العنوان المأزق الأمريكي
الكاتب محمد الراشد
تاريخ النشر الثلاثاء 10-ديسمبر-1996
مشاهدات 99
نشر في العدد 1229
نشر في الصفحة 16
الثلاثاء 10-ديسمبر-1996
يحتار المرء أحيانًا وهو يراقب سلوك الولايات المتحدة كدولة عظمى هي تستأثر بالقيادة القطبية الأحادية، وذلك في قدرتها على التعامل مع الأزمات الخارجية وفرض سياساتها الخارجية في نقاط مختلفة من أقاليم العالم، وخصوصًا عندما يستنجد بها جميع الأطراف في أقاليم متفجرة من هذا العالم في نفس الوقت تعيش هذه القوة العظمى مأزقًا داخليًا لا تستطيع أن تجتازه، فبالرغم من انتصار الولايات المتحدة في الحرب الباردة فإن هناك أصواتًا من داخل الولايات المتحدة نفسها تنذر من بداية السقوط، وقد يتباهى الأمريكان بأن هذا القرن هو القرن الأمريكي، وأنهم يشعرون بأنهم «متفوقون» لكن آخرين يجدون أن الولايات المتحدة تمر بمأزق من هؤلاء بول كيندي في كتابه: «العالم في القرن ۲۱.. رؤية مستقبلية» فهو يثير التساؤلات حول مستقبل الولايات المتحدة الأمريكية، ذلك البلد الذي يسيطر عليه عمالقة الإعلام وتتبناه التيارات والأفكار من الدفاع عن الإجهاض واللواطة إلى فكرة نهاية التاريخ، ومن قضية اللون إلى التعليم إلى أطفال بلا آباء، وأمهات بلا أزواج، ومن حرية الجسد بلا حدود إلى قضايا التحرش الجنسي التي ترفعها سكرتيرة، لمجرد أن مديرها قال لها: إن ثوبك جميل، كل هذه القضايا وغيرها تناولتها بحوث ودراسات وأجهزة إعلامية مرئية ومسموعة في الولايات المتحدة هذا التناقض العجيب يثير أسئلة حول المأزق الذي تعيشه الولايات المتحدة.
بين القوة والضعف
شرطي العالم الذي يحافظ على «القانون والنظام» والمعادلة الصعبة في الداخل اليوم هناك شرطي واحد في العالم هو الولايات المتحدة الأمريكية، لقد أصبحت كذلك بعد حرب الخليج الثانية، وسقوط الاتحاد السوفيتي كقوة عظمى مقابلة، حيث حققت التفوق العسكري ابتداء من الطائرة الشبح إلى الصواريخ الاستراتيجية إلى أسلحة القتال الليلي المتطورة، وتوظيف الأقمار الصناعية وطائرات الإنذار المبكر، ولهذا فإن ذراع الولايات المتحدة أصبحت طويلة عبر اساطيلها وقواعدها الجوية المنتشرة في كل بقعة هامة في العالم، قواتها موجودة في بحار العالم المهمة «الخليج العربي – المحيط الهندي – البحر المتوسط».
لقد وضعت الولايات المتحدة في سبيل النفوذ والثراء نفسها في مأزق يفرض عليها الالتزام الموثق بالتعهدات تجاه كبريائها ومصالحها، وكذلك تجاه حلفائها هنا وهناك ولضمان أهدافها الاستراتيجية(انسياب البترول وحرية الملاحة في الممرات المائية العالمية) وبصورة مؤكدة فإنها أصبحت شرطي العالم الذي يحافظ على القانون والنظام.
هذا جعلها في المقابل تستنزف اقتصادها المتوالية من الالتزامات، فالولايات المتحدة تنفق سنوياً ٣٠٠ مليار دولار على ميزانية الدفاع وحدها، وبلغ مقدار الدين الوطني تريليونات دولار، وقد وصل عجز الميزانية الأمريكية عام ۱۹۸۹م ۳۰۰ مليار دولار، وفي ضوء تناقص معدلات النمو في الثلث الأخير من القرن العشرين سيؤثر ذلك على موازنتها، ويشكل مأزقًا للإدارة الأمريكية في سد عجز الموازنة والاستدانة من جهات خارجية، حيث تستدين الولايات المتحدة 100 مليار دولار سنويًا.
وبالرغم من أن الولايات المتحدة متفوقة في الإنتاج، وأن بعضًا من كبرى الشركات الأمريكية هي الأولى عالميًا في ميدانها، لكن يقابل ذلك أن قطاع الخدمات في الولايات المتحدة يعتمد على الاستيراد، مما يقلص أهمية التفوق الإنتاجي، وتتعرض كبريات الشركات فيها للمنافسة في السوق العالمية، ولهذا فإن حصة الولايات المتحدة من الإنتاج والتكنولوجيا والأرصدة والقدرة تتناقص تدريجيًا.
وعليه فإنه إذا ما استمر معدل البطء في النمو الاقتصادي فسيصعب على الولايات المتحدة تمويل الاحتياجات العسكرية والاجتماعية وتسديد الديون. وقد تصاب بلدان تعتمد أساسًا على نفوذ الولايات المتحدة هنا وهناك بالإحباط وعدم الثقة، خصوصًا عندما يقلص الكونجرس ميزانيات القوات المسلحة ووزارة الدفاع بعد زوال الخطر السوفييتي، والاهتمام بأمريكا الداخل.
وستصاب الإدارة الأمريكية أيضًا في بداية القرن ۲۱ بتراجعات في مد نفوذها والقيام بواجب شرطي العالم، لأن كلفتها عالية ماليًا واقتصاديًا وسياسيًا وداخليًا. الشرطي أيضًا يواجه مأزقًا داخليًا فهو قادر على أقل تقدير الآن لبسط نفوذه خارجيًا، لكنه غير قادر على احتواء «القش في أحشائه» فإن شرارة ما في يوم ما ستشعل في القش، فالأمريكان يشكلون ٤ – ٥٪ من سكان العالم، يستهلكون 50٪ من الكوكايين المتداول في العالم، حيث ولد ٣٧٥ ألف مولود أمريكي عام ۱۹۸۹م وهم في حالة إدمان الكوكايين أو الهيروين.
أما معدل الجريمة فما زالت الولايات المتحدة لديها أكبر معدل للجريمة عن أي بلد من البلدان المتقدمة، حيث يقتني الأمريكيون حوالي ٦٠ مليون مسدس و۱۲۰ مليون بندقية، ويموت ١٩ ألف قتيل كل عام، ويبلغ معدل القتل أعلى من معدله في أوروبا بأربع أو خمس مرات، ويزيد السلب المسلح بنسبة تتراوح بين (٤–١٠) مرات عن مثيله في أوروبا، ويوجد في السجون أكثر من مليون أمريكي، وهو رقم يشكل نسبة أعلى في نسبة المساجين في جنوب إفريقيا أو الاتحاد السوفييتي، وتؤكد الإحصائيات أن ٤٢٦ من كل مائة ألف أمريكي سبق أن دخلوا السجن، بينما تبلغ هذه النسبة في أستراليا ٧٢ فقط وهولندا ٤٠ ، وفي الاتحاد السوفييتي ٢٦٨.
بيئة الصحة والمرض
في الولايات المتحدة تستهلك الرعاية الصحية ما مقداره ۱۲٪ من الناتج الوطني للولايات المتحدة، أي أكثر من ضعف ما تستهلكه احتياجات الدفاع، ومع ذلك فإن ٣٧ مليون أمريكي لا يتمتعون بالضمان الصحي، ويتزايد أعداد الفقراء الذين يعانون من مشكلات صحية، حيث يولد كثير من الأطفال وهم مصابون بمرض السفلس «الزهري» أو الإيدز، ولهذا فإن الولايات المتحدة تفتقد إلى نظام صحي وطني، وهي تأتي في آخر قائمة الدول من حيث العمر المتوقع للأفراد، وعدد مرات زيارة الطبيب، ووفيات الأطفال، وهو ما يثير الدهشة على حسب ما يزعم بول كيندي، إن مؤسسة «أوكسفام أمريكا» الشهيرة التي تقوم بتقديم العون للبلدان النامية أعلنت عام ۱۹۹۱م أنها ستركز جهودها لأول مرة في تاريخها على الولايات المتحدة إلى جانب البلدان النامية.
ويبدو المستقبل في جانب الرعاية الصحية سيئًا، حيث ستصل أعداد الشيخوخة في المجتمع الأمريكي إلى ٥٢ مليونًا عام ٢٠٢٠، في حين أنها كانت ٣١ مليونًا عام 1991م، ثم ستصل إلى ٦٥ مليونًا عام ۲۰۳۰ ، ولهذا ستزيد شريحة جديدة أعمارها بعد ٧٥ عامًا، وستواجه أمريكا من جراء ذلك مأزقًا اقتصاديًا في توفير الرعاية الشخصية لكل شخص، وستزيد نسبة المتقاعدين ونسبة مطالبات الضمان الاجتماعي، في حين أن معدل سن العمل المنتج سيكون أقل، مما يقلل الناتج القومي، ولهذا قد تلجأ الإدارة الأمريكية إلى تقليل مخصصات الضمان الاجتماعي، أو أن تزيد في شريحة الضرائب أو ان تصمت خشية من الأغنياء أو الفقراء ويزداد العجز في الميزانية.
فقر وغنى وأبيض وأسود ومشكلة النسيج الاجتماعي
مشكلة الغنى والفقر تزداد معدلاتها في الولايات المتحدة وهي متناسبة ما بين البيض والسود في معدل نموها العكسي، فالغنى يزداد عند البيض عن السود، والفقر يزداد يومًا بعد يوم عند السود عنه عند البيض، فالمدراء «يتركز البيض فيهم» يكسبون تسعين ضعفًا أكثر من عمال الصناعة «أكثرهم من السود»، ويكسب 3% من الأمريكان الأفارقة مبلغًا أدنى من خط الفقر، ويعيشون في أكواخ، ونصف الأطفال تحت السادسة يعيشون تحت خط الفقر.
في السجون يقبع ٣ آلاف من كل ١٠ آلاف أمريكي أسود، بينما في جنوب إفريقيا وفي ظل نظام الفصل العنصري «الأباريتيد» سجلت الإحصاءات ۷۲۹ أسود من كل 10 آلاف مواطن.
السود في الولايات المتحدة يشكلون ١٢٪ من سكان إفريقيا بما يعادل نصف المساجين في السجون الأمريكية.
بين التعليم والتخلف
ومأزق آخر، حيث يستثمر الأمريكيون أموالهم بشكل كثيف في التعليم، فقد أنفقوا عام ۱۹۸۹م مبلغ ۳۵۰ مليار دولار على التعليم الخاص والعام، وذلك لدعم ٤٥ مليون طالب مدرسي، إلى جانب ۱۳ مليون طالب في المعاهد والجامعات، وتخصص الولايات المتحدة ٨,٦٪ من ناتجها الوطني للإنفاق على التعليم، فهي الدولة الأولى في العالم في هذا المجال، ويوجد في الولايات المتحدة أفضل أنظمة التعليم العالي في العالم كله.
ويتخرج من جامعات هارفارد ويال ومثيلاتها العلماء ذو السمعة العالمية، والذين يعتمد الاقتصاد الأمريكي عليهم، في نفس الوقت الذي يعاني المجتمع الأمريكي من ضعف في المستوى التعليمي، وهذا يؤثر على اتجاهات الحملات الانتخابية، فالأمريكي قليل الاهتمام بالشؤون الثقافية والخارجية، فهو لا يستطيع -مثلًا- تحديد مكان الخليج العربي على الخارطة، فهو عاجز عن فهم التغييرات التي تحدث في العالم، كما يعاني المجتمع الأمريكي من مأزق خطير، فالطفل يشاهد (٥ آلاف) ساعة تلفازية قبل أن يدخل المدرسة، كما أن عمل المرأة يسبب مشكلة كبرى لیست موجودة في اليابان -كما يدعي بول كيندي- لأن المعلم الأول وهو الأم غائب عن المنزل من أجل العمل، ويركز الطفل اختياره على البرامج الترفيهية وبرامج التسلية بعيدًا عن المقاييس الأخلاقية والانضباط، مما يؤدي إلى ازمة في الثقافة الاجتماعية.
بيرل هاربر جديدة
يقول بول كيندي يصف جون شانسلر الوضع بالكلمات التالية: تحتاج هذه البلاد إلى بيرل هاربر جديدة كي تهتز وتصحو، و«بيرل هاربر هو الميناء الذي دمر اليابانيون فيه الأسطول الأمريكي أثناء الحرب العالمية الثانية»، حيث إن معظم الأمريكيين يشعرون بأن الأمور تتجه نحو الأسوأ لهم و لأولادهم وأحفادهم من حيث النسيج الاجتماعي والعلاقات العرقية والأداء الاقتصادي، وأحوال الأسرة الأمريكية المتوسطة، فهم يطالبون بهجوم شامل ضد النفوذ والجريمة، وينادون بتغيير نظام الضرائب والرعاية الصحية والتعليم والسياسات الاقتصادية وغيرها.
مأزق صراع جماعات الضغط والإصلاحات
في الولايات المتحدة تعتبر عملية الإصلاح عملًا ليس سهلًا في ظل نظام ديمقراطي داخلي، فالرئيس الأمريكي مقيد بالتقسيم الدستوري الذي يقلل صلاحياته في إحداث عمليات تغيير دون الرجوع للكونجرس، إذا أضفنا أن الالتزام الحزبي بسياسات الأحزاب يجعل أيضًا أعضاء الكونجرس أكثر تقيدًا وأقل استقلالية، وتعتبر سياسة تمويل الحملات الانتخابية والتي تعتمد على تبرعات المؤيدين وجماعات الضغط سياسات موجهة لعمليات التقيد الخاصة بجماعات الضغط أكثر منها برامج عمل حزبية هادفة، ويعتبر «اللوبي اليهودي» و «المنظمة الوطنية للبندقية»، وحركات تأييد الإجهاض أو مقاومته، وجماعات المتقاعدين من أكثر الجماعات التي تهاجم مخالفيها من أعضاء الكونجرس، ولهذا لن تستطيع أي إدارة أمريكية علاج عجز الميزانية على حساب المواطن أو تقييد حرية بيع السلاح.
ومع ذلك تبقى أصوات غاضبة في الولايات المتحدة تحيل الصراع إلى الخارج، فهي تارة ترى أن الصراع سيكون مع الاقتصاد الياباني، بينما قال وان كويل «نائب الرئيس السابق جورج بوش» على حد زعم بول كيندي: «لم يبق أمامنا عدو سوى الإسلام».
وستبقى المشكلة والمأزق الأكبر: ماذا يحدث للعالم لو أن الولايات المتحدة سقطت من الداخل كما سقط الاتحاد السوفييتي؟
سؤال لم يجب عليه بول كيندي، ولم يستقرئه في كتابه: «العالم في القرن٢١».
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل