; بين يدي مؤتمرات «حوار الحضارات».. الصراع والحوار بين الأصل والاستثناء | مجلة المجتمع

العنوان بين يدي مؤتمرات «حوار الحضارات».. الصراع والحوار بين الأصل والاستثناء

الكاتب عبدالله بن إبراهيم الطريقي

تاريخ النشر السبت 01-ديسمبر-2001

مشاهدات 83

نشر في العدد 1479

نشر في الصفحة 66

السبت 01-ديسمبر-2001

بين الحين والآخر تعقد مؤتمرات وندوات عن «العلاقة بين الشرق والغرب» أو «حوار الحضارات» ولأهمية الموضوع ما زالت الأقلام والحوارات تتناوله من زواياه المختلفة، ومن خلال رؤى متعددة وطروحات متباينة. وفي شتى هذه الطروحات ترد مصطلحات وألفاظ كثيرة قديمة وحديثة. وهذه المصطلحات نوعان:

  • نوع إسلامي يتحدد من خلال النصوص الواردة بشأنه، أو بتحديد الفقهاء له مثل: الجهاد، الهجرة، الحرب، السلم، الهدنة، الجزية، العقود والمعاهدات، الذمة، الأمان، دار الإسلام، دار الكفر، أهل الكتاب، المشركون، الكفار... إلخ.

ونوع مستحدث مثل: المعاهدات الدولية، الأعراف الدولية، القانون الدولي، الشرق والغرب، العروبة، القومية، غير المسلمين، الأنا والآخر، الصراع، الحوار، التعايش السلمي، الأسرة الدولية، حقوق الإنسان، الحرية، الإخاء، المساواة، الحضارة، الثقافة، الشرق الأوسط.. إلخ.

فأما النوع الأول: فينبغي أن يفهم على حسب وضعه الشرعي أو الفقهي، ولا يجوز تأويله، أو التلاعب به، وفق الأهواء ومقتضيات العصر. وأما النوع الثاني: فإنه ينظر في حقيقة كل مصطلح، فإن كان متفقًا أو متناسقًا مع الألفاظ أو المقاصد الشرعية قبل، وإلا فلا، فهي ليست مرفوضة ابتداء، ولا مقبولة بإطلاق، بل لا بد من تحريرها.

وليس مجال الحديث هنا عن المصطلحات، ولكنها إشارة فرضت نفسها بين يدي الموضوع.
وبما أن موضوع هذه المقالة «الحوار والصراع بين الإسلام والغرب» فلنتوقف مليًّا عند لفظتي «صراع - حوار»: قال الراغب الأصفهاني[1] «المحاورة والحوار: المرادة في الكلام، ومنها التحاور، وقال الله ﴿ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا ﴾(المجادلة: 1)، وإذا كان الحوار مرادة في الكلام فلا بد أن يكون فيه مشادة لحبل العلاقة بين الطرفين، ويؤكد ذلك قوله تعالى في أول الآية: ﴿ قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾(المجادلة: 1)

والمجادلة -وهي اللفظ الثاني الوارد في الآية والمرادف للحوار -هي المفاوضة على سبيل المنازعة، والمغالبة، ومنه الجدال، فكأن المتجادلين يفتل كل واحد الآخر عن رأيه [2]« وأما الصراع فهو مصدر صارع كالمصارعة، وهي المغالبة، لكنها في الأصل تنتهي بالإسقاط على الأرض.[3] وهكذا تظهر العلاقة بين الحوار والصراع، وأن بينهما اشتراكًا في بعض المعاني، وإن كان الحوار يغلب عليه القول، دون الصراع الذي يغلب عليه الفعل.

ومن خلال هذه الإشارات اللغوية لا يظهر التعارض بين اللفظين أو التغاير التام بينهما، بحيث يكون أحدهما قسيم الآخر، ذلك أن الحوار نفسه قد ينطوي على معنى من معاني الصراع، ولنأخذ مثلًا واقعيًّا. فالعلاقة بين ندين «دولتين مثلًا»، ليس وجهها الوحيد هو الحوار فقط، بل إنها تبدأ بينهما بالحوار والمفاهمات، فالمصالحة والمعاهدات، وقد تجمد، وربما توترت العلاقة فنشبت الحرب الإعلامية الباردة، أو تتطور إلى قطع العلاقة، بل إلى التحرشات، ثم الحرب السافرة.

فهي -إذًا- خطوات متعاقبة وخيوط متشابكة، وقد تكتمل هذه الخيوط وقد لا تكتمل وذلك ما يشهد له التاريخ الماضي والحاضر. أما حصر العلاقة بالحوار فهو وقوف عند أول درجات السلم، بل هو افتراض وهمي لا يمكن أن يستمر طويلًا. ثم إن المتأمل في تاريخ العلاقات بين الأمم والدول والديانات قديمها وحديثها ومعاصرها، يدرك دون عناء أن هذه العلاقات تتنازعها الحروب والسلام على الدوام، بل ربما كان التوتر هو الغالب.

فمواقف الأمم من أنبيائها تبرز في صورة المنازعة والمخالفة، والتحدي والتهديد، كما يصورها القرآن الكريم بوضوح. والعلاقة بين الروم وفارس سجلها التاريخ في صورة المنافسة والمحاربة الشديدتين، وأومأ إليها القرآن العزيز في أول سورة الروم ﴿ آلم، غُلِبَتِ الرُّومُ، فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ، فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾(الروم: 1: 4) وكذلك العلاقة بين المسلمين وغيرهم كان طابعها بشكل عام: المنافسة والعزة والمدافعة. نعم تلك حقيقة واقعة، وسنة إلهية كونية، وسببها واضح، هو ديمومة الصراع بين الحق والباطل، ووجود الاختلاف الفكري والديني والسياسي بين البشر مع وجود التنافس بينهم، وميل أكثرهم إلى التسلط والهيمنة.

وصدق الله في قيله: ﴿ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ ﴾ (البقرة: 251) وقيله ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا ﴾(البقرة: 217) وصدق الرسول صلى الله عليه وسلم في قيله: «لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة » رواه مسلم .. لذا... فالقول إن الحوار هو الأصل بين الأمم وأن الصراع استثناء، دعوى ظنية، يعوزها الدليل الشرعي أو التاريخي أو الواقعي.

الرابط المختصر :