03-أبريل-2010

مشاهدات 66

نشر في العدد 1896

نشر في الصفحة 50

السبت 03-أبريل-2010

الشكر والإيمان والدعاء والاستغفار فوز عظيم للمؤمن.. والمكر والبغي والنكث خسران مبين للعاصي.

من صور تكريم الله للإنسان أن وهبه سر الإرادة المستقلة التي تختار الطريق إن اهتدى فلنفسه، وإن ضل فعليها، وما من نفس تحمل وزر أخرى، وما من أحد يخفف حمل أحد، إنما يُسأل كل عن عمله، ويجزي كل بعمله.

ومن أمثلة أفعال الإنسان وأثرها على نفسه ما قاله مكحول - يرحمه الله أربع من كن فيه كن له وثلاث من كن فيه كن عليه فالأربع اللاتي له الشكر والإيمان والدعاء، والاستغفار.

قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ قال إن شكرتُمْ وَآمَنتُمْ ﴾ (النساء: ١٤٧)، وقال تعالى: ﴿ومَا كانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ ومَا كَانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ (الأنفال: 23)، وقال الله سبحانه: ﴿قُلْ مَا يَعْبَا بكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ﴾ (الفرقان: ۷۷). وأما الثلاث اللاتي عليه: فالمكر، والبغي والنكت قال الله تعالى: ﴿وَلاَ يحيقُ المَكرُ السّيِئ إلاّ بأَهْله﴾ (فاطر: ٤٣)، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنما بَعْيُكُمْ عَلَى أَنفُسِكم﴾ (يونس: ۲۳) وقال تعالى: فَمَن نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنكَثُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ (الفتح: ١٠).

أولًا: المكر

قال تعالى: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السيئ إلا بأهله﴾ (فاطر: ٤٣)، وقال تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا ۖ وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾(الأنعام: 123).

قال الطبري: ولا ينزل المكر السيئ إلا بأهله، يعني بالذين يمكرونه (2)، وهو الكفر وخداع الضعفاء، وصدهم عن الإيمان ليكثر أتباعهم(3).

وهنا تساؤل: كثيرًا ما نرى أن الماكر يمكر ويفيده المكر ويغلب الخصم بالمكر والآية تدل على عدم ذلك؟ فنقول الجواب عنه من وجوه: أحدها: أن المكر المذكور في الآية هو المكر الذي مكروه مع النبي صلى الله عليه وسلم من العزم على القتل والإخراج ولم يحق إلا بهم، حيث قتلوا يوم بدر وغيره.. وثانيها: أن الأمور بعواقبها، ومن مكر به غيره ونفذ فيه المكر عاجلا في الظاهر، ففي الحقيقة هو الفائز والماكر هو الهالك، وذلك مثل راحة الكافر ومشقة المسلم في الدنيا، ويبين هذا المعنى قوله تعالى: ﴿ فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا سُنَتَ الأَوّلْين﴾ (فاطر: ٤٣)، يعني إذا كان لمكرهم في الحال رواج، فالعاقبة للتقوى والأمور بخواتيمها، فيهلكون كما هلك الأولون(4).

ثانيًا: البغي

الباغي يَخْلُقُ لنفسه أَعْدَاء يبغون عليه ويبغضونه وهذا ضَرْب من ضروب العقوبة العاجلة له

الله عز وجل يكفى المسلمين أمر أعدائهم ما استقاموا على إيمانهم فلا يصيبهم كيد الكائدين

من نقض البيعة فهو الخاسر لأن الضرر في ذلك راجع إليه ولا يجاوزه إلى غيره

قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنّمَا بَعْيُكُمْ عَلَى أَنفُسكم﴾ (يونس: ٢٣)، أي: إنما يذوق وبال هذا البغي أنتم أنفسكم ولا تضرون به أحدًا غيركم. وذلت الآيَةُ عَلَى أَنَّ الْبَغْيَ يُجَازَى أَصْحَابُهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ:

- فَأَمَّا فِي الْآخِرَةِ فَهُوَ مَا دَلْ عَلَيْهِ إِنْدَارُ أَهْلِهِ الرُّجُوعَ إِلَى اللَّهِ، وَإِنْبَاؤُهُ إِيَّاهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَهُ، إذ المراد به لازمهُ وَهُوَ الْجَزَاء بِهِ.

وَأَمَّا فِي الدُّنْيَا فَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا بَغيُكُمْ على أنْفٌسكم﴾ وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم: ذَنبٍ يُعَجِّلُ اللهُ لِصَاحِبِهِ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا. مع مَا يَدْخِرُ لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْبَغْيِ وقطيعة الرحم (5).

قال الشيخ رشيد رضا أن البَغْيَ - وَهُوَ يرحمه الله: إِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْنَا أَنْ تَرْجِعَ فِي تَحْقِيقِ الحق في هَذَا الْمَوْضُوع، إِلَى سُنَنِ اللهِ تَعَالَى فِي الْعُمْرَانِ وَطَبَائع الاجْتِمَاعِ الْبَشَرِي تُثْبِتُهَا وَفَائعُ التاريخ. التي تفسر لنا ضروب الظلم للنَّاسِ - يَرْجِعُ عَلى فَاعله، ذلك بأنَّهُ سَبَبٌ أَسْبَابِ الْعَدَاوَةِ وَالْبَغْضَاءِ بَيْنَ لأَفْرَادِ، وَإِيقَادِ نَيْرَانِ الْفِتْنِ وَالتَّوْرَاتِ فِي فَالْفَرْدُ الَّذِي يَبْغِي عَلَى مثله يخلق بَغْيَهُ عَدُوا أَوْ أَعْدَاء مِمَّنْ يَبْغِي عَلَيْهِمْ وَمِمَّنْ يَكْرَهُونَ البَغْيِ وَأهْلَهُ، فَوُجُودُ الأعداء وَالمُبَغضِينَ ضَرْبٌ مِنْ ضُرُوبِ الْعُقُوبَةِ وَإِنْ لَمْ يَسْتَطِيعُوا إِيذَاءَ الْبَاغِي لِعَجْزِهِمْ، فَكَيْفَ إِذَا قَدَرُوا وَفَعَلُوا وَهُوَ الْغَالِبُ؟

وَأَمَّا بَعْيُ الملوك والحكام عَلَى الأَقوام وَالشَّعُوبِ فَأهْوَنُ عَاقَبَتِهِ عَدَاوَتُهُمْ وَالطَّعْنُ عَلَيْهِمْ، وَقَدْ تُقْضِي إِلَى اغْتِيالِ أَشْخَاصِهِمْ أَوْ إِلَى ثل عُرُوشَهِمْ وَالْقَضَاءِ عَلَى حُكْمِهِمْ إِمَّا بِشَوْرَة مِنَ الشَّعْبِ تَسْتَبْدِلُ بِهَا عَرْشَا بِعَرْشِ، أَوْ نَوْعًا مِنَ الْحُكْمِ بِنَوْعَ آخَرَ، وَإِمَّا بإغارة دولة قوية عَلَى الدُّولَةِ الَّتِي يُضْعِفُهَا

الْبَغْيُ تَسْلُبُهَا اسْتِقْلَالَهَا، وَتَسْتَوْلِي عَلَيْهَا(6).

ثالثًا: النكث

قال تعالى: ﴿فَمَن نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَىٰ نفسه﴾ (الفتح: ١٠)، أي: إنما يعود وبال ذلك على الناكث، والله غني عنه(7). فمن نقض ما عقد من البيعة فإنما ينقض على نفسه لأن ضرر ذلك راجع إليه لا يجاوزه إلى غيره(8)، فالعبد هو الخاسر في كل جانب، هو الخاسر في الرجوع عن الصفقة الرابحة بينه وبين الله تعالى وما من بيعة بين وعبد من عباده إلا والعبد فيها هو الرابح من فضل الله والله هو الغني عن العالمين، وهو الخاسر حين ينكث وينقض عهده مع فيتعرض لغضبه وعقابه على النكث الذي يكرهه ويمقته، فالله يحب الوفاء ويحب الأوفياء، وَالمُرَادُ نَكْثُ الْعُهُودِ مَعَ اللهِ أَوْ مَعَ النَّاسِ.

رابعًا: كسب الإثم

قال تعالى: ﴿ وَمَن يَكْسِبُ إِنَّمَا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ (النساء: 111) أي ومن يأت ذنبًا عن عَمْدِ منه ومعرفة به فإنما يجترح وبال ذلك الذنب وضره وخزيه وعاره على نفسه دون غيره من سائر خلق الله (10). وهذا يشمل كل ما يؤثم من صغير وكبير، فمن كسب سيئة فإن عقوبتها الدنيوية والأخروية على نفسه، لا تتعداها إلى غيره، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۗ﴾ (الإسراء: ١٥)، لكن إذا ظهرت السيئات فلم تذكر عمت عقوبتها وشمل إثمها؛ لأن من ترك الإنكار الواجب فقد كسب سيئة، وفي هذا بيان عدل الله وحكمته، أنه لا يعاقب أحدا بذنب أحد، ولا يعاقب أحدًا أكثر من العقوبة الناشئة عن ذنبه (11).

خامسًا: الضلال

قال تعالى: ﴿ قُلْ إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضَلُّ عَلَى ي وإن اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قريب﴾ (سبأ: 50)، أي: إثم ضلالتي يكون على نفسي(12)، وقال تعالى: ﴿وَدَت طَائِفَةٌ من أهل الكتاب لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ (آل عمران: 69)، وقال تعالى: ﴿ وَلَوْلا فَضْلُ الله عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهُمْت طَائِفَةٌ مَنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلا أَنفُسَهُمْ وما يَضُرُونَكَ مِن شَيْءٍ وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ والحكمة وعلمك ما لم تكن تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ الله عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ (النساء: 113) لأنهم يعملون عمل الضالين فوباله لهم راجع عليهم (13). وإضلالهم أنفسهم يحتمل وجوها:

1- منها إهلاكهم أنفسهم باستحقاق العقاب على قصدهم إضلال الغير؟ 2- ومنها إخراجهم أنفسهم عن معرفة الهدى والحق لأن الذاهب عن الاهتداء يوصف بأنه ضال.

٣- ومنها أنهم لما اجتهدوا في إضلال المؤمنين ولم يلتفت إليهم المؤمنون صاروا خائبين خاسرين حيث اعتقدوا شيئًا ولاح لهم أن الأمر بخلاف ما تصوروه(14).

4- ومنها: إنهم إذا أضلوا الناس فقد صاروا هم أيضا ضالين؛ لأن الإضلال ضلال(15).

من لطائف الآيات

أن المسلمين مكفيون أمر أعدائهم هؤلاء ما استقاموا على إسلامهم وما لهم عليهم من سبيل والله سبحانه يتعهد لهم الا يصيبهم كيد الكائدين وأن يرتد عليهم كيدهم ما بقي المسلمون مسلمين.

سادسًا: الظلم

قال تعالى: ﴿...وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (البقرة: 57)، وقال تعالى: ﴿...وما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (آل عمران: 117)، وذلك أن المكلف إذا أقدم على المعصية فهو ما أضر إلا نفسه حيث سعى في صيرورة نفسه مستحقًا للعقاب العظيم(16)، فالآية تقريرٌ لِقَاعِدَة مُهمَّة: وَهِيَ أَنَّ كُلَّ مَا يَطْلُبُهُ الدِّينُ مِنَ الْعَبْدُ لمنفعته، وكل مَا يَنْهَاهُ عَنْهُ فَإِنَّمَا يَقْصِدُ بهِ دَفْعَ الضَّرَرِ عَنْهُ، وَلَنْ يَبْلُغَ أَحَدٌ نَفْعَ اللهِ وَلَنْ يَبْلُغَ أَحَدٌ ضَرَّهُ فَيَضُرَّهُ، كَمَا ثَبَتَ الحديث القدسي: فَكُل عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ عَلَيْهِ، وَمِنْ ظَلَمَ نَفْسَهُ كَانَ لِغَيْره أَظْلَمَ كَانَ ظَلَمُهُ لِنَفْسِهِ مِمَّا يَجْهَلْ أَنَّهُ ظَلَمٌ لَهَا: لأَنَّهُ يَتَجَلَّى لَهُ فِي صُورَة الْمَنْفَعَةِ، وَإِنَّمَا تَكُونُ عَاقِبَتُهُ الْمَضَرَّةَ، وَهَكَذَا شَأْنُ جَمِيعَ الظَّالِمِينَ والمجرمينَ، يَنوُونَ بِظُلْمِهِمْ وَإِجْرَامِهِمْ نَفَعَ أأَنفُسِهِمْ جَهَالَة مِنْهُمْ (18).

الهوامش

(١) القرطبي ٠٥/٤٢٧

(٢) الطبري ٤٨٤/٢٠.

(٣) القرطبي ١٤/ ٣٥٨.

(٤) تفسير الرازي ١٢/ ٤٩٢

(٥) سنن أبي داود: في النهي عن البغي (٤٢٥٦).

(٦) المنار ۱۱/ ۲۸۲

(۷) تفسیر ابن کثیر ۲۳۰/۷

(۸) فتح القدير ٦ ٤٩٣

(9) في ظلال القرآن ٤٧٥/٦.

(١٠) الطبري ١٩٦/٩.

(۱۱) السعدي ٢٠٠.

(۱۲) فتح القدير ١٢٠/٦.

(۱۳) القرطبي ٣٨٢/٥

(١٤) الرازي / ٢٥١.

(١٥) التحرير والتنوير ۱۲۸/۲

(١٦) الرازي ٢٧٧/٧.

(۱۷) المنار ٢٦٨/١.

(۱۸) المنار ۳۱۲/۹

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1400

124

الثلاثاء 16-مايو-2000

رأي القارئ (1400)

نشر في العدد 1972

88

السبت 08-أكتوبر-2011

مساحة حرة (العدد 1972)