العنوان عن الجريمة في الكويت
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 28-نوفمبر-1972
مشاهدات 82
نشر في العدد 127
نشر في الصفحة 10
الثلاثاء 28-نوفمبر-1972
أسبابها:
التفكك الأسري.
الهجرة الاندفاعية.
ضعف التدين.
عدم الاكتراث بالزواج.
العلاج من الأعماق:
في الأسرة.
في وزارة التربية.
في وزارة الإعلام.
والشؤون الاجتماعية.
يرى الخبير الاجتماعي بمجلس التخطيط بالكويت «الأستاذ همـام الهاشمي» أن نسبة الجرائم لعـام ۱۹۷۲ لم تكن أعلى من نسبتها في العام الماضي ۱۹۷۱، غير إن نوعيتها اختلفت، فبرزت جرائم القتل والاغتصاب، وكان أن أثارت الناس وضخّمت إحساسهم بالجريمة، وأشعرهم بالتهديد الذي يتعرض له أمن المجتمع واستقراره، خصوصًا والمجني عليه، كثيرًا ما يكون طفلًا بريئًا أو امرأة ضعيفة.
ولعل هذا «الإحساس بالتهديد»، هو الدافع لحملة التمشيط التي تجري ضد المتسللين، ومخالفي نظام الإقامة في الآونة الأخيرة، كإجراء وقائي لمقاومة الجريمة البشعة، وقمع أسبابها قبل أن تقع، فيكون ثمن احتمالها باهظًا ومدمرًا.
ولا شك أن هذا الإجراء، يستهدف عنصرًا هامًا من عناصر الجريمة، وهم تلك الفئة اللامنتمية والمتحررة، من ضوابط المجتمع وتقاليده وروادعه، التي يخضع لها باقي المجتمع، وتحكم سلوكه وعلاقاته، إنه إجراء وقائي سليم، ولكنه يمثل مسؤولية جهاز الأمن في مقاومة الجريمة.. فهل مقاومة الجريمة تقع على رجل الأمن وحده أم أن لها خلفيات اجتماعية ونفسية أخرى تخرج بالجريمة أحيانًا من اختصاص وزارة الداخلية وجهاز الأمن إلى مجالات أخرى؟
هنالك مدرستان مختلفتان، في مواجهة قضية الوقاية والعلاج من الجريمة، الأولى ترى أن المجرم، هو ضحية لسلبيات المجتمع وتناقضاته، وأنه يجب أن يعامل كمريض يحتاج إلى علاج، والثانية ترى أن المجرم شخص ملتو وشاذ، ويجب أن يقوّم بالحزم والعقوبة.
والواقع أن النظرة الموضوعية تقتضي التسليم، بأن المجرم قد يكون من النوع الأول، وقد يكون من النوع الثاني في بعض الأحيان.. فالمجتمع المريض لا يمكن أن يفرز أفرادًا أسوياء، والمجتمع السليم لن يكون مسؤولا عن تصرفات فرد شاذ، وإنما يكون مصدر الجريمة هو طبعه المنحرف، وفي هذه الحالة يتحتم على السلطة أن تردعه، لترفع عن المجتمع أضراره وشروره، وهي النظرة التي جاء بها التشريع الإسلامي، حيث عمد إلى تربية المجتمع على القضية والنقاء، حتى إذا ما انعدمت أسباب الجريمة التي يصفها المناخ الاجتماعي، تولى أمر المجرمين الشواذ الذين يجنحون إلى الشر والإجرام، بلا شبهة تدرأ عنهم العقوبة، فأنزل بهم عقابًا صارمًا تمثل في عقوبات الحدود والقصاص وغيرها.
الجريمة والتركيب الاجتماعي
لقد ذكر الأستاذ همام الهاشمي استنادًا على الإحصاءات، أن الجريمة في المجتمع الكويتي تعتبر وافدة، أي جاءت أو تعاظمت مع ازدياد الهجرة إلى الكويت.
ونريد ألا يُفهم من ذلك، أن أعداد المجرمين وفدت إلى الكويت، فوسعت حجم الجريمة ورفعت نسبتها. قد يصح أن أعدادًا من المجرمين جذبتها الحياة الجديدة في الكويت، وأخرتها بممارسة سلوكها في هذا الجو، لكن الحقيقة الرئيسية، هي أن الهجرة خلقت مجتمعًا جديدًا، ساعد على توالد الجريمة بحكم تركيبه وطبيعته، معنى هذا أن الوقاية التي انصبت، وتركزت في مجال تمشيط المتسللين، ومطاردة الوافدين، ينبغي أن تشمل وبصورة أكبر، دراسة التركيب الاجتماعي الذي تفاعل بعد الانفجار البترولي، ومعالجة السلبيات التي اتسم بها تمهيدًا لتطهيرها من الأمراض التي تفرز الجريمة والاضطراب.
وكان المجتمع الكويتي مجتمعًا قرويًا ومثل هذا المجتمع يتسم بصفات اجتماعية وسيكولوجية بارزة أهمها:
ا- الترابط الاجتماعي القائم على نظام الأسرة، وهو نظام متين خصوصًا بعد الخصائص التي منحها الدين الإسلامي للأسرة، وهذا الترابط يجعل الفرد يحس بالانتماء للبلدة، باعتبار أنها موطنه وأهله، كذلك فإن الأسرة تمثل وحدة إنتاجية واقتصادية متكاملة، والفرد فيها جزء من المجموعة.
٢- أهل الريف أكثر تشابهًا واتساقًا من أهل المدينة.. ولا توجد بينهم فوارق طبقية، أو سياسية أو مذهبية ضخمة، ولا توجد بينهم فوارق عنصرية، لذلك فإن ثقافتهم وتقاليدهم منسجمة ومستحكمة، وتسيطر على سلوك الفرد والمجموعة.
٣- يلقى الفرد في المجتمع الريفي اهتمامًا كبيرًا من المجتمع، وعناية لا تشعره أنه في صراع مع المجتمع أو عداوة مع أفراده.
٤- يتميز أهل القرية بالتدين الشديد والزواج المبكر.
٥- تتميز الحياة الاجتماعية في الريف، بالاستقرار والقناعة والرضا، بنفس المهنة أو الطبقة الاجتماعية.
من العسير على الفرد أن يرتكب جرمًا ويهرب وسط المجموعة، في مثل هذا المجتمع تتضاءل الجريمة وتتلاشى.
لكن عندما أخذ المجتمع الكويتي يتطور إلى مجتمع متحضر «من الحضر»، ووفدت عليه عناصر متعددة وطموحة من الخارج، اختل التوازن الاجتماعي الذي كان يحكمه، وتميعت سيطرة القيم الخلقية، التي كانت تضبط كيانه، فظهرت الفوارق الاجتماعية في الطبقة والعنصر الثقافة، وأصبح الناس أغرابًا في المدينة الواحدة، لا يحسون بالانتماء إلى مجتمعها، وفقد الفرد رعاية المجموعة وتعاطفها، وأصبح يحس بالقسوة مكان ذلك، وبالصراع اليومي مع الحياة.
ثم تحللت القيم الدينية الأخلاقية نسبيًا، وحلت مكانها قيم جديدة جاءت بها الحياة الحضرية، التي لم تجد مثالًا حضريًا غير المدنية الغريبة.
فهبطت نسبة الزواج لأسباب متعددة لا مجال لذكرها الآن، كما جاء في إحصاءات مجلس التخطيط، وانتشرت المغريات الجنسية في السينما والمجلات والشارع، ولا شك أن الحاجة الجنسية من أهم الحاجات البشرية، وأن عدم إشباعها أو اضطرابها له خطورته على الشخصية، وأصبحت المدن بإزاء مشكلة اجتماعية خطيرة، من شأنها خلق مشاكل نفسية، تساعد على تكوين شخصيات عصابية بين الشباب.
من هنا انتشرت الجريمة الجنسية، والممارسة الجنسية غير المشروعة جريمة في حد ذاتها، وحينما تصطدم ببعض العقبات المتمثلة في التقاليد أو القانون، فإنها تتطور أحيانا إلى جريمة جنائية بشعة، كالاغتصاب والقتل بعد الاغتصاب.. كما هو الحال في الشهور الأخيرة بالكويت.
أما الإجرام المادي، فهو الطابع الأظهر للإجرام في المدن، ويرجع ذلك إلى أن المدينة تجذب الناس إليها، جريًا وراء العمل وتحسين الظروف المعيشية، ثم لا تعطي كل واحد ما يطلب منها، بالإضافة إلى أن مستوى الحياة فيها مرتفع، ومغرياتها كثيرة ومتعددة، وتحتاج إلى المدد دائمًا، وهو ضمان الحياة الوحيد في المدينة، وإذا كان الفلاح في القرية، أو الراعي في البادية، يقنع بمستوى الكفاف، فإن مواطن المدينة يسعى دائًما وفي طموح إلى الثراء والترف، خصوصًا وهو يرى ظاهرة منتشرة حوله في هذا المحيط، بالإضافة إلى الفوارق الاجتماعية بين الناس، يلجأ بعض الخائبين والمتبطلين إلى السلب والنهب، ليواكبوا حياة المدينة المترفة اللاهبة.
معالجة الجريمة تبدأ بمعالجة المجتمع
من هنا يتضح أن نمو الجريمة في الكويت، لا يمكن بأية حال أن يفصل عن التطور الاجتماعي، الذي يحدث فيها التحول من مجتمع قروي متعارف ومستقر ومتكافل، إلى مجتمع مدني هو خليط من الأغراب وحلبة تنافس متحركة، وعلاقات صراع وتصادم مصالح.. التحول من مجتمع متدين، قائم على الأسرة والقيم الأخلاقية والتراحم، إلى مجتمع متحلل يتخلق بثقافة المدينة الغربية، ويتسم بالفوارق الاجتماعية والتمزق.
إن أية خطوة في سبيل معالجة الجريمة، يجب أن تبدأ بمعالجة المجتمع.. والوقاية من الجريمة يجب أن تفهم في هذا الإطار.
إن جهودنا لمكافحة الجريمة في المدينة، يجب أن تتخطى إجراءات وزارة الداخلية، إلى التربية والتعليم والشؤون الاجتماعية والإعلام.
لقد أشار الخبير الاجتماعي لمجلس التخطيط، إلى أن أسباب الجريمة عندنا، لا تزال محددة -جنسية ومادية- فماذا فعلت الحكومة لحل المشكلة الجنسية والمتمثلة في «العزوف عن الزواج - المثيرات الجنسية الطاغية» ماذا فعلت وزارتا الشؤون الاجتماعية والإعلام في هذا الصدد؟ لا شيء يذكر.. أما مشاكل المواطنين المادية، فلا يبدو أن حلًا جذريًا قد وُجِد.. ومنع ذلك في التقاعس البين إزاء مشكلة الأسعار، ودون محاولة جدية لحل هذه المشاكل، فستبقى عوامل الجريمة -التي حددها خبير مجلس التخطيط- حية وباقية وستبقى الجريمة بالتالي خطرًا قائمًا يهدد أمن المجتمع واستقراره.
كذلك فإن الاهتمام بالتربية الدينية ودعم الأسرة، ومواجهة مشاكل البطالة وشغل أوقات الفراغ، هذه كلها خطوات جديرة بالحفاظ على صحة المجتمع ومعافاته، وبالتالي محاصرة عوامل الإجرام ودوافعه.
الأحداث
أحداث اليوم هم مجرمو الغد.. حسنًا.. ومن المؤسف أن الإحصائيات تدل على أن جرائم الأحداث هي جرائم كويتية أساسًا.. وهذا يعني أن الجريمة بدأت تتولد محليًا.. ولم تعد ظاهرة وافدة فقط.
ومكافحة جرائم الأحداث، أو انحراف الأحداث -بتعبير أدق- هي من أهم وسائل الوقاية، من أجل مستقبل بلا جريمة.
فمن الذي يكافح الانحراف بين الأحداث؟ حتمًا ليس هو جهاز الأمن الذي سيطارد المتسللين، خصوصًا وأن هذه الانحرافات -كما تقول الإحصاءات- ليست وافدة، مرة أخرى يبرز دور الأسرة والمدارس في مجال الوقاية من الجريمة.