; المجتمع الثقافي: (العدد: 1119) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الثقافي: (العدد: 1119)

الكاتب مبارك عبد الله

تاريخ النشر الثلاثاء 04-أكتوبر-1994

مشاهدات 72

نشر في العدد 1119

نشر في الصفحة 54

الثلاثاء 04-أكتوبر-1994


ومضة

اعتدل في جلسته، وخفت حدة كلامه وتطامنت نبرته حتى غدت كالحديث الهامس بعد أن سألته إن كان يستخدم أسلوب الإثارة وتحريك الانفعالات، في كل وقت، ومع كل الناس.. فقال وقد بدا عليه الضيق: إن الحاجة تدعو إلى بعث الهمم الخالدة، وشحذ العزائم الخائرة، وتفعيل الإرادات الغائبة، وذلك لا يتأتى إلا بدغدغة العاطفة وإثارة الانفعال وإطلاق الحماسة.

قلت له: وماذا لو سألك واحد من الذين ملأتهم حماسةً.. ما الذي يتوجب عليَّ عمله الآن؟ وكيف السبيل إلى تحقيق الأهداف المرجوة؟ هل أعددت له إجابة كافية؟ وهل حسبت حساب الوسائل التي يحتاجها السالكون؟ وهل اتضحت أمامك معالم الطريق ومنحنياته؟ فأنت تسير على هدى وبمقدورك هداية السائرين، أم أن الأمر لا يعدو هذه الجلسة الساخنة أو السهرة المشحونة بالانفعالات؟

قال: صراحةً لا أفكر بغير موضوع اللقاء، ولا أستهدف إلا الإثارة وبعث الحماس عند الآخرين.

قلت له: إن النفوس كالمراجل لها حد أعلى في الغليان، وهنا إما أن تفرغ الطاقة المحتبسة في آنية معدة لتوظيفها والاستفادة منها، وإما أن تعرضها للانفجار الذي يصيبك ويؤذيك قبل غيرك، إن لم تستوعب مهمتك وتوقف الغليان قبل تجاوز الدرجة القصوى، وعندما تصحو من ذهولك لن تستطيع إطفاء النيران التي أشعلتها بيديك ولا إيقاف البركان الذي ساهمت في توسيع فوهته؛ لأنه خرج عن نطاق السيطرة.

قال والبِشر يعلو محياه: لقد أفدتُ من هذا الحوار.. مسألة جوهرية.. وهي ألا أشحن النفوس إلا بقدر ما يحتاجه العمل؛ لأن القوة الزائدة ستكون تهورًا وتعجلًا واندفاعًا من غير تبصر ولا روية.. حمدت الله وأنا أرى الإنسان الذي هو أكثر مني علمًا وأفصح لسانًا وأوفر إخلاصًا ودأبًا وجدًّا، يصغي للنصح ويستجيب للترشيد.


اللسان العربي

نماذج للاحتذاء

بقلم: عبد الوارث سعيد

في الحلقة الماضية كان الوعد بعرض نماذج من الجداول والخرائط اللغوية التي تجمع الكثير من تفاصيل القواعد اللغوية في كلمات وخطوط محدودة، وهي من وسائل الإيضاح التعليمية، والمقصد الأساسي من النماذج المقدمة هنا أن نفتح أمام كل راغب في تعلم القواعد العربية وإتقانها أن يساعد نفسه فيثبت ما درسه، ويكتشف ما فيه من قصور وفجوات فيستكملها، ويهيئ لنفسه بنفسه مرجعها يدري هو خباياه وأسراره، فيلجأ إليه عند الحاجة، فيجد لديه الإجابة بمجرد نظرة يسيرة، وها نحن الآن نفي بما وعدنا.

1- بعد أن تدرس بابًا «موضوعًا» في أحد كتب النحو، وليكن موضوع «الضمائر» مثلًا، ستجد فيه كثيرًا من القواعد والتفاصيل – قد تستغرق نحو عشر صفحات – لكن حين تُنظم في جدول تصبح أكثر وضوحًا لظهور الأنواع والمستويات والعلاقات الخاصة بالضمائر في اللغة العربية، وبالمثال يتضح المقال.

2- الضمائر من الكلمات الوظيفية عظيمة الفائدة في اللغة، ولا تكاد تخلو منها جملة، وهي أنواع: الضمائر الشخصية، والضمائر الإشارية، والضمائر الموصولة، والأول أشهرها وأكثرها استخدامًا، لذلك سنفصل فيه هنا...

3- الضمائر الشخصية هي التي تنوب عن «الشخص» متكلمًا أو مخاطبًا أو غيرهما «الغائب»، وهي تختلف حسب نوع الشخص مذكرًا ومؤنثًا، كما تختلف حسب «عدد الشخص» مفردًا أو مثنى أو جمعًا. كذلك من الضمائر الشخصية ما هو بارز يمثله شيء نكتبه «كلمة أو حرفًا» والبارز إما: منفصل «مثل: أنا.. نحن.. أنت...» وإما متصل لا يأتي إلا ملتصقًا باسم أو فعل قبله «مثل بيتك، سألك»، وغير البارز يسمى «مستترًا» يفهم من نظام اللغة وسياق الجملة دون أن يمثله شيء في اللفظ أو الكتابة؛ مثل: «الله نزل القرآن منجمًا»، فللفعل نزل فاعل مستتر بعده تقديره «هو».

4- والضمائر تختلف أشكالها حسب وظيفتها في الجملة «حسب إعرابها»، فمنها ما هو ضمير رفع كأن يقع مبتدأ أو فاعلًا أو نائب فاعل، أو ضمير نصب أي في وظيفة مفعول به «قابلهم»، أو «ضمير جر» بعد حرف جر أو في موقع مضاف إليه «له.. بيته».

كل هذه الحقائق اللغوية، وهناك غيرها يمكن وضعها في جدول واحد يعرضها عليك واضحة مترابطة متجاورة، يسهل عليك بنظرة واحدة أن تلم بها وتقارن بينها، فتبرز لك خصائصها، وقد لجأ مؤلفو النحو الأساسي بعد عشر صفحات من شرح قواعد الضمائر (ص 23 - 32) إلى استغلال كفاءة الجدول، فأوردوا في نحو ربع صفحة جدولًا ضم أنواع الضمائر وأهم خصائصها.

وهناك من حولوا كل قواعد النحو إلى جداول ولوحات مثل كتاب: «قواعد اللغة العربية في جداول ولوحات لأنطون الدحداح»، وأنت – أخي القارئ – يمكنك عمل ذلك لنفسك وأولادك في مجال تحويل الكثير من قواعد العربية وأنظمتها إلى جداول وخرائط لغوية.


المسلمون قادمون.. ديوان للقرضاوي يقاتل بالحرف ويزرع الأمل

القاهرة: محمود خليل

على طريق ديوانه السابق – نفحات ولفحات – الذي صدر عام (1405هـ – 1985م) يأتي هذا الديوان «المسلمون قادمون». ينهج فيه د. القرضاوي نفس النهج في قبض مجموعة من أشعاره وإصدارها في ديوان.. فبعض قصائد هذا الديوان قد كتب عام 1949م، وبعضها كتب حديثًا جدًّا. ولعل في هذا فرصة طيبة لتتبع الخط الشعري للدكتور القرضاوي تبعًا لتواريخ كتابة القصائد وملاحظة خطها البياني الواضح، وثمة ملاحظة أخرى على هذا الديوان، وهي احتواؤه على هذه القصيدة الملحمية «المسلمون قادمون» التي كتبها على طريقة «الشعر الحر» لأول مرة – وربما لآخر مرة – على حد تعبيره.

وفي هذا الديوان نجد الدكتور القرضاوي الشاعر.. هو هو.. نفس شعري طويل متدفق ورؤية ثاقبة وخيال محلق وكثافة فكرية ولغوية تعبئ القصائد إلى درجة تجني عليها أحيانًا... إضافة إلى معالجته الشعرية الطريفة للعديد من «المخترعات» التي يرمي بها المرجفون في المدينة أنصار الإسلام وأهله مثل «الأصولية والإرهاب»، فتراه يقول في قصيدة «أصولي» التي كتبها في دار السلام، عاصمة «بروناي» في المحرم عام 1414هـ:

أصولي فلي أصلي *** ولي نسبي الحنيفيُّ

وأصل أصولي القرآ *** ن دستوري الإلهيُّ

وسنة أحمد المختا *** ر لي زاد ولي ريٌّ

وقانوني شرع الله *** لا الشرع الفرنسيُّ

ثم يسخر من هؤلاء النافخين في أبواق الحكام من مرتزقة الألسنة والأقلام فيقول مقررًا استعلاءه على كل الأشباح:

ولا قلم خؤون الفـ *** ـكر بالدولار مشري

يساري إذا شاءوا *** وإن شاءوا يميني

ولا وغد عميل ر *** به المعبود كرسي

يحركه يهودي *** ويأمره صليبي

وفرعون الإمام له *** وهامان الحواري

ومفتيه مسيلمة *** وخازنه حرامي

نجد السلاسة والتدفق، وما يظاهرهما من حسن تخير «البحر الشعري» و«الروي» المشدد، الذي يوحي بالقوة والإصرار. فالكلمات والبحر والفكرة.. كل يعرب عن نفسه، وإن كانت القصيدة إلى الفكر أقرب.

ومن أطرف ما في الديوان أرجوزة «الأصوليون»، وهي قصيدة طويلة تعالج هذه الصيحة الخائبة، كما يراها العلمانيون وأجهزة الاستخبارات.. يقول فيها:

أبلغ رجال الأمن حتى يزحفوا *** فها هنا جماعة تطرفوا

ويقول:

واحذر من التفريق والتصنيف *** ما بين داعي الرفق والعنيف

فكل هؤلاء في الهوا سوا *** من لم يمارس عنفه فقد نوى

والقصيدة على حداثتها.. أصبحت من أشهر قصائد الشعر العربي الإسلامي الحديث.. فقد سارت في الناس مسير الطرائف الحسان، وحفظها كثير من الشباب لشمولية معالجتها وجدتها وطرافتها في عرض النظرة الأمنية والمعادية لكل ما هو إسلامي، ورميه بالمضحك المبكي من الاتهامات والتخرصات.

وينظرون إلى نشاط إسلامي وهم في ريبهم يترددون، وبهذه الفكرة ينقل الدكتور القرضاوي منظومات العلوم والمتون الأزهرية إلى معالجة قضايا العصر وواقع الصحوة ومستقبلها. والشأن نفسه نجده في القصيدة الملحمية «المسلمون قادمون» التي يصح أن نسميها قصيدة سياحية، فهي سياحة في الأرض لعالم مسلم، يغوص في آمال وآلام أمته، ويطارح روادها أفراحهم وأتراحهم على طريق استشفاف المستقبل في ظل الحاضر، وفي ضوء سنن الله الحاكمة للكون والإنسان، ولكن من هم هؤلاء المسلمون القادمون؟

المسلمون القادمون...

أمة بالحق يهدون وبالحق يعيشون وعنه يصدرون

من قرأ القرآن والحديث... يدري أي صنف هؤلاء المسلمون..

التائبون العابدون... الحامدون السائحون... الراكعون الساجدون

الآمرون بالهدى وكل خير وهم عن الضلال والشرور زاجرون

في الله يعطون وفيه يمنعون.. فيه يحبون وفيه يبغضون

وفي سبيل دينه يجاهدون.. المسلمون قادمون...

فانقضوا قلاعكم.. وحولوا شراعكم يا أيها المستعمرون

الظالمون الحاقدون الماكرون الكائدون.. قد انقضى زمانكم، ونسجت أكفانكم

واستيقظ الرقود والمخدرون

ويعلن الدكتور القرضاوي في أول صفحة من الديوان وفاءً لأستاذه وأستاذ الجيل حسن البنا –رحمه الله– فيقول في إهداء الديوان له:

لك يا إمامي يا أعز معلم *** يا حامل المصباح في الزمن العمي

يا مرشد الدنيا لنهج محمد *** يا نفحة من جيل دار الأرقم

شيدت للإسلام صرحًا لم تكن *** لبناته غير الشباب المسلم

وكتبت للدنيا وثيقة صحوة *** وأبيت إلا أن توقع بالدم

نم في جوار زعيمك الهادي فما *** شيدت يا «بناء» لم يتهدم

سيظل حبك في الفؤاد مسطرًا *** وسناك في الألباب واسمك في الفم

وقد عالج الدكتور القرضاوي في هذا الديوان مأساة البوسنة والهرسك، وأوهام السلام التي تهب رياحها على المنطقة، كما أسدى النصيحة للمجاهدين الأفغان – هداهم الله – في قصيدته «التحدي الجديد»، وبروح الأب الناصح الأمين والعالم المعلم نجد الوصايا الغالية تقطر بها قصيدتاه «إليك يا بن الإسلام»، «إليك يا بنت الإسلام»، إضافة إلى معالجة هموم وآلام ذاتية خاصة بالنسبة له، لكنها تذوب في نهر الدعوة وتنداح على طريق الجهاد.

وقد وفق الدكتور القرضاوي في هذا الديوان – وفي سائر شعره – إلى المدى الأبعد في استدعائه للرموز التاريخية، وحسن توظيفه لأدوات التراث والتآخي والوئام بين عناصر العمل الفني جميعًا، وإن ركن أحيانًا إلى التعبير التقريري، إلا أن العلم قد أضاء أمام شيخنا شعره وأكسبه صدقًا محببًا، فخرج تعبيرًا عن اللحظات الأقوى والأملأ بالطاقة الصدوق، تمامًا كما قال حسان بن ثابت – رضي الله عنه – قديمًا:

وإن أشعر بيت أنت قائله *** بيت يقال إذا أنشدته صدقا

 

 

رسائل الإخاء

أبو حنيفة.. والتغيير

بقلم: نادر النوري

لقد ارتبط حنين المسلمين في شدوهم للخلافة إلى النموذج الأمثل؛ وهو الخلافة الراشدة، لا سيما من كان من المسلمين من أدركها وأصبحت ماثلة بين عينيه، وعاصر معها ما جاء بعدها من ملك عضوض أو جبري، فأصابه خيبة أمل ومرارة شديدة، فكانوا يتمنون أن يعود الأمر كما كان، فكانت تقوم الحركة تلو الحركة، ولكنها تفشل؛ لأن الأمر أصعب وأقوى مما يظنون، وسنن الله في التغيير لابد أن تنفذ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ (الرعد: 11)، وبعض خلفاء بني أمية وبني العباس كان فيهم ملك ورحمة، ولكن المسلمين ظنوا أنه من السهل العودة إلى الخلافة الراشدة، ولم يدركوا أن الأمر يحتاج إلى جهود جبارة، وتضحيات غالية لزحزحة هذه الدول القوية الراسخة التي لا تعبر في أذهانهم عن النموذج الأمثل «الخلافة الراشدة» والمؤيدة بالأموال الكثيرة والجيوش الجرارة لحمايتها والدفاع عنها، بما يستحيل هدمها من خلال الأماني والآمال أو الجهود المبعثرة الصغيرة.

فأكثرية المسلمين وفيهم علماء وفقهاء قبلوا بها على مضض على أساس الأمر الواقع الذي يصعب تغييره دون إراقة دماء غزيرة، وهو ما يخشونه لكونه أشد سوءًا. فكان هؤلاء العلماء والفقهاء يقررون أن الخروج على الحكام فيه من المفاسد أكثر مما فيه من المصالح؛ لأنهم لا يملكون تكتلًا قويًا لتغيير الحكم بدون فتن وإراقة دماء، ولذلك اتجهوا إلى الإصلاح من الداخل، فكان من هؤلاء العلماء من له صلة قوية بهؤلاء الحكام لمناصحتهم؛ لأنهم مسلمون يحكمون بالإسلام، وإن كان فيهم ظلم وتجاوزات، فالإمام الزهري كان على صلة قوية بالخلفاء الأمويين مع عدم المداهنة في الحق، وإن كان موقف سعيد بن المسيب وابن أبي ذئب وأمثالهما أقوى وأصلب في الحق.

أما أبو حنيفة – رحمه الله – فقد أدرك دولتين من دول الإسلام، أدرك الدولة الأموية في قوتها وعنفوانها ثم تحدرها وانهيارها، وأدرك الدولة العباسية وهي دعاية سرية تفرخ في خلايا مستورة عن العيون المترقبة، ثم وهي تغالب الأمويين فتنزع الملك من بين أيديهم، وتفرضه على الناس سلطانًا تحمل الناس عليه رغبًا ورهبًا. أدرك أبو حنيفة كل ذلك، فكان له أثر في نفسه، وإن لم يعلم أنه خرج مع الخارجين أو ثار مع الثائرين.

يروى أنه لما خرج زيد بن علي زين العابدين على هشام بن عبد الملك سنة 121هـ، قال أبو حنيفة – رضي الله عنه –: «ضاهى بخروجه خروج رسول الله ﷺ يوم بدر»، فقيل له: لم تخلفت عنه؟ قال: «حبسني عنه ودائع الناس، عرضتها على ابن أبي ليلى، فلم يقبل فخفت أموت مجهلاً»، وقال في الاعتذار عن الخروج معه: «لو علمت أن الناس لا يخذلونه كما يخذلون أباه لجاهدت معه؛ لأنه إمام حق، ولكن أعينه بمالي»، فبعث إليه بعشرة آلاف درهم، وقال للرسول الذي أرسله إليه: ابسط عذري له.

فأبو حنيفة يرى الخروج على ملك الأمويين أمرًا جائزًا شرعًا، وأنه كان يود لو حمل السيف مع المجاهدين، ولكن لم يكن مؤمنًا بحسن النتائج، وأنه كان في رأيه أنه عمل حق لعدم وجود من يؤيده والقوة المنفذة، والقلوب التي تحوطه بإيمانها، ومع ذلك لم يرد أن يكون من المثبطين المعوقين، فأرسل المعاونة بماله؛ لتكون دليل تأييده وفي المال قوة.

وهكذا انتهت ثورة الإمام زيد بقتله سنة 122هـ، ثم قام من بعده في خراسان ابنه يحيى سنة 125هـ فقتل كما قتل أبوه، ثم قام عبد الله بن يحيى يطالب بحق آبائه، فنازل في اليمن من أرسله مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية، ولكن قتل شهيدًا أيضًا سنة 130هـ كما قتل أبواه من قبل. وطويت هذه الصفحة المؤلمة حقًّا...


السعودية تفقد نائب رئيس اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء

الشيخ عبد الرزاق عفيفي بن عطية

بقلم: إبراهيم بن عبد العزيز الشثري

عضو هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالرياض

في يوم الخميس 25 ربيع الأول عام 1415هـ ودعت المملكة العربية السعودية عالمًا من علمائها البررة الربانيين، قدم لدينه كل عمره، ولأمته عصارة فكره عبر الفتاوى الكثيرة؛ حيث كان نائبًا لرئيس اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء الشيخ العلامة عبد الرزاق بن عفيفي بن عطية، لقد عرفته الأمة بحلمه الجم، وعلمه الواسع، وتتلمذ على يديه العشرات من طلاب العلم، وهم يكنون له كل احترام وتقدير، ويدعون له بالمغفرة والرضوان، وفقد العلماء رزية من الرزايا التي يصدق فيها قول القائل:

لَعَمْرُكَ مَا الرَّزِيَّةُ فَقْدُ مَالٍ *** وَلَا شَاةٌ تَمُوتُ وَلَا بَعِيرُ

وَلَكِنَّ الرَّزِيَّةَ فَقْدُ حُرٍّ *** يَمُوتُ بِمَوْتِهِ خَلْقٌ كَثِيرُ

ومصيبتنا فيه ليست كمصيبتنا في غيره.

فَمَا كَانَ مَهْلِكُهُ هَلَاكَ وَاحِدٍ *** وَلَكِنَّهُ بُنْيَانُ قَوْمٍ تَهَدَّمَا

وقال ابن القيم – رحمه الله – في فقد العلماء ومنزلتهم: «ومن هذا الأثر المروي إذا كان يوم القيامة يقول الله للعابد ادخل الجنة، فإنما كانت منفعتك لنفسك، ويقال للعالم: اشفع تشفع، فإنما كانت منفعتك للناس، وأيضًا فالدين قوامه وزينته وإضاءته بعلمائه وعباده، فإذا ذهب علماؤه وعباده ذهب الدين، كما أن السماء إضافتها وزينتها بقمرها، فإذا خسف قمرها وانتشرت كواكبها، أتاها وعد الله، وفضل علماء الدين على العباد كفضل ما بين القمر والكواكب».

وفيما يلي نبذة مختصرة عن سيرة الشيخ عبد الرزاق عفيفي.. فقد ولد بقرية بشنشود التابعة لمركز أشمون محافظة المنوفية عام 1323هـ.

دراسته: درس المرحلة الابتدائية ثم المرحلة الثانوية ثم مرحلة القسم العالي وبإتمامه دراستها اختير ومنح الشهادة العالمية عام 1351هـ، ثم درس مرحلة التخصص في شعبة الفقه وأصوله ومنح شهادة التخصص في الفقه وأصوله بعد الاختبار، كل هذه الدراسة في الأزهر بالقاهرة.

عمله: عين مدرسًا بالمعاهد العلمية التابعة للأزهر، فدرس بها سنوات، ثم ندب للعمل بالمملكة العربية السعودية للتدريس بالمعارف السعودية عام 1368هـ، ثم عمل مدرسًا بدار التوحيد بالطائف، ثم نقل منها بعد سنتين إلى معهد عنيزة العلمي في شهر محرم عام 1370هـ، ثم نقل إلى الرياض في آخر شهر شوال عام 1370هـ للتدريس بالمعاهد العلمية التابعة لسماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ، ثم نقل للتدريس بكليتي الشريعة واللغة العربية، ثم جعل مديرًا للمعهد العالي للقضاء عام 1385هـ، ثم نقل إلى الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء عام 1391هـ، وعين بها نائبًا لرئيس اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء مع كونه عضوًا في مجلس هيئة كبار العلماء بالمملكة.

وقد رزقه الله مواهب من قوة الحافظة والملاحظة وفقه النفس، وكرس جهده لطلب العلم خارج أروقة الأزهر، وعني بعلوم اللغة والتفسير والأصول والعقائد والسنة والفقه؛ حتى أصبح إذا تحدث في علم من هذه العلوم ظن السامع أنه تخصصه الذي شغل فيه كامل وقته، وقد كان له عناية خاصة في دراسة أحوال الفرق، وهذه الأمور جعلت طلاب العلم يقصدونه في كل وقت ويسمعون منه، وانتفع بعلمه خلق كثير، وقد شارك في أعمال التوعية في مواسم الحج، وكان رحمه الله يشرف على رسائل بعض الدارسين في الدراسات العليا، كما كان يشترك مع لجان مناقشة بعض الرسائل، ويلقي بعض الدروس في المساجد لطلبة العلم، «هذه الترجمة من كتاب فتاوى اللجنة الدائمة ج 1».

فرحمه الله رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته، ونفع الله بذريته وعلمه...

 

واحة الشعر

لحن الجراح

شعر: محمد جميل أحمد همد

انهض فقد ضجَّت جراح الليل وانطمس الضياء

ليل تطاول شرُّه وامتد في أفق الفضاء

انهض فما ثمَّ الحياة يسودها غير الشقاء

وتراكمت سحب الهوى فالكل يفعل ما يشاء

لا ذمة ترعى ولا دين يسود ولا حياء

والظلم عشش في القلوب فيا له داءً عياء!

أنظل نقبع والحياة يقودها هذا العماء؟

أنظل نخبط في الظلام وبيننا هدي السماء؟

وتعيث في حرماتنا جند العدا والأشقياء؟

طفل يموت وزوجة تُسبى وأرملة تساء

والعار عمَّ ديارنا فأظلنا شبح الفناء


فالحر يأبى أن يعيش على الدنية والخداع

ويسام خسفًا في الحياة كأنه سقط المتاع

والحر مَن يهوى الجهاد إذا رأى حقًّا مضاع

مأساتنا إنا نعيش بلا هوية في انقطاع

مأساتنا إنا نسام مع السوائم والرعاع

مأساتنا شعب تشتت بين أودية الضياع

انهض أخا الإسلام فالإسلام قد فقد الشراع

انهض أخي فالحل كل الحل أن نلج الصراع


انهض أخي فالليل أوشك أن يبدده الصباح

وكتائب الفتح المبين تناثرت حول البطاح

كم من جراح داميات في حمانا المستباح

ولطالما زحفت جيوش الكفر في كل النواح!

والغرب ينقم دائمًا من شرعة الحق الصراح

انهض أخا الإسلام فالإسلام منكسر الجناح

انهض ولا تخشَ عناء الدرب أو عنت الكفاح


المنهج الإسلامي في النقد الأدبي «مقوماته وخصائصه» (3 من 3)

لا بد من التحرر من أسر المصطلح الغربي في النقد

بقلم: الدكتور علي الغزيوي

أستاذ الأدب الأندلسي والنقد الأدبي بكلية الآداب - فاس

ورئيس فرع رابطة الأدب الإسلامي بالمغرب

إذا أردنا استعمال مصطلح غربي علينا أن نفرغه من محتواه ونملأه بمحتوى جديد يتناسب وتجربة الكاتب الإسلامي.

وفي الوقت الذي نبحث فيه عن أصالتنا وتميزنا، فإننا نحاول التحرر ما استطعنا من أسر المصطلح الغربي الشديد التحكم بلغتنا النقدية (1). ولو أخذنا على سبيل المثال المصطلحات التي تستعملها المدارس الأدبية الغربية وتتداولها ألسنة أدبائنا وأقلامهم، للاحظنا تسيبًا كبيرًا في مفاهيمها، وغرابةً واضحةً عن واقعنا وإنتاجنا الذي صاغته عوامل مختلفة، ومن تلك المصطلحات: الكلاسيكية والرومانسية، والواقعية ومدرسة الفن للفن وغيرها من المصطلحات الأصلية والفرعية التي يزدحم بها النقد الأدبي وتاريخ الآداب، «فهذه المصطلحات ولدت في ظروف خاصة، وارتبطت بمناسبات وأيديولوجيات ولغات معينة، بدأ ذلك منذ الإغريق بتصوراتهم الدينية والأسطورية والفلسفية، وظل توليد المصطلحات ساريًا عبر العصور المختلفة، ولما جاءت النهضة العلمية الأوروبية، وبرزت إلى الساحة علوم جديدة كالفيزياء والرياضيات وعلم النفس والاجتماع، والمدارس التاريخية المستحدثة استطاعت هذه كلها أن تمد الأدب بتصورات وتفسيرات ومصطلحات جديدة....» (2).

فالرومانسية على سبيل المثال: مصطلح ذو تاريخ بالغ التعقيد، متعدد المعاني والدلالات؛ حتى إن الباحث الأمريكي «لانسجوي» قد لاحظ ذات مرة أن لكلمة «رومانتيكي» من المعاني ما جعلها لا تكاد تعني شيئًا بالتحديد. وقام دارس آخر هو «لوكاسن» في كتاب "تدهور وسقوط المثال الرومانتيكي" الصادر سنة 1948م، بإحصاء نحو (11,396) تعريفًا لهذا المصطلح، بينما لاحظ «بارزويني» أن هذا المصطلح قادر على أن يدل على كل ما يريده أي كاتب من المعاني (3).

ولا تختلف «الواقعية» عن «الرومانسية» في ذلك، فهي واقعيات وتيارات لا يمكن أن تستوعب الأشتات المتباينة، وقد أدرك الغربيون أنفسهم صعوبة وضع تعريف دقيق يحدد مفهوم الواقعية، فقد قرر «و. هـ. هارمي» في كتابه عن «الواقعية» أنه لا شيء يصور القلق الدائم في هذه الكلمة أفضل من ميلها العنيد لاستجلاب صفة أخرى في كلمة أو كلمات لتقدم ما يسند دلالتها اللفظية (4).

ولأن اللفظة مجردة لا دلالة لها مستقلة، فقد ذكر ثلاثة وثلاثين مصطلحًا أسندت فيه كلمة الواقعية إلى صفة أخرى تحدد دلالتها مثل: الواقعية النقدية - الواقعية المستديمة - الواقعية الخارجية - الواقعية الشكلية - الواقعية المثالية.. دون الواقعية – الواقعية الساخرة.. الواقعية الساذجة.. الواقعية الطبيعية - الواقعية الموضوعية ... إلخ. ويستشهد بآراء عدد من النقاد مثل قول أحدهم: إن الواقعية مفهوم خداع مخاتل، وقول غيره: أنا لا أريد التورط في تعريفات كلمة الواقعية.. ويقرر أنها كلمة قاصرة جموح، ويتفق مع «أورتيكا» في قوله: لا أستطيع مناقشة هذا الاصطلاح العويص الذي كنت دائمًا أحرص على وضعه بين فارزتين لأجعله موضع شك (5).

ومن خلال ذلك يتأكد أننا إذا أردنا استعمال مصطلح غربي، أو مصطلح عربي قديم، وخاصة ما لا يصدر منه عن تصور إسلامي واضح، علينا أن نفرغه من محتواه ونملأه بمحتوى جديد، وهذا أمر لا يقتصر على الأدب الإسلامي، بل ينسحب على الأدب العربي الحديث عامة (6)، وذلك لأن الشقة واسعة بين المصطلح الغربي وتجربة الكاتب العربي عامة، والإسلامي خاصة.

وقد تلتقي بعض مفاهيمنا العربية الإسلامية مع مفاهيم بعض المصطلحات الغربية أحيانًا، كما هو الأمر بالنسبة للواقعية الإسلامية التي غدت مصطلحًا مستعملًا عند بعض منظري الأدب الإسلامي، يلتقي مع بعض أنواع الواقعية كالواقعية الاشتراكية على سبيل المثال، ولكنه ليس تشابهًا حقيقيًّا، بل هو تشابه ظاهري؛ إذ سرعان ما ينفصلان ويتباينان إلى درجة التناقض في أكثر الأمور عمقًا وأشدها حسمًا؛ لأنها بمثابة الأساس الذي يحدد توجه كل منهما، ويبرز طبيعته وخصوصيته (7).

فبالإضافة إلى أن واقعيتنا «روحية» وإن كانت لا تنكر قيمة «المادة» التي تكيفها وفق معاييرها، وأن واقعيتهم «مادية» لا مكان «للروح» فيها، فإن واقعيتنا نابعة من طبيعة فكرنا وسلوكنا وعلاقاتنا ونمط حياتنا في إطار العقيدة التي ندين بها، فإن ادعينا غير ذلك نكون قد تخلينا عن مقومات شخصيتنا، وأصبحنا نحلل واقعنا بمقاييس غريبة عنه، ونحتكم إلى نماذج لا تصور هذا الواقع بالذات. هذا دون أن نغفل ما ينتج عن «الاتباع» و«الاستلاب» في هذا المجال من تشويهات تمس بعض العناصر الجوهرية في العملية الإبداعية، ونقصد بها وسائل الأداء، ومن ذلك ما جره اتباع «الواقعية الجديدة» في العالم العربي على سبيل المثال، في مجال القصة والرواية من تطاول على أداة التعبير متمثلة في اللغة التي ضعف مستواها جدًّا عند بعض من ركب هذه الموجة، ليغطي بها ضعفه، وذلك ما شكا منه بعض النقاد، ومنهم الدكتور أحمد كمال زكي في قوله: «وظهرت موجة «الواقعية الجديدة» في إطار الماركسية فمسخت اللغة وشوهتها، حتى لقد تبجح صغار القصاصين في وجه النقاد الذين نبهوهم إلى ضرورة استكمال أدواتهم اللغوية» (8).

إن الترابط قوي بين المنهج والمصطلح؛ لأن الثاني يعتبر أحد أبرز مقومات الأول، وما لم يحدد النقد العربي المعاصر عامة، والنقد الإسلامي خاصة موقفه من المنهج والمصطلح النقدي الأجنبيين؛ فإنه سيظل عالة على غيره، والأمر بالنسبة للنقد الإسلامي أشد إلحاحًا. وبالرغم من أننا لا نستطيع أن ننعزل عن العالم وتجربة الكتابة الحديثة، فإنه يجب أن يكون اتصالنا بما هو أجنبي قائمًا على الوعي المنهجي والاصطلاحي، والقدرة على التمييز بين الحدود الممكنة وغير الممكنة، وكذلك الأمر بالنسبة للمنهج والمصطلح العربيين القديمين؛ لأننا في الوقت الذي يجب أن نبقى على خط التتابع ممكنًا مع تراثنا النقدي، كما يقول الباحث العراقي طراد الكبيسي؛ لأن هذا التراث كغيره من فنون العلم والمعرفة، يشكل بالنسبة لنا خبرة نفسية وفلسفية اجتماعية وجمالية (9)، يكون من واجب الناقد الإسلامي الذي يؤمن بهذا التتابع أن يميز بين خطين متوازيين يمثل أحدهما امتدادًا للإرهاصات الأولى للمنهج الإسلامي كما تأسست في مرحلة صدر الإسلام، ويمثل ثانيها خروجًا عن ذلك ورفضًا له.

ثالثًا: التوازن في الاعتداد بالمضمون وجماليات الشكل:

بالإضافة إلى ارتباط المنهج الإسلامي في النقد الأدبي بالعقيدة في سموها وعمقها وحاجته إلى المصطلح المناسب الذي ينسجم مع التجربة الأدبية الإسلامية، يمثل التوازن في النظر إلى المضمون والشكل واحدًا من أبرز مقومات هذا المنهج، وعنصرًا هامًا في تحقيق إسلاميته، ذلك بأن المنهج الإسلامي في النقد الأدبي يدرك أن أدبية الأدب لا يمكن أن تتحقق إلا بما هو فني، ولكنه يدرك أن جماليات الشكل ليست مطلوبة لذاتها، كما هو الشأن بالنسبة لبعض المدارس الأخرى كمدرسة الفن للفن التي يرفضها المنهج الإسلامي لكونها تعتبر الأدب شرفًا زائدًا، بينما الأدب في التصور الإسلامي ومنهجه في النقد رسالة سامية تجمع بين الحق والخير والجمال في نسق منسجم ومتكامل، ومن ثَمَّ فلا عبرة بالموضوع في حد ذاته، ولا بمجموع الأفكار التي يقوم عليها، بل بالتصور الذي يحكم ذلك كله؛ لأن الذي يعتقد به في النص الأدبي الإسلامي هو المضمون وليس الموضوع. وإن كان معظم الدارسين يخلطون بينهما في الأدب عامة، وفي الأدب الإسلامي خاصة، ولتحديد الفرق بينهما نشير إلى أن الموضوع المتمثل في حدث إسلامي أو شخصية إسلامية على سبيل المثال لا يحدد بالضرورة إسلامية الأدب، وإلا لكان ما كتب عن الإسلام وتاريخه ورجاله وأحداثه في بنية أدبية معينة، من قبل المستشرقين والمفكرين الغربيين ومن بعض أبناء المجتمع الإسلامي، من قبيل الأدب الإسلامي دون تمييز، ولانتهى الأمر ببساطة.

وحين نعتبر المضمون بهذا المفهوم سبيلاً لتحديد إسلامية الأدب، فإنما نتحدث عن كتابة استوفت شروط أدبيتها، وتحقق لها مستوى فني معين يجعلها كذلك، وهكذا فليس الأدب الإسلامي هو ذلك الأدب الذي يتحدث عن الإسلام، أو عن حقبة من تاريخه أو عن شخصياته فحسب، إنما هو التعبير الناشئ عن امتلاء النفس بالمشاعر الإسلامية، ولا يتعارض مع القيم الإسلامية، وبناءً على ذلك فإنه إذا كان الموضوع وحده لا يصنع أدبًا إلا إذا تحققت فيه المقومات الفنية، فإن الحدث الإسلامي وحده لا يضفي صفة الإسلامية على الأدب، بل الذي يعتد به هو المضمون الذي يقوم على تشكيل التجربة الأدبية تشكيلاً فنيًّا يحمل رؤية الأديب المسلم للكون والإنسان والحياة، ويتمثل موقفه وتصوره الإسلاميين دون تزييف أو ادعاء، وهو تصور مرتبط بالتصور الإسلامي الصحيح في عمقه وشموله، ويبرز ذلك كله في الأبعاد الإنسانية التي يرصدها الأديب المبدع في رسالته التي يضطلع بها، ويعني غاياتها وأهدافها، مع تهذيب الأذواق والنفوس، ومع مراعاة طبيعة كل جنس من الأجناس الأدبية، وما لكل منها من خصوصية وإمكانات بطبيعة الحال.

وإذا كان الأمر كذلك بالنسبة للمضمون فإن الشكل الذي يرتبط به ارتباطًا عضويًّا تتمثل جمالياته في نموذجها الأسمى في البيان القرآني بمواصفاته وخصائصه البلاغية الرفيعة. هذا دون أن ننسى أن قضية الشكل والمضمون في النقد العربي قد نشأت نشأة دينية خالصة، وترعرعت في أحضان دراسات الإعجاز البياني للقرآن الكريم، ثم انتقلت إلى مجال الكلام البشري للبحث عن مكامن الجودة فيه، أهي في مضمونه أم في شكله، وتوجت بنظرية النظم التي اكتملت صيغتها النهائية على يد عبد القاهر الجرجاني، وكانت تلك النظرية انتصارًا لنظرية أهل السنة في الكلام عامة، وفي الإعجاز القرآني خاصة، على نظرية المعتزلة. وهذا ما يجعل قضية الشكل والمضمون في النقد العربي تختلف من حيث نشأتها وطبيعتها وأبعادها عن القضية كما عرفها النقد الغربي، ولو استفاد النقد العربي الحديث والمعاصر من الإنجازات التي حققها النقد العربي القديم في هذا المجال؛ لكانت صورته أفضل مما هي عليه الآن، ولكان أكثر أصالة وأشد ارتباطًا بأصوله.

رابعًا: التكامل بين الذات والموضوع:

إذا كان المنهج يقوم على مجموعة من الضوابط التي يخضع لها الدارس في دراسته للنصوص، وفق رؤية خاصة للكون والحياة والإنسان، وتدعمها خلفية فكرة معينة، فإن النقد الإسلامي يضيف إلى ذلك شمولاً وتكاملاً بين الذاتي والموضوعي، في إطار من التوازن المضبوط. ذلك بأن النقد الإسلامي، وإن كان معياريًّا للأسباب السابقة، فإنه –كما يقول الدكتور عماد الدين خليل– يعطي مساحة للذات، وهذا ما يجعله نقدًا شموليًّا، متوازنًا، شأنه في ذلك شأن سائر الفعاليات التي تتحرك في إطار الإسلام؛ لأنها تستمد مقوماتها وملامحها من رؤيته الشاملة المتوازنة (10). ولكن مع مراعاة ما لطبيعة النقد الأدبي – أو الفني عامة – الذي يتعامل مع تجربة شعورية ذاتية مختلفة عن التجارب الموضوعية في باقي العلوم والمعارف؛ ولكنها تجربة نابعة من التصور الإسلامي، منسجمة معه، ملتزمة بحدوده، سابحة في الآفاق التي لا تحد.

الهوامش:

1- الواقعية الإسلامية في الأدب والنقد، د. أحمد بسام ساعي، ص 11، دار المنارة - جدة - السعودية – الطبعة الأولى 1405هـ - 1985م.

2- مدخل إلى الأدب الإسلامي، د. نجيب الكيلاني، ص 142، كتاب الأمة رقم 14 قطر - الطبعة الأولى – جمادى الآخرة 1407هـ.

3- المرجع نفسه.

4- الواقعية: ديمين كرانت، ترجمة د. عبد الواحد لؤلؤة، ص 88، موسوعة المصطلح النقدي - بغداد 1980م.

5- المرجع نفسه - ص 11 - 13.

6- مدخل مواجهة نقدية للتجربة الأدبية العربية، طراد الكبيسي - مجلة الأقلام - العراق - العدد السابع – السنة 13، 1978م، ص 130.

7- الواقعية الإسلامية في الأدب والنقد، ص 15.

8- النقد الأدبي الحديث، أصوله واتجاهاته، ص 80، الهيئة المصرية العامة للكتاب - القاهرة 1972م.

9- مدخل مواجهة نقدية للتجربة الأدبية العربية، مجلة الأقلام - العدد السابع - 1978م، ص 129.

10- مدخل إلى نظرية الأدب الإسلامي، ص 189.

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل