العنوان المجتمع الثقافي (العدد 1105)
الكاتب مبارك عبد الله
تاريخ النشر الثلاثاء 28-يونيو-1994
مشاهدات 64
نشر في العدد 1105
نشر في الصفحة 50
الثلاثاء 28-يونيو-1994
ومضة
أحد الزعماء عندما أرادوا أن يقتلوه
من غير إطلاق نار، عمدوا إلى الضغط على أعصابه، وذلك بإلزامه بالانتقال من موقعه
كل ساعتين بحجة الخوف على حياته، حيث يعيش [منفيًا] في بلد أجنبي [مطاردًا] من
زبانية النظام الذي يحكم بلاده، ويعبث بمقدرات أمته.
تذكرت هذه القصة، والمجلة تنتقل إلى
مكاتبها الجديدة، ورغم أني أشرفت على نقل ملفاتي، إلا أنني وأنا أحاول ترتيب
مكتبي، وإعادة أوراقي إلى أدراجها، انتابتني حالة من الذهول، وغادرني ذلك التركيز
الذي اعتدت أن أجعله وسيلتي للسيطرة على عملي، حتى إنني لم أعثر على موضوع لهذه
الومضة إلا بصعوبة بالغة، وبعد تفكير طويل، ومع ذلك لم تخرج عن الحالة الآنية التي
أعيشها وهي حالة الانتقال والرحيل.
نعم تذكرت ذلك الزعيم، وتذكرت أيضًا
أنه رغم محنة الترحيل المتتابع، وانعدام الاستقرار، ظل نافذ البصر، حديد الإرادة،
صلب العزيمة، رابط الجأش، متماسك الأعصاب، استطاع أن [يكيف] نفسه مع الحالة
الجديدة، ويتابع نضاله، ويواصل نشاطه، غير عابئ بما أصابه، ولا مكترث بما يدبر له
لأنه [آمن] إيمانًا جازمًا أنه لن يصيبه إلا ما كتب الله له.
قد يكون هذا الزعيم استثناء في خضم
الزعامات التي تبرز مصادفة وفي غفلة من الزمن، وتكثر في أوقات الرخاء وأيام
الانتفاع، ولحظات الانتعاش بالوجاهة وتصدر المجالس.. لكنها تقل وتقل في أوقات
الشدة، عندما يطلب من الزعيم أن يكون [رجلًا].
اللسان العربي
التعريب والأسلمة.. توأمان
بقلم: عبد الوارث سعيد
اللغة -أي لغة- ليست مجرد رموز
وإشارات صماء أو أحادية الدلالة كالرموز الكيميائية أو إشارات المرور، وإنما هي
وعاء رحب يحتضن تراث الأمة بمضامينه الفكرية والقيمية، فكل لفظة في اللغة «كبسولة»
حضارية تزود من يتلقاها -بوعي- بجرعة من حضارة الأمة صاحبة اللغة فتسري في كيانه
وتؤثر في منهج تفكيره وبالمثال يتضح المقال:
1- لفظة «الصداقة» حين نقرأ لفظة
مرادفة لها من إحدى اللغات الأجنبية، الإنجليزية مثلًا: Friendship، تدخل إلى أذهاننا وشعورنا مصحوبة بجو منطلق من حضارة الغرب
وتصورها عن الصداقة: جو «الليبرالية والذرائعية «النفعية»، بل والإباحية في ممارسة
هذه العلاقة، وفي هذا الجو يسهل على الشباب أن ينزلق إلى الحديث عن صداقة الفتي
للفتاة (Girl/boy friend)،
وما يجر إليه من علاقات وممارسات لا ترى حرجًا في تخطي كل الحدود والقيم إلى حد أن
أشنع درجات الانحدار «وهي ارتكاب الفاحشة» صارت في تعبيرهم ضربًا من «اللعب To play Sex» يتسلى به.
أما حين نقرأ هذه اللفظة «الصداقة»
في نص عربي إسلامي فسوف يكون عطاؤها مختلفًا تمامًا، وسوف تستدعي إلى ذهن القارئ
معاني من أفق آخر مختلف تمامًا مرتبط ببيئة الإسلام الطاهرة.. الصدق، الإخلاص،
النصح المحبة في الله.. مثل: «المؤمن مرآة أخيه، المرء على دين خليله، الجليس
الصالح وجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير.. غض البصر حفظ الفرج، ما خلا رجل
بامرأة ليس معها محرم إلا كان الشيطان ثالثهما.. إلخ».
وقس على ذلك مئات الألفاظ والمصطلحات
من مختلف المجالات: الدين الأخلاق الخير، الشر، الصلاح، الفساد، الأمن، السلام،
الحرية، العبودية، حقوق الإنسان، الربح، الخسارة، الاحتكار، المتعة، السياسة
المصلحة.. إلخ.
من هذا المنطلق ننظر إلى التعريب لا
على أنه قضية لغوية فقط، بل عملية حضارية وثيقة الصلة بمقومات الفرد والأمة، وكأن
التعريب والأسلمة وجهان لكيان الأمة الحضاري، يصدق ذلك على القائمين بالتعريب وعلى
المادة المعربة أيضًا. فمن يمارس التعريب، ومنطلقاته الفكرية والقيمية، أجنبية عن
حضارة هذه الأمة؛ سيمسخ البنى الحضارية المتمثلة في المصطلحات وسيكون مصير تعريبه
الإخفاق روحًا وإن بقي شكلًا، وكأنه يمارس دور الجاسوس البريطاني الخبيث «لورنس»
الذي كان يلبس الزي العربي ويركب الجمل وهو يعمل بكل دهاء وخديعة لتدمير العرب وإخضاعهم
لمؤامرات الغرب.
ومن كان نسيج بنيانه الحضاري مشتقًا
من حضارة هذه الأمة المسلمة، ولكنه أعجمي اللسان فإن إنجازاته لن تحسب ضمن تراث
هذه الأمة، بل تراث أمة اللغة الأجنبية، ومن يربيهم على اللسان الأجنبي تفكيرًا
واتصالًا سيكونون مبتوري الصلة بتراث أمتهم، وثيقي الصلة بتراث الأجانب المعادين
-غالبًا- لها، فيكونون كلاً «بفتح الكاف» أو حربًا على أمتهم، أو -على أحسن تقدير-
يعيشون في حالة فصام عقلي وعاطفي يتعايشون في انسجام مع حضارة الآخر رغم أنهم
يرفضونها داخليًا، ويحنون إلى حضارة أمتهم ولكنهم عاجزون عن التفاعل معها لعجز
أداة الاتصال بها وهي اللغة العربية. وهذا - على ما أحس - هو واقع المسلمين
الطيبين من أبناء الأمة الذين تعلموا بلغات أجنبية ولا يزالون يعلمون أو يتعاملون
بها خضوعًا لواقع «التغريب» المفروض.
إذا كان الربط الوثيق بين اللغة
والقومية من المسلمات التي صدع بها القوميون رؤوسنا، وهي كلمة حق أرادوا بها
باطلًا، فإن الربط الأوثق بين العربية والإسلام أولى وأحق، وليس -كما يزعم
«التغريبيون»- دروشة، أو تطرفًا، أو رجعية، أو كهنوتًا، بل مطلب روح الأمة الملح.
وعليه، فمن يقف في وجه التعريب يمارس
لونًا من الخيانة لأمته، إذ يضحي بمستقبلها لعلة في نفسه، ومن يفصل التعريب عن
الأسلمة يخونها أيضًا إذ يضعها على طريق الغثائية والتبعية لعدوها.
واحة الشعر
مواكب النور
شعر: جودت أبو بكر
يا فارس
القدس ضاع القدس وانهمرت تلك الدموع
على قدسي وأحلامي
يشدني
الحلم ألقى الليل مخلبه يمزق
النور في جفني وأيامي
فرحت
أسأل عن فتح ألوذ به ورحت أبحث عن زند وصمصام
فقادني
الشوق للأطفال في بلدي والشوق
تحمله أمواج آلام
قالوا
السلام وأرض العرب قد نهبت
أيرجع الحق غير السيف والحامي؟!
يا فارس
القدس قد لونت قافيتي من
مقلتيك فماجت وحي إلهام
ما زلت
تومض في روحي بوارقها والليل
يرحل في فجري وإيلامي
أيوهن
الصبح يجري جري حالكة
ويبدأ القلب في مشواره الدامي
تأرج
الحلم لا أدري أنطعنه أيصلب
الحلم في حقد وأوهام؟!
عُد لي
فديتك فالأحلام قد صليت مواكب
النور في ريح وإضرام
في عبقر
الفتح خار الزند واندفعت كتائب
الخزي في ذل وإرغام
عافوا
الأبابيل نطع الخوف مفرشهم أحنوا
الرقاب لجزار وهدام
يا فارس
القدس ليس القدس دا ر هوى
حتى يباع لنخاس وأزلام
ما يفعل
الجرح في زحف الضحى ودم مشاعل
الخصب في حب وإقدام
روى
وفاحت ففي الآفاق هاتفة القدس
فينا لتاريخ وإسلام
أرض
الشهادة لم تسلب وإن سلبت غدًا
تجيء أبابيلي وضرغامي
تلك
الأقاويل جرح غاص في دمنا
هلا التفتنا إلى جرح وأيتام
يا موكب
الفتح حط النصر في حلم ويعبر
الحلم لكن دون أختام
من حلكة
الليل قد لملمت أغنيتي خضراء
أرجها شوقي وأنغامي
من حلكة
الليل فاضت تلك قافيتي والفجر
طرّزها شوقًا بأنسام
من
الحجارة من حطين هادرة يزفها النور في حب وإكرام
من
الحجارة واليرموك في دمنا فكيف
يجري بلا عمرو وقسام
وتطلع
الشمس لكن من مواكبنا ويبدأ
الفتح من أرضي وأقوامي
يا راية
النور يبقى النور مندفعًا في
جبهة المجد قد ركزت أعلامي
هذا
التراب هتاف ماج مؤتلقًا أحنى
فأرجنا من طيبه السامي
هذا
التراب وقد فاحت قصائده يا أمة الفتح قد حطمت أصنامي
ويطلع
الصبح في الآفاق رايتنا ويفرح
الطفل في شدو وأحلام
تجري
السواقي يفيض الخصب أمرعه دم وحب
ولم تجر بهشام
أليس منا
وسيف الله نشرعه وراية
الفتح فوق القدس والشام
بيارق
الفتح في اليرموك تبعثنا فليس
توهننا أوهام أقزام
يا خالد
السيف لم تصدأ صوارمنا
والسيف أفصح من قول وإعلام
السيف
والزند للإشراق في وطن للقادمين
بلا ذل وإجرام
غدًا
تفتح آفاق مورحة غدًا تطهر
من غدر وآثام
غدًا
وتطلع شمس الحق خالدة فالحق
في الروح لا في لغو نمام
أيا دمشق
عيون النور قد عشيت هلا
أتيت بفجر منك بسام
أيا رياض
سيوف العرب قد هزمت هلا
أتيت بصقال ومقدام
يا فارس
القدس صوت القدس مندفع ماذا يقول
لشامير وصدام
لا يطلع
النصر إلا من عزائمنا مواكب
النور داست كل قتام
ماذا
يقول عهود الأمس نائحة أما
المواثيق لم تحظ بزمام
مر الطُّغام
على أرضي وقد سحقوا فجر
الجحاجيح أفنى كل طغام
يأتي
الصغار إلى قلبي وقد سطعوا ماذا
تقول أناشيدي وأقلامي
يأتي
الصغار أرى عمرًا وصارية أرى
الشموس بعمار وعزام
أرى
المثنى أرى فتحًا أرى قمرًا أرى
التباشير في سعد وفي رامي
يا رب عفوك ما شعري لنيل هوى فأنت أعلم ما يخفي بعلام