العنوان الفرانكفونية لا تقل خطراً عن العولمة الأمريكية
الكاتب المحرر المحلي
تاريخ النشر السبت 28-سبتمبر-2002
مشاهدات 61
نشر في العدد 1520
نشر في الصفحة 9
السبت 28-سبتمبر-2002
تستعد العاصمة اللبنانية بيروت لاستضافة القمة الفرانكفونية التاسعة التي تنعقد تحت شعار «الحوار بين الثقافات».
ولا شك أن انعقاد هذه القمة يوجب علينا استحضار مشاهد التاريخ وإعادة قراءة المخططات والمشاريع الاستعمارية التي عانت منها الأمة والتي تمثل الفرانكفونية واحدة من صورها الحديثة. ورغم ما يروج من شعارات خادعة وبراقة عن الفرانكفونية إلا أنها تظل تجسد أحد أقبح الوجوه الاستعمارية التي تهدد هويتنا وحضارتنا الإسلامية ولغتنا العربية، ولعل ذلك يحتاج منا إلى وقفات متأنية.
فالفرانكفونية على صعيد الفكر والثقافة نموذج من نماذج الاستحواذ الحضاري وغسل المخ الجماعي للمجتمعات بهدف إحداث انقلاب فكري في المجتمعات على المدى الطويل لصالح الثقافة الفرنسية. وتعود بدايات هذا النموذج إلى البعثات التنصيرية التي دفعت بها فرنسا إلى الدول الإفريقية متسترة بالمعونات الإنسانية خلال القرون الماضية.
وإثر انهيار الإمبراطورية الفرنسية في أعقاب الحرب العالمية الثانية تبلورت فكرة الفرانكفونية وأصبحت أكثر إلحاحًا بعد سقوط الاتحاد السوفييتي ثم تنامى الدور الأمريكي لمحاولة الهيمنة على العالم.
والمراقب للأحداث يلحظ بوضوح أن فرنسا تسعى منذ سنوات لمحاولة ترميم إمبراطوريتها السابقة بانتهاج سياسة ثقافية شبه عالمية محورها اللغة الفرنسية كعامل مشترك يجمع بين شتات مستعمراتها السابقة والدول التي انتدبت عليها وتتخذ من تجمع «الفرانكفونية»- الذي أصبح يضم ٥٢ دولة مجموع سكانها ٥٠٠ مليون نسمة- سبيلًا إلى ذلك، وتسعى من خلاله إلى التغلغل التدريجي في صميم الحياة الثقافية والسياسية والاقتصادية، بل والرياضية والفنية للدول.
وقد نجحت فرنسا من خلال الفرانكفونية في صناعة طبقة عربية مثقفة في لبنان والمغرب العربي وغيرها تدين بالولاء والإعجاب بالنموذج الفرنسي، بل إن بعض أبناء هذه الطبقة أعلى من شأن الفرانكفونية موليًا ظهره لهويته، ففي الجزائر مثلًا صنعت فرنسا نخبة عسكرية ومدنية وهي ما يسمى بحزب فرنسا الذي يعلي المصلحة الفرنسية على الانتماء الوطني وهذه النخبة تعد من أكبر القوى المتحكمة في الأزمة الجزائرية. وفي لبنان التي تستضيف القمة المقبلة نلاحظ أن معظم الذين تعاقبوا على رئاسة الجمهورية هم من خريجي كلية القديس يوسف اليسوعية معقل الفرانكفونية في المشرق العربي.
كما تمثل الفرانكفونية أيضًا صورة من صور المواجهة الثقافية والسياسية مع الأنجلوفونية، والعولمة الأمريكية التي تسعى لإحكام الهيمنة على العالم. فالفرنسيون أصيبوا خلال السنوات الماضية بانحسار كبير في نفوذهم لصالح النفوذ الأمريكي في إفريقيا، بل إن لغتهم تقهقرت حتى أصبحت اللغة التاسعة عالميًا وتقدمت عليها اللغة العربية محتلة المرتبة السادسة، وما زالت الفرنسية تواجه تقهقرًا في عالمنا العربي بعد تزايد المطالبة بدعم العربية وإعطائها حقها من الاهتمام لتتبوأ مكانتها التي تستحقها.
وتتدثر الفرانكفونية بهالة من الشعارات البراقة الخادعة مثل: التسامح والحرية وحوار الثقافات والتعددية اللغوية والثقافية، مقدمة نفسها كمشروع إنساني لتحصين العالم- خاصة العربي- من العولمة الأمريكية الساعية للقضاء على ثقافات العالم ومصادرة اقتصاده، لكن من يفتش وراء تلك الشعارات لن يجدها بأقل خطورة من العولمة الأمريكية؛ فتاريخ فرنسا الاستعمارية يكشف عن حقيقتها، وبالتالي فإن تقديم فرنسا نفسها عبر الفرانكفونية على أنها حبل الخلاص الذي لا مناص من التشبث به حتى لا نقع في فخ العولمة الأمريكية إنما هو وهم، ومن يصدقه لا يكون إلا بمثابة من يستجير من الرمضاء بالنار.
لكن الغريب أن يبرز من بيننا نحن العرب من يعلن بجرأة أنه فرنسي أكثر من الفرنسيين، ويتعصب أشد منهم في الترويج لشعارات الفرانكفونية، متناسيًا أن الفرنسي عمد عبر تاريخه إلى تذويب الشعوب التي استعمرها وصهرها في الثقافة الفرنسية وفرض عليها اللغة الفرنسية حتى كادت تذوب في الحالة الفرنسية، في حين تفرض فرنسا حظرًا صارمًا على انتشار الثقافات واللغات الأخرى خاصة الإسلامية على أرضها، فلماذا لا نكون مثلهم ولماذا نفتح أراضينا وديارنا لهم بهذا الشكل؟
إن الحضارة الإسلامية واللغة العربية هما الأولى باهتمامنا. ولعل الكاتب أمين معلوف- أحد أبرز المتعصبين للفرانكفونية- أدرك هذه الحقيقة عندما أعلن أسفه على أن العرب لا يدركون ثراء المخزون الحضاري للغتهم والتي بإمكانهم أن يمنحوها زخمًا سياسيًا وإنسانيًا هائلًا، لا بفضل ٢٥٠ مليون عربي فحسب وإنما بفضل أكثر من مليار مسلم ينتمون روحيًا إليها وينتشرون في أصقاع الأرض.
إن الذين يتحمسون لعقد قمة للفرانكفونية على أرضنا العربية المسلمة ويسعون سعيًا حديثًا لإنجاحها، كان الأولى بهم السعي لعقد قمة تعنى بالحضارة الإسلامية خاصة في هذه الظروف التي يتربص بنا فيها الأعداء للانقضاض على هويتنا وحضارتنا وإحكام الحصار عليها.
ونرجو الله أن يخيب آمالهم وأن يحبط أعمالهم.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل