; الأخيرة.. العبودية للتاريخ | مجلة المجتمع

العنوان الأخيرة.. العبودية للتاريخ

الكاتب ا. د. عماد الدين خليل

تاريخ النشر الجمعة 20-أبريل-2012

مشاهدات 90

نشر في العدد 1998

نشر في الصفحة 66

الجمعة 20-أبريل-2012

يعاني العديد من أبناء هذه الأمة من مأساة ما يمكن تسميته العبودية للتاريخ، فيصرفون همهم كله باتجاه معاينة أحداث العصر الراشدي من مثل الردة والسقيفة والفتنة والجمل وصفين.. إلخ وينسون المطلب الأشد إلحاحًا وهو أن يكونوا في قلب العصر، قادرين على المشاركة في إعادة صياغة المشروع الحضاري الإسلامي البديل قبالة الفراغ الذي أحدثه تساقط وانهيار المذاهب والعقائد والتجارب الوضعية والدينية المحرفة.

 هنالك الثوابت المتفق عليها في كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ إزاء سيل من المعطيات التاريخية القلقة التي تحتمل الخطأ والصواب... أفنحيل على الظني القلق، ونتجاوز اليقيني الثابت؟ أفنتشبث بالتاريخ ونتجاوز العقيدة والشريعة معا؟ لاسيما إذا تذكرنا أن التاريخ ليس علما منضبطًا Exact Science وإنما هو علم احتمالي، أقصى ما يستطيعه هو مقاربة الحقائق لا مطابقتها.. وإذا أضفنا إلى هذا أن التدوين في تاريخنا جاء متأخرًا عن وقوع الحدث، منطويًا في الوقت نفسه على دور الأهواء والتحزبات والمصالح والخوف من السلطان والطائفية الأمر الذي دفع العديد من المرويات إلى الانزلاق بعيدًا عن مظان الصواب.

 إن القرآن الكريم نفسه يحررنا مرتين من الارتباط الأسر بالتاريخ في آيتين من سورة البقرة، وبالمفردات ذاتها ﴿تِلكَ أَمَةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبت ولَكم مَا كسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٤)﴾ (البقرة)، ولكن الكثيرين منا لا يريدون أن ينتبهوا؛ ذلك أن الأخطاء التاريخية قدرلابد منه. وكل أمة تخطئ مرارًا عبر تاريخها الطويل، لا بل إن خلق العالم والإنسان انطوى منذ اللحظة الأولى على احتمالات الخطأ، تمييزًا له عن عالم الملائكة ﴿وَإِذۡ قَالَ رَبُّكَ لِلۡمَلَـٰۤىِٕكَةِ إِنِّی جَاعِلࣱ فِی ٱلۡأَرۡضِ خَلِیفَةࣰۖ قَالُوۤا۟ أَتَجۡعَلُ فِیهَا مَن یُفۡسِدُ فِیهَا وَیَسۡفِكُ ٱلدِّمَاۤءَ وَنَحۡنُ نُسَبِّحُ بِحَمۡدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَۖ قَالَ إِنِّیۤ أَعۡلَمُ مَا لَا تَعۡلَمُونَ﴾ (البقرة:30).

 فليس المهم هو أن نخطئ أو لا نخطئ كأمة على مستوى التاريخ ولكن المهم هو مساحة البعد الإنساني في تاريخ كل أمة.. وهو في تاريخنا، وبكل المقاييس، أكثر المساحات عمقًا وتجذرًا واتساعًا، فهناك - على سبيل المثال لا الحصر - ظاهرة الفتوحات كحركة تحريرية رفعت شعار الانطلاق إلى العالم لإخراج الإنسان من ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن عبادة العباد إلى عبادة الله وحده.. هذه الحركة التي حملت قدرتها على الاستمرار لمدى قرون طويلة، وتمكنت من التجذر في جل الأماكن التي وصلت إليها، لكي تتفوق - فيما عدا حالات استثنائية لا يقاس عليها - على كل صيغ التآكل والانكماش والفناء التي تعرضت لها سائر محاولات الانتشار والسيطرة في التاريخ البشري. وهناك ظاهرة التعامل مع «الآخر» التي تمثل الوجه الآخر لمسألة الفتح، والتي تحتل أهمية بالغة في اللحظات الراهنة فيما يسمى بالنظام العالمي الجديد، أو الموحد، وإشكالية حقوق الإنسان.. إن السير توماس أرنولد، وهو باحث إنجليزي مسيحي عكف أربعين سنة على تأليف كتابه المعروف «الدعوة إلى الإسلام»، يتابع مفردات انتشار الإسلام وتعامله مع المغلوب على مدى ثلاثة عشر قرنا ونصف القرن، مستمدًا مادته من أدق المصادر والوثائق، وهو يقول في كتابه هذا أشياء كثيرة جدًا فيما نحن بصدده، ولكننا نكتفي - في مقال كهذا باستنتاج واحد قد يكون كفاء القضية كلها.. إنه يقول: إن تاريخ الدعوة الإسلامية لم يسجل منذ لحظاتها الأولى حتى زمن الانتهاء من تأليف الكتاب في الربع الأخير من القرن قبل الماضي، حالة واحدة أكره فيها غير المسلم على اعتناق الإسلام !!... وهناك ما يمكن تسميته بالأممية الإسلامية التي شهدها هذاالتاريخ.. فلقد منحت كل الشعوب والجماعات التي انضوت تحت مظلة هذا الدين فرصتها في الحياة والتحقق والتعبير عن الذات.. لقد كانت فرصة مفتوحة بمعنى الكلمة، سمحت حتى للعبيد والمماليك أن يواصلوا الصعود إلى فوق ويشكلوا دولا، بل إنها مضت لكي تمنح غير المسلمين في بلاد الإسلام حقهم المشروع في المجالين المدني والديني على السواء. 

ثم إن تاريخنا الحضاري صاغ نمطا من المجتمعات لم تشهده ولن تشهده سائر التجارب الاجتماعية الأخرى، ذلك أن تلك المجتمعات ظلت حتى في لحظات الانكسارات السياسية والعسكرية والحضارية أقل المجتمعات إدمانًا للمخدرات، وتعاطيا للحشيش والأفيون وسائر المغيبات الأخرى، وشذوذًا جنسيًا، وهروبًا جماعيًا، ودمارًا أسريًا وإقبالًا على الانتحار.. وتبذلًا وتهتكًا واغتصابًا.. وأقلها في معدلات الجريمة على مستويي النوع والكم، وفي رؤيتها التشاؤمية للحياة ومنظورها العبثي للوجود، والذي يصل أحيانًا حد رفض كل الثوابت والمؤسسات الحضارية والروحية والاجتماعية والدينية في تاريخ الإنسان. 

القرآن الكريم يريدنا أن نعمل في قلب العصر.. في مواجهة التحديات.. ولكننا نؤثر في معظم الأحيان الانسحاب إلى الماضي واجترار الأحزان، ونترك الساحات تخلو للخصوم والأعداء. قد يكون هذا، من بين أسباب كثيرة أخرى، أحد عوامل تفوق الغرب علينا عبر قرون انسحابنا الحضاري.. وما هكذا أراد الإسلام أن نكون.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 127

82

الثلاثاء 28-نوفمبر-1972

عن الجريمة في الكويت

نشر في العدد 1229

99

الثلاثاء 10-ديسمبر-1996

المأزق الأمريكي