العنوان العالم عامل
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 09-يونيو-1981
مشاهدات 82
نشر في العدد 532
نشر في الصفحة 49
الثلاثاء 09-يونيو-1981
العالم عامل
طلب هارون الرشيد من أبي يوسف- يعقوب بن إبراهيم «113 - 182هـ»، صاحب الإمام أبي حنيفة رحمه الله أن يضع له كتابًا جامعًا يعمل به في جباية الخراج والعشور والصدقات وغير ذلك مما يجب عليه النظر فيه والعمل به. وإنما أراد بذلك رفع الظلم عن رعيته والصلاح لأمرهم..
ووضع أبو يوسف- رحمه الله- كتابه الفذ «الخراج» الذي يعتبر أقدم وأول كتاب جامع في الشؤون المالية الإسلامية ولاسيما منها ما يتعلق في النفقات والجبايات والأراضي وإصلاحها، وما يتعلق بها من حقوق وواجبات الموظفين والدولة... إلخ.
ولم ينس أبو يوسف أن يُذَكِّر الخليفة بعظم مسؤوليته في أكثر من موضع من الكتاب، فيقول له في المقدمة: «يا أمير المؤمنين، إن الله، وله الحمد، قد قلدك أمرًا عظيمًا، ثوابه أعظم الثواب، وعقابه أشد العقاب، قلدك أمر هذه الأمة فأصبحت وأمسيت وأنت تبني لخلق كثير قد استرعاكهم الله وائتمنك عليهم، وابتلاك بهم، ووَلَّاك أمرهم، وليس يلبث البنيان -إذا أسس على غير التقوى- أن يأتيه الله من القواعد، فيهدمه على من بناه وأعان عليه. فلا تضيعن ما قلدك الله من أمر هذه الأمة والرعية، فإن القوة في العمل بإذن الله».
ويقول له في لهجة المعلم الناصح: «وقد كتبت لك ما أمرت به، وشرحته لك وبينته، فتفقهه وتدبره، وردد قراءته حتى تحفظه، فإني قد اجتهدت لك في ذلك، ولم آلك والمسلمين نصحًا، ابتغاء وجه الله وثوابه وخوف عقابه، وإني لأرجو -إن عملت بما فيه من البيان- أن يوفر الله لك خراجك من غير ظلم مسلم ولا معاهد، ويصلح لك رعيتك، فإن صلاحهم بإقامة الحدود عليهم ورفع الظلم عنهم..».
ويطلب منه توظيف الصالحين الأمناء فيقول: «وقد بلغني أن عمال الخراج يبعثون رجالًا من قبلهم في الصدقات فيظلمون ويعسفون، ويأتون ما لا يحل ولا يسع، وإنما ينبغي أن يتخير للصدقة أهل العفاف والصلاح، فإذا وليتها رجلًا ووجه من قبله من يوثق بدينه وأمانته، أجريت عليهم من الرزق بقدر ما ترى، ولا تجر عليهم ما يستغرق أكثر الصدقة، ولا ينبغي أن يجمع مال الخراج إلى مال الصدقات والعشور، لأن الخراج فيء لجميع المسلمين، والصدقات لمن سمى الله عز وجل في كتابه».
ويطلب منه إقرار العدل والحق فيقول: «إن العدل وإنصاف المظلوم وتجنب الظلم مع ما في ذلك من الأجر، يزيد به الخراج، وتكثر به عمارة البلاد، والبركة مع العدل تكون وهي تفقد مع الجور، والخراج المأخوذ مع الجور تنقص البلاد به وتخرب» .
ويعنف أبو يوسف الجباة الذين يعذبون الناس ويوقفونهم في الشمس ويطلب من الناس عدم طاعتهم، كما يطالب بالتعويض على كل متضرر من تصرفات رجال السلطة مستندًا إلى ما نقل عن عمر رضي الله أنه جاءه رجل فقال: «يا أمير المؤمنين زرعت زرعًا، فمر به جيش من أهل الشام فأفسدوه» فقوده عمر رضي الله عنه عشرة آلاف.
رحم الله أبا يوسف، فكم نحن بحاجة في هذا العصر إلى أمثاله من العلماء العاملين الأقوياء في الحق والعلم الذين عزوا بإيمانهم وعملهم وتقواهم فكانت لهم هيبة وسلطة دونها سلطة الحاكمين والمتنفذين.. وكم هو الفرق شاسع بين أمثال أبي يوسف من علماء الإسلام، وبين علماء السوء الذين يفتون بغير علم أو عن علم ولكن يغيرون الأحكام ويحملون النصوص ما لا تحتمل لتوافق الأهواء وضرورات النفاق..
ورحم الله هارون الرشيد الذي كان يستفتي العلماء ويقربهم ويستمع إلى أقوالهم.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل