العنوان الظاهر والخفي وراء إقصاء مزالي
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 16-سبتمبر-1986
مشاهدات 66
نشر في العدد 783
نشر في الصفحة 18
الثلاثاء 16-سبتمبر-1986
• مزالي حارب مجموعة «وسيلة» بسلاح الفساد فوجه إليه نفس السلاح.
• اعتقد مزالي أن الجميع يتربصون
به فخلق الفراغ حوله.
• مزالي استقدم أصدقاءه وأقاربه لشغل
المناصب الشاغرة.
• تونس
«محمية البنك العالمي»!
تابعت أجهزة الإعلام العربية والعالمية في المدة الأخيرة الأحداث
المتلاحقة في تونس وكان أبرزها إقالة محمد مزالي من منصب رئيس الحكومة وهروبه أخيرًا
متنكرًا عبر الحدود التونسية الجزائرية إلى جهة غير معلومة يغلب على الظن أنها سويسرا
ومازالت الأنظار مشدودة إلى تونس تستشرف ما يستجد من أحداث بعد تولي السيد رشيد صفر
رئاسة الحكومة التونسية، ويروق لبعض السياسيين المتطلعين على سير الأحداث في تونس أن
يلاحظوا أن المدة التي يقضيها رئيس الحكومة التونسية في منصبه في تقاصر على مر السنين
فقد بقي الباهي الأدغم الرجل الثاني بعد بورقيبة في الستينيات خمس عشرة سنة في ذلك
المنصب وبقي الهادي نويرة عشر سنوات وبقي محمد مزالي ست سنوات وشهرين فقط، وبإبداء
هذه الملاحظة يوحي أولئك الساسة بأن السيد رشيد صفر رئيس الحكومة الحالية ربما يختفي
بعد مدة أقصر مما تتوقع ويردفون قائلين إن الرجل ليس سياسيًا محنكًا وليست له طموحات
سياسية وإنما هو رجل تقني اقتصادي أتي به لمهمة صعبة ومستعجلة وهي إنقاذ اقتصاد البلاد
من الانخرام في حين مازال في الساحة من يطمع ويطمح لخلافة بورقيبة فهل ستشمل ظاهرة
تقاصر مدة رئاسة الحكومة التونسية رئيسها الحالي؟ وماذا عساه يحدث لو وقع ذلك؟ ومن
سيكون عندئذ المرشح الجديد لخلافة بورقيبة؟ الأيام وحدها كفيلة بالإجابة على هذه الأسئلة
إنما يمكننا أن تلقي نظرة متفحصة على ما جرى ويجري في الساحة التونسية بحيث يساعدنا
ذلك على فهم تطورات الأحداث مستقبلًا.
- صراعات وتصفية حسابات:
وقام بإعفاء ابنه من منصبه كمستشار للرئيس وحكم على زوج ابنة وسيلة
توفيق الترجمان بالأشغال الشاقة وهو رجل أعمال ومصرفي، وقد اتهم بعدة تهم تمس الاقتصاد
الوطني وزج في السجن كذلك بالسيد بالحاج الرئيس الأسبق للخطوط الجوية التونسية، ومن
المآخذ عليه أن الخطوط الجوية سلمت خلال سنة ثمانين ألف تذكرة بالمجان لمن لا يستحقونها
وسيمثل ابن شقيق وسيلة طارق بن عمار (المنتج السينمائي الذي وقع أخيرًا اتفاقًا مع
الإسرائيلي مناحيم غولان) أمام المحكمة لعدم سداده ديونًا، وفي هذه الأثناء عادت وسيلة
إلى البلاد ولكنها لم تقم في قصر قرطاج وكان الرئيس يزورها في بيت ابنتها نائلة كل
يوم أحد ولم تساعد هذه الزيارات على حل الخلافات، بل كانت تنتهي دائمًا بخصومة أعنف
من سابقتها وهكذا دخلت وسيلة المستشفى ثم طارت إلى أميركا ثم إلى باريس في انفصال غير
معلن وقد هربت أموالًا طائلة تقول الإشاعات إنها تبلغ ما يوازي عجز الميزانية الحالية
أي حوالي 200 مليون دينار تونسي (75 مليون دينار كويتي).
وإذا كان محمد مزالي قد تخلص من وسيلة فقد عاد الصياح بقوة إلى الحكومة
وظهر في محيط الرئيس منافسون جدد أبرزهم منصور الشخيري وزين العابدين بن علي وزير الداخلية،
وإذا كان مزالي قد حارب مجموعة وسيلة بسلاح الفساد فقد وجه منافسوه إليه نفس السلاح
فحتى قبل إقالة مزالي من منصبه بدأت مساءلة نجله مختار المدير العام لشركة «ستيل» وكذلك زوج ابنته الدكتور رفعت الدالي
الذي يدير شركات مختصة في بيع المواد الطبية وقد قتل في حادث سيارة مشبوه زوج شقيقة
زوجته فريد مختار الذي طلب للتحقيق معه وكان يدير بنكًا فلاحيًا، وأخذ خصوم مزالي القدامى
والجدد يضيقون عليه الخناق ويكشفون للرئيس عن أخطائه الكبيرة والصغيرة، ومن أهم المآخذ
التي كانوا يؤاخذونها عليه أنه لم يضع سياسة اقتصادية منسجمة ومخططًا لها وأنه أقصى
كفاءات لا بأس بها كان عليه أن يتعايش معها وبالمقابل أحاط نفسه بفراغ كبير حيث اعتقد
أن الجميع يتربصون به فلم يبق من الوجوه القديمة في الحكومة سوى محمد الصباح وصلاح
الدين بالي والباجي قائد السبسي (وحتى هذا الأخير يعتقد أنه لن يطول به المقام في وزارة
الخارجية) وقد تمكن مزالي منصور معلا وعزوز الأصرم والطاهر بالخوجة وإدريس قيقة وأحمد
بنور ومحمد شاكر والصادق بن جمعة ومحمد الناصر (وكان له دور أيضًا في تنظيم شؤون القصر)
بإبعاد علالة العويتي حامل أختام الرئيس لعشرات السنين والحبيب بورقيبة الابن مستشار
الرئيس فضلًا عن وسيلة بورقيبة سابقًا (وسيلة بنت عمار الآن)، وقد استقدم لملء المناصب
الشاغرة من كل الدرجات أصدقاءه ورفاق شبابه وأقاربه من الكتاب والموظفين حتى الصغار
منهم فالمازري شقير الذي ولاه وزارة الوظيفة العمومية هو أقرب الناس إليه وكان دائمًا
يتبعه من وزارة إلى وزارة وكان يعتبر أكثر من السكرتير الخاص له وكان قبل أن يعزل من
منصبه بصدد تشييد قصر فخم في ضواحي العاصمة لفت الأنظار، ويقال إن تحقيقًا حول كلفته
سيتم عما قريب، ونفس الشيء يقال في وزراء مثل فرج الشاذلي وزير التربية والبشير بن
سلامة وزير الثقافة وعامر غديرة كاتب الدولة للداخلية وسعاد يعقوبي وزيرة الصحة ورضا
حمزة وزير الحماية الاجتماعية فضلًا عن فتحية مزالية (زوجته) وزيرة شؤون العائلة وقد
عزلوا كلهم من مناصبهم الوزارية فيما عرف في تونس بمسلسل الاثنين، لأن بلاغات عزلهم
صدرت كلها يوم الاثنين في خطوات رآها المتتبعون للأحداث في تونس في ذلك الوقت -وعن
حق- تمهيدًا لعزل مزالي، وهو الأمر الذي حدث يوم 8 يوليو 1986م، ولكن هل يصح تفسير
ما حدث بمظاهر الصراع بين المجموعات ومراكز القوى وكأن الأمر لا يعدو أن يكون لعبة
شطرنج تتهاوى فيها القطع؟ الحقيقة أن التطاحن على النفوذ لا يمكن أن يبرر وحده ما حدث
ولم يكن سوى غطاء لما كان يعتمل تحت السطح.
ومن أبرز العوامل التي أدت إلى سقوط مزالي في رأينا تردي الأوضاع
الاقتصادية وكان الأمر يتطلب اتخاذ إجراءات جذرية وفقًا لاختيارات سياسية واقتصادية
واضحة وتبعًا لبرنامج مخطط له وربما لم يكن لا محمد مزالي ولا غيره طليق اليد في اتخاذها،
فعلى إثر ما عرف بحوادث «انتفاضة الخبز» في يناير 1983م وعدول الرئيس عن الزيادات
في أسعار المواد الغذائية كان لابد من إيجاد المبالغ اللازمة لصندوق الدعم الصندوق
الذي يدعم المواد الغذائية الضرورية، وذهب مزالي يطلب العون من فرنسا وقبلت فرنسا مبدأ
المساعدة وأرسلت إعانة مستعجلة تتمثل في كمية من الحبوب إلى تونس ويقال إن فرنسا ألمحت
للحكومة التونسية أنها غير راضية كل الرضا عن السياسة التي تسلكها غير أن هذا الدعم
الفرنسي غير كاف وليس إلا حلًا مؤقتًا.
إن الخطأ الفادح الذي ارتكبته حكومة مزالي هو أنها كانت متفائلة
أكثر مما يجب في وضعها لميزانية 1986م وأنها لم تتخذ الاحتياطات اللازمة للضغوطات الاقتصادية
وحتى السياسة الخارجية، فالتدني السريع لأسعار النفط كان ضربة قاسية للاقتصاد التونسي
(يمثل النفط 42 من الدخل)، ولن تبلغ مداخيل النفط سوى 100 مليون دينار في حين كانت
الحكومة تتوقع أن تكون هذه المداخيل 200 مليون دينار، وكل انخفاض بدولار واحد للبرميل
يجعل تونس تخسر 8 ملايين دينار، أضف إلى ذلك صعوبات تصدير الفوسفات الذي يأتي في المرتبة
الثالثة من حيث التصدير وكذلك تقلص السياحة نظرًا للظروف الراهنة في البحر الأبيض المتوسط
ثم انكماش السوق الأوروبية المشتركة في قبول الصادرات التونسية من المنتجات الفلاحية..
كل ذلك أدى إلى تدهور مدخرات تونس من العملة الصعبة وقد أتى على تونس وقت لم يكن لديها
ما يغطي قيمة أي توريد من الخارج وبما أن المصائب تأتي كلها دفعة واحدة فقد كانت المحاصيل
الزراعية لهذه السنة هزيلة بالمقارنة مع محاصيل السنة الماضية ودون التوقعات بكثير
وهذا معناه أن الحكومة ستجد نفسها مضطرة إلى توريد كميات من الحبوب لم تكن في الحسبان.
وعندما وجد مزالي نفسه في مأزق نقدي رهيب أطلق صيحة إغاثة وقال إن تونس بحاجة إلى جرعة
أكسجين تتمثل في 330 مليون دينار ولكن الجرعة لم تأت واختنق مزالي.
لم تكن تونس وهي تعاني من أزمتها الاقتصادية بعيدة عن التأثيرات
الأجنبية وهناك من يقول إن النظام الاشتراكي في فرنسا حاول زعزعة الاستقرار في تونس
بواسطة عملاء له أرسلهم إلى تونس، وقام بالدور الأكبر في هذه العملية السفير الفرنسي
السابق في تونس أريك رولو الذي طلبت تونس في عهد مزالي ترحيله من البلاد.
وفي وقت من الأوقات طفت على السطح آثار أزمة التدخل الفرنسي في الشؤون
التونسية فنشرت الصحف والمجلات الفرنسية العديد من المقالات رسمت فيها صورة قائمة لتونس
ولمستقبلها وقالت ضمن ما قالته إن الحزب الدستوري الحاكم يعتبر في حكم المنتهي ولعل
الحزب الاشتراكي الفرنسي الذي خرج لتوه من انتخابات تشريعية هزته هزة عنيفة لم يغفر
لمزالي محاولة إيجاد أطراف أخرى يتعامل معها غير فرنسا مثل الاتحاد السوفياتي واليابان
ودول الخليج العربي، وبالفعل فإن مزالي أسند تنفيذ بعض المشاريع الهامة لغير الفرنسيين
الشيء الذي أحدث تذمرًا لدى المصدرين الفرنسيين وقد احتار التونسيون سنة 1983م لما
جاء ميتران إلى تونس يطالب (وفي ذلك الوقت بالذات) بالأرصدة وقيمة العقارات التي تركها
المستعمرون في تونس ولم يعد إلى بلاده خالي الوفاض.
- مهمة البنك العالمي
البلاد التي تفتقر إلى الأموال ترضخ ومن السهل أن نفهم أن الذي يعطي
-خاصة إذا كان البنك العالمي أو صندوق النقد العالمي- يفرض شروطه ويتدخل في الاختيارات
الاقتصادية لمن يعطيه، ويبدو أن هذا الكلام ينطبق على تونس في الوقت الراهن فمنذ مدة
والبنك العالمي يطالب بقبول شروطه حتى يفتح حنفية الدعم وبمجرد ذهاب مزالي وتولي رشيد
صفر الوزارة الأولى حتى جاء قطر البنك الدولي، أليس تخفيض قيمة الدينار التونسي بنسبة
10% (وهو التخفيض الثالث حيث سبق أن خفض الدينار بنسبة 18%) تنفيذًا لتوصيات البنك
العالمي ثم أليس رفع سلسلة من الأسعار وإعادة فتح أبواب التوريد مما اشترطته كذلك الجهاد
الأجنبية.. لقد ذهب بعضهم إلى القول بهذا الصدد: إن تونس صارت «محمية للبنك الدولي»
ولكن هل هناك خيار آخر بيد الوزير الجديد؟