; الدين.. والسياسة.. والأحزاب | مجلة المجتمع

العنوان الدين.. والسياسة.. والأحزاب

الكاتب عمر التلمساني

تاريخ النشر الثلاثاء 04-يوليو-1978

مشاهدات 88

نشر في العدد 402

نشر في الصفحة 22

الثلاثاء 04-يوليو-1978

عن مجلة الدعوة المصرية

• سلفنا الصالح لم يعرف هذا الاصطلاح الغريب الشاذ: «الدين والسياسة» كشيئين مختلفين لا يجتمعان

• الإسلام يربط الدنيا بالآخرة ربط الحصاد بالزرع

• الإسلام يمتزج امتزاجًا لا سبيل فيه إلى التحلل في كل تصرفات الفرد والمجتمع

• إن سلفنا الصالح كله، لم يعرف في مجال عباداته ومعاملاته، هذا الاصطلاح العجيب الغريب «الدين والسياسة» على أنهما شيئان مختلفان لا يجتمعان في أي عمل من أعمال الدنيا والآخرة. ولا يعرف ذلك السلف الصالح الفاقه، إلا أن كل شيء من أعمال الدنيا والآخرة لا يقصد به غير وجه الله وحده: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِين﴾ (الأنعام: 161، 162).

• إن حقيقة الإسلام التي تفرد بها دون غيره من الأديان، أنه يربط الدنيا بالآخرة رباط الحصاد بالزرع، فأنت إذا لم تزرع فلن تحصد، فإذا لم تجعل كل شيء في دنياك دينًا، خلت آخرتك من كل شيء. وإذا لم تكن أعمال المسلم كلها في دنياه مطابقة لتعاليم دينه فلن يحظى في آخرته بثواب ولا نعيم، فالذين يفرقون بين أعمال الدنيا كلها، وبين قواعد الدين، إما ضالون وإما مضللون، وكلاهما لا يستمع إليه، ولا يقبل منه، ولا يتلقى عنه. وكما أن الدين جاء ليصلح أحوال الناس، هنا وهناك، فكذلك كل تصرف رشيد يقصد به صالح الناس. ومن هنا فمن العبث بالعقول أن نفرق بين شيئين اتحدت مبانيهما وأهدافهما اتحادًا لا تنفصم عراه بحال.

كان المسلم العامل بقواعد دينه: المتصرف في نطاق هذه التعاليم، إذا باع أو اشترى، يعلم تمام العلم أنه يقيم هذا التصرف الدنيوي على قواعد واضحة من دينه، إن لم يأخذ بها بطل العقد، وأصبح يشعر أنه يقارف حرامًا يعرضه للمسئولية أمام ربه، هذا إن نجا من مؤاخذة الإمام؛ أي أن تصرفه الدنيوي هذا مقيد بتوجيهات الدين من ناحية الحل والحرمة، وبعده عن كل شبهة غير دينية تشكك في سلامته، وإذا دعا مسلم مواطنيه إلى وجوب التمسك بالقواعد الشرعية في التصرفات التعاملية يكون متمسكًا بدينه وداعيًا إليه، أم يكون متدخلًا في السياسة التجارية أو الاقتصادية أو المالية لدولته؟!

• وموقف غير المسلم مع المسلم تنتظمه صور متعددة؛ فهو إما ذمي، وإما معاهد، وإما مستأمن، وإما محارب. وفي كل حالة من هذه الحالات للمسلم تصرف يمليه عليه دينه، فهو يمنع الذمي مما يمنع منه نفسه وماله وولده لا يأخذ منه صحته شابًّا ثم يهمله ضعيفًا أو مريضًا أو عجوزًا؛ ولكنه يعامله بنفس الرعاية والوفاء في كل حالاته. وهو مع المعاهد يلتزم بكل عناصر المعاهدة طوال قيامها، حتى أنه لا يحشد جيوشه ضده ولو قاربت مدة المعاهدة على الانتهاء، بل لا بد أن ينبذ إليه على سواء. وهو مع المستأمن يحميه طوال مدة إقامته على أرضه، مستمتعًا بحقوقه، ومؤديًا لواجباته، وهو مع المحارب أثناء الحرب لا يتعقب فارًّا، ولا يجهز على جريح، ولا يؤذي امرأة ولا غلامًا ولا شيخًا ما دام لا يشهر عليه سلاحًا، ولا يتعرض لكاهن أو قسيس يتعبد في ديره أو صومعته. هو في كل هذا يتصرف مقيدًا بتعاليم دينه، لا يرى في ذلك أنه يتصرف تصرفًا سياسيًّا أو دوليًّا، فهل يحظى المسلمون الذين يقيمون في الحبشة أو الفليبين أو الهند أو غيرها بمثل هذا الأمن في الدول التي يعاملها حكامنا المسلمون على أنها دول صديقة؟!

كان هذا ويجب أن يكون، حالًا ومستقبلًا، شأن المسلم الفاقه لإسلامه في كل تصرف دنيوي أو أخروي.. إذا باع أو اشترى.. إذا أكل أو شرب.. إذا تزوج أو فارق.. إذا حكم أو حكم.. إذا حارب أو سالم.. إذا عاهد أو نابذ.. إذا صالح أو خاصم.. إذا رضي أو غضب.. إذا قضى أو استقضى.. إذا عامل أو عومل، مع نفسه أو أهله أو مجتمعه أو أمته أو أصدقائه أو خصومه أو حكومته أو العالم كله، وإذا تعبد لربه كذلك.

فهل إذا قلنا لملوك العالم الإسلامي كله ورؤسائه وأمرائه: إن هذه الدول التي تفحش في معاملة المسلمين إلى الحد الذي يقشعر ويشمئز منه كل ضمير في الوجود، إذا قلنا لهم: لا تقيموا بينكم وبين هذه الدول علاقات سياسية، ولا تستقبلوا ممثليهم في بلادكم الإسلامية، وهذا أضعف الإيمان، إذا قلنا لهم ذلك يكون قد تدخلنا في السياسات الخارجية لحكوماتنا! أو أننا نتحدث حديثًا دينيًّا محضًا تقرره نصوص القرآن الكريم: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ (البقرة: 194).

من أجل هذا كله لم يعرف السلف الصالح القول بأن الدين شيء، وتصرف الفرد أو الأسرة أو المجتمع أو الأمة أو الشعوب، في الإدارة أو القضاء أو التجارة أو أي تصرف غير ذلك، هو شيء آخر.. وهذا عمر بن الخطاب يقول في وضوح كامل: «من لم يتفقه لا يتجر في سوقنا» بالمعنى الدقيق الذي يعرفه التقنين الحديث في التجارة والتاجر والاتجار كحرفة.

ولكن.. ولكن لما ضعفت صلة المسلمين بدينهم، وتراخت قبضتهم في التمسك به، واشتغلوا بدراسة التافه من الآراء، وأعجبوا بالباهت من النظريات، وتمادوا في تقليد خصوم دينهم الأقوياء، ووكلوا أنفسهم إليهم، وتملقوا الطغاة والعاتين، عرفت الدول غير المسلمة كيف توحي إليهم، وتدخل في أذهانهم فكرة التفرقة بين الدين والسياسة، لما حصل كل هذا زين لهم أعداء دينهم هذه النغمة المنحرفة معنى، والغريبة مبنى، والممجوجة فهمًا، والمستنكرة دينًا.. فكرة التفرقة بين الدين والسياسة، مع أن حقيقة الإسلام دين ودولة، مصحف وسيف، عدل وقوة، كمال وعزة، هداية وإرشاد، وتقويم وحدود وتقريرات، ودنيا وأخرى معًا.

• إن الدول المسيحية كانت صاحبة عذر واضح عندما لجأت إلى التفرقة بين الدين والسياسة، عندما طغا الباباوات على الملوك، واستغلوا مكانتهم الروحية في كسب المغانم الدنيوية، والحيلولة بين العباد وبين ربهم إلا عن طريق صكوك الغفران وغيرها، مما أنكره عليهم حتى المتفتحون من المسيحيين كمارتن لوثر وكلفن وغيرهما. وليس في الإسلام شيء من هذا على الإطلاق؛ فرجل الدين مسلم، وكل مسلم رجل دين، ليس له أبدًا أن يفرض رأيه على مسلم، حاكمًا أو محكومًا، إلا نصيحة يداوم عليها، ويموت في سبيلها، يرد الحاكم والمحكوم إلى الحق بالآية والحديث، في جرأة ورجولة وحكمة وحسن موعظة، معلنًا أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. أما أن يفرض المسلم رأيه، وزيرًا كان أو واليًا أو موجهًا، عن غير ما يأمر به الله لهذا أبعد الأشياء عن حقوقه؛ ذلك لأن نبي هذه الدعوة عليه الصلاة والسلام كان مبلغًا فقط: ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ (الشورى: 48) ولم يكن له على أحد سيطرة في الإرغام على عقيدة: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ (الغاشية: 22).

فالعقيدة الإسلامية عنصر يمتزج امتزاجًا لا سبيل فيه إلى التحلل أو التميع في تصرف المرء مع نفسه حتى يكون فردًا سويًّا، ومع مجتمعه حتى يكون مجتمعًا فاضلًا، ومع أمته حتى تكون خير أمة أخرجت للناس، ومع حكومته حتى تكون حكومة العدل والإنصاف، ومع العالم كله حتى يكون عالمًا متعاونًا على البر والتقوى والسلام، ومع ربه حتى يفضي إلى آخرة سعيدة هانئة.. كل ذلك لنعلم جميعًا شيبًا وشبانًا، رجالًا ونساءً، أي نظام وأي أمن وأي سعادة يكفلها لنا هذا الدين العظيم.

قد تحتاج دول العالم كلها إلى برامج مرحلية، أو مناهج زمنية، تغيرها الحين بعد الحين، عندما يظهر قصورها أو تقصيرها، وهذا أمر بدهي فيما بينهم؛ لأن هذه المناهج من صنع البشر، ولن يستطيع البشر أن يأتي بكمال، فالكمال لله وحده الذي أتقن كل شيء؛ ولكن نحن المسلمين قاطبة، لسنا في حاجة بالمرة إلى برامج أو مناهج، منشأة ابتداء، فالكتاب الكريم حوى كل ما ينفع الإنسان في دنياه وآخرته، من يوم أن نزل على سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام إلى أن يصير العالم كله إلى زوال، والسنة المطهرة مبينة وموضحة، والفقه الإسلامي شارح ومفصل لكل ما يغمض إدراكه، أو يدق فهمه، وكل ما يحتاجه المسلمون اليوم أن يتولى فقهاؤهم التبويب والترتيب حتى يسهل التناول، ويتضح الإعلام.

لقد جرب خصوم الإسلام كل وسائل العنف لصرف المسلمين عن دينهم.. تنكيل وتعذيب وقتل وتشريد، فلم يفلحوا مع المؤمنين، فماذا عليهم لو جربوا مرة واحدة الأخذ بتعاليم هذا الإسلام، ولو على سبيل التجربة والاختبار. لو أن هذا الدين اقتصر على ناحية واحدة من نواحي الإصلاح، لقلنا: إن قصوره دعا إلى اجتنابه، أما وهو دين لم يغادر صغيرة ولا كبيرة من شئون الآدمي إلا وتعرض لها بالدواء الشافي من كل أدوائها، فلماذا هذا الإعراض؟ ولماذا هذا العداء؟!

إن العالم كله على مختلف ملله ونحله يتعصب ضد الإسلام، فهو محارب في كل مكان، حتى في عقر داره، في حين أن الإسلام لا يتعصب ضد أحد أبدًا. ولا شك أن هذه الظاهرة النبيلة، ما تأسست في هذا الدين إلا لأنه جاء منظمًا لكل أمور الدنيا والآخرة، بحيث لا يستطيع أن يفصل بين الدين وبين حركة يتحركها الإنسان في هذا الوجود.

إنني هنا لا أضع برنامجًا، ولا أقترح حلولًا، ولكنني أعرض حقائق مقررة، لا ينكرها إلا جاحد أو حائد، فمن ظل على باطله من وجوب فصل الدين عن أي لون من ألوان التحرك في هذه الحياة، فقد جهل كل الجهل أن الله سبحانه قد أكمل للمسلمين دينهم، بحيث لا يحتاجون إذا تمسكوا به إلى أي نظام آخر، كما أنه سبحانه أتم عليهم نعمته، بأن رضي لهم الإسلام دينًا، فهم إن لم يطبقوه في كل أوضاع حياتهم، دنيوية أو أخروية، فقد تنكروا للفضل وجحدوا النعمة، وما ذلك شأن العاقلين المتفكرين.

إن المسلم لا يعرف أن الدين لله والوطن للجميع، ولكنه يعرف أن كل شيء في هذا الوجود لله، فمن أراد أن يصرفه عن هذا المعنى فهو مخادع يريد أن يصرفه عن مكمن القوة ليسهل عليه ابتلاعه. إن المسلم لا يعرف ما لله لله وما لقيصر لقيصر؛ لأنه يؤمن كل الإيمان بأن قيصر لا شيء له مع الله وإلا كان شريكًا له في ملكه، والمسلم ينكر الشرك بكل صوره.

لا أدعي أنني جئت بجديد، ولا أزعم أنني استقصيت ما يجب أن يقال في هذا المجال، فذلك شأن بعيد، يقصر عنه الجهد ولا تطيقه قدرتي، ولكنني أضع معالم، وأترجم عن مشاعر، وأرفع مؤشرات، إن صحت -وهي صحيحة كلها- أخذ بها الأكرمون، وإن قصرت دعمها الأعلمون الأفضلون.

دين كامل شامل، واف شاف، مجمل مفصل: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ (الأنعام: 38)، فأوفوا أيها المسلمون ببيعكم الذي بايعتم به، واعلموا علم اليقين القاطع أن دينكم لا يعرف شيئًا اسمه الدين وشيئًا اسمه السياسة، ولكنه الدين الذي ينظم حياة البشرية من جميع نواحيها في كل بقاع الأرض، فمن شاء فليأخذ ومن شاء فليدع، ويوم الدينونة الكبرى ﴿تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (البقرة: 281).

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 6

636

الثلاثاء 21-أبريل-1970

الحركة الإسلامية في الهند

نشر في العدد 11

213

الثلاثاء 26-مايو-1970

مناقشات حول الحركة الإسلامية