; الماديّة تغزو بلاد المسلمين | مجلة المجتمع

العنوان الماديّة تغزو بلاد المسلمين

الكاتب أحمد حمود الدبوس

تاريخ النشر الثلاثاء 01-أبريل-1975

مشاهدات 89

نشر في العدد 243

نشر في الصفحة 24

الثلاثاء 01-أبريل-1975

قبل عشرين عامًا أو يزيد كتب الإمام الشهيد حسن البنا هذه الفقرات من رسالة «بين الأمس واليوم» لبيان وضع الإسلام والمسلمين ونحن اليوم بعد قراءة هذه الرسالة في عام ١٩٧٥وجدنا أن وضع المسلمين اليوم ما خرج عن هذه السطور التي كتبها الإمام- رحمه الله-. وكأن واقع المسلمين قبل ربع قرن لم يتغير بل بقي كما هو ولعله تطور نحو الأسوأ كما يشهد بذلك الواقع ويدل عليه الحال. والسؤال الذي يطرح نفسه: بماذا سنجيب الله- عز وجل- إذا سألنا يوم القيامة عن حال المسلمين؟ هل أعددنا الإجابة؟.. ومع الإمام الشهيد أترككم...

عمل الأوربيون جاهدين على أن تغمر موجة هذه الحياة المادية بمظاهرها الفاسدة وجراثيمها القاتلة جميـع البلاد الإسلامية التي امتدت إليهـا أيديهم وأوقعها سوء الطامع تحت سلطانهم، مع حرصهم الشديد على أن يحتجزوا دون هذه الأمم عناصر الإصلاح والقوة من العلوم والمعارف والصناعات والنظم النافعة وقد أحكموا خطة هذا الغزو الاجتماعي إحكامًا شديدًا واستعانوا بدهائهم السياسي وسلطانهم العسكري حتى تم لهم ما أرادوا. أغروا كبار المسلمين بالاستدانة منهم «مثال السد العالي في مصر» والتعامل معهم وسهلوا عليهم ذلك وهونوه عليهم واستطاعوا أن يكتسبوا من التدخل الاقتصادي وأن يغرقوا البلاد برؤوس أموالهم ومصارفهم وشركاتهم وأن يديروا دولاب العمل الاقتصادي كما يريدون وأن يستأثروا دون الأهلين بالأرباح الطائلة والثروات العظيمة، وتمكنوا بعد ذلك أن يغيروا قواعد الحكم والقضاء والتعليم وأن يصوغوا النظم السياسية والتشريعية والثقافية بصبغتهم الخالصة في أقوى بلاد الإسلام وجلبوا إلى هذه الديار نساءهم الكاسيات العاريات وخمورهم ومسارحهم ومراقصهم وملاهيهم وقصصهم وجرائدهم ورواياتهم وعبثهم ومجونهم، وأباحـــــــوا فيها من الجرائم ما لم يبيحوه في ديارهم وزينوا هذه الدنيا الصاخبة العابثة التي تعج بالإثم وتطفح بالفجور في أعين البسطاء الأغرار من المسلمين الأغنياء وذوي الرأي فيهم وأهل المكانة والسلطان. ولم يكفهم هذا حتى أنشأوا المدارس والمعاهد العلمية والثقافية في عقر ديار الإسلام تقذف في نفوس أبنائه الشك والإلحاد وتعلمهم كيف ينتقصون أنفسهم ويحتقرون دينهم ووطنهم وينسلخون من تقاليدهم وعقائدهم ويقدسون كل ما هو غربي، ويؤمنون بأن ما يصدر عن الأوربيين وحده هو المثل الأعلى في هذه الحياة واحتوت هذه المدارس على أبناء الطبقة العليا وحدهــــا وصارت وقفًا عليها.

وأبناء هذه الطبقة هم العظماء والحكام، ومن يكون بيدهم بعد قليل مقاليد الأمور في هذه الأمم والشعوب، وبعض البلاد الإسلامية التي تأثرت بهذه الحضارة المادية:-

- بلاد بلغ فيها هذا التأثر مبلغًا عظيمًا يصل إلى القلوب والمشاعر.

- بلاد تأثرت بهذه الحضارة في أوضاعها ومظاهرها الرسمية.

- بلاد لم تتأثر بهذه الحضارة فيها الأطبقة خاصة من المثقفين والحكام. ومع هذا فالموجة تمتد بسرعة البرق لتصل إلى ما لم تصل إليه بعد من النفوس والطبقات والأوضاع. ولقد استطاع خصوم الإسلام أن يخدعوا عقلاء المسلمين وأن يضعوا ستارًا كثيفًا أمام أعين الغير منهم بتصوير الإسلام نفسه تصويرًا قاصرًا في ضروب من العقائد والعبادات والأخلاق إلى جانب مجموعة من الطقوس والخرافات والمظاهر الجوفاء، وأعانهم على هذه الخديعة جهل المسلمين بحقيقة دينهم حتى استراح كثير منهم إلى هذا التصوير وأطمأنوا إليه ورضوا به، وطال عليهم في ذلك الأمد حتى صار من العسير أن نفهم أحدهم أن الإسلام نظام اجتماعي كامل يتناول كل شئون الحياة ونستطيع بعد ذلك أن نقول: إن الحضارة الغربية بمبادئها المادية قد انتصرت في هذا الصراع الاجتماعي على الحضارة الإسلامية بمبادئها الجامعة للروح والمادة معًا في أرضه نفسه، وفي حرب ضروس میدانها نفوس المسلمين وأرواحهم وعقائدهم وعقولهم، كما انتصرت في الميدان السياسي والعسكري ولا عجب في هذا فإن مظاهر الحياة لا تتجزأ والقوة قوة فيها جميعًا، والضعف ضعف فيها كذلك ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ (آل عمران:١٤٠) وإن كانت مبادئ الإسلام وتعاليمه ظلت قوية في ذاتها فياضة بالخصب والحياة جذبة. أخاذة بروعتها وجمالها، وستظل كذلك لأنها الحق ولن تقوم الحياة الإنسانية كاملة فاضلة بغيرها ولأنها من صنع الله وفي حياطته ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (الحجر: ٩) ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (التوبة :٣٢).

يقظة بعد النوم:- وكما كان لذلك العدوان السياسي أثر في تنبيه المشاعر القومية، وكان لهذا، الطغيان الاجتماعي أثره كذلك في انتعاش الفكرة الإسلامية، فارتفعت الأصوات من كل مكان تطالب بالرجوع إلى الإسلام وتفهم أحكامه وتطبيق نظامه ولابد أن يأتي قريبًا ذلك اليوم الذي تندك فيه صروح هذه المدينة المادية على رؤوس أهلها، وحينئذ يشعرون بسعير الجوع الروحي تشتعل بــــه قلوبهم وأرواحهم.

تقف البشرية اليوم على الهاوية.. لا بسبب التهديد بالفناء المعلق على رأسها... فهذا عرض للمرض وليس هو المرض... ولكن السبب لفلاسها في عالم «القيم»- معالم في الطريق سيد قطب- ولا يجدون الغذاء والشفاء والدواء إلا في تعاليم هذا الكتاب الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ (يونس: ٥٧-٥٨) من رسالة بين الأمس واليوم للشهيد الإمام حسن البنا- بتصرف-

ونسأل الله أن يجعل هذا العمل خالصًا لوجهه، وأن يفتح قلوب المسلمين وعقولهم للعمل بهدى الدين الإسلامي الحنيف.

الرابط المختصر :