; الشيطان في اليمن السعيد | مجلة المجتمع

العنوان الشيطان في اليمن السعيد

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر الثلاثاء 17-مايو-1994

مشاهدات 90

نشر في العدد 1100

نشر في الصفحة 37

الثلاثاء 17-مايو-1994

اغتيال اليمن.. حين تضيع الحكمة وتغيب الشعوب خلف أقنعة الرعونة

حيث لا غاية ولا هدف ولا تقدير للعواقب تقوم حرب ضروس تأكل الأخضر واليابس في اليمن، هل يستطيع الإنسان المسلم أو الملحد أن يجد تفسيراً أو تعليلاً لهذه الحرب يخرج الإنسان من غضب الله ونقمته، أو من لعنة الأمة وإدانتها، أو من محاسبة التاريخ وتجريمه؟

إن اغتيال اليمن أو أي شعب مسلم في هذا الوقت لهو الداهية والكارثة التي تتسارع بالأمة إلى مصيرها المؤلم، ومعذرة أيها الشعب اليمني التعيس (السعيد) ومثلي ليس يعتذر، ما لي يد فيما جرى فالأمر ما قدروا.. فليس لي يدان وليس لي أسلحة، وليس لي ميدان، كل الذي أملكه لسان، والنطق يا سيدي أسعاره باهظة، والموت بالمجان، لكننا ننطق وإن كان ما كان.

فالحرب عند الجاهلين أغنية يجن بلحنها سفاح، والسلم حزين يندب بلا وتر مثخن الجراح، وأقداح الأنخاب هنا وهناك يعيش فوقها الغدر، وموائد مكتظة يتساقط عندها الهذر وحظائر ممتدة يتصايح حولها البقر، وولاة الأمر والأمر لهم هم رجال المسرحية كلهم راعٍ ومسؤول عن التفريط في حق الرعية، وعن الإرهاب والكبت وتقطيع أيادي شعب من أجل بهية، كلكم يا قوم، وجوهكم يا قوم أقنعة بالغة العفونة، طلاؤها حصافة وقعرها رعونة، صفق إبليس لها مندهشاً وباعها فنونه.

وإذا كان لنا أن نتكلم في مشكلة اليمن فإننا بعد رصد لظواهر عدة في مجتمعنا يجب أن نقرر ما يلي:

1. تغييب الشعوب عن المصير

دور الشعوب في القضايا المصيرية مغيب تماماً، فلا هو في العير ولا في النفير، بعيد عن القضايا المصيرية وعن غير المصيرية، يختار له ويقرر له ويتكلم باسمه، وينحصر دوره الأساسي في تحمل النكبات والدواهي، وتحقيق شهوات وطموحات قلة مراهقة ومغامرة، لا تتصف بأدنى درجات الإخلاص والوفاء والمسؤولية إلا من رحم ربك. فهل سمعت عن دور للشعوب؟ وهل ينتظر أن تسمع في القريب العاجل عن معارضة أو حتى احتجاج على تلك الكوارث والفواجع فضلاً عن محاسبة أو مؤاخذة أو محاكمة ولو كانت القتلى بالآلاف والخسارة للشعوب الجائعة بالمليارات.

2. أزمة القيادة والواقع

القيادات تحتاج إلى كثير من الحنكة والصبر والتعود على حل المعضلات وفهم الواقع ودراسة الأوضاع العالمية، ولا أظن أن الأمة العربية والإسلامية عقمت وغاض مجتمعها فأصبحت قفراً يباباً من هذه القيادات، ولكن ما هو السبيل إلى إخراجها إلى حيز الوجود؟ هذه هي المشكلة، فهل يُسمح لها داخلياً وخارجياً بهذا، أم يراد لها غير ذلك حتى تعيش البلاد والعباد في دوامة الصراع، فلا تقدم ولا استقرار ولا حفاظ على موارد، والحقيقة هذه كارثة يجب أن تلتفت الأمة إليها.

3. تشرذم الهويات والمصادمات

الاتجاهات المتباينة في الشعب والتي قسمت الأمة إلى هويات، وصاحب ذلك تشنجات فكرية ومصادمات حزبية لم تستطع للآن أن تجد أسلوباً للتفاهم أو التعايش أو الالتقاء على مصالح للأمة مشتركة تقودها إلى الازدهار والرفعة والريادة، كما لم تستطع تلك الهويات أن تلمس أعماق الشعب المسلم أو تحركه بل صادمته في أعز ما يملك وهي عقيدته ومنهج حياته، فتربص الشعب بأصحاب تلك الهويات وتربصوا هم به وذبح كل صاحبه، وكانت معركة دائمة إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولاً.

4. مطابخ المؤامرات والتبعية

أعداء متربصون في داخل الأمة وخارجها، ومطابخ المؤامرات تعمل ليل نهار وتعد الوجبات لكل الظروف والأحوال والأحيان، وقد سمعنا وسمع غيرنا من زمن عن مطبخ من تلك المطابخ يجهد نفسه ويجمع الطهاة من كل حدب وصوب ليعد لليمن وجبة ساخنة تليق به معتمدًا على بعض من رجاله غير الموفقين، وقد أكل اليمن الطبخة حتى الثمالة وصال فيه وجال بعض المفسدين الذين رضوا أن يكونوا نعالاً تلبسها بعض القوى المعينة ثم تخلعها، كما خلعتها قوى أخرى قبل ذلك ولم تعتبر تلك الأحذية قبل أو بعد، ولله الأمر من قبل ومن بعد ولكن هل يمكن أن تبتعد اللعنات العربية عن هذا الشعب المسلم، وأن يُترك وشأنه ونقدم له النصح والإرشاد، وكفى الله المؤمنين القتال.

5. صراع السلطة بعيداً عن "مشجب الإرهاب"

نحمد الله الذي لا يحمد على مكروه سواه أن النزاع سلطوي وحزبي ولم يسند إلى مشجب الإرهاب أو شماعة الجماعات الإسلامية أو إلى مناهج الدراسة في المدارس أو إلى بعض آيات القرآن الكريم أو الأحاديث النبوية الشريفة أو حتى إلى طبيعة التعليم في اليمن، فلم يكن كبش الفداء إسلامياً هذه المرة، وإنما الحقيقة التي لا تخفى على أحد أن الدور الشيوعي وفلوله من بعده كان له سابقة دموية في اليمن راح ضحيتها في عدن 4000 قتيل في يومين أو ثلاثة وصفى بعضهم بعضاً في مذبحة مروعة لم يتدخل فيها أحد بالطبع وكان دافعها المصالح الشخصية والزعامات المتناحرة على الكراسي المتناثرة وبليت الأمة بهذا الصنف وغيره من المغامرين بلاءً كبيراً فضاع مجدها وانهدم ركنها.


تراميتم فقال الناس قوم ** إلى الخذلان أمرهم ترامى

وسسنا الأمر حين خلا إلينا ** بأهواء النفوس فما استقاما

إذا التصريح كان براح كفر ** فَلِمْ جن الرجال به غراما

وما أدري غداة سقيتمونا ** أترياقاً سقيتم أم سماما

شهيد الحق قم تره يتيماً ** بأرض ضيعت فيها اليتامى


وبعد فهل تخرج شياطين الإنس والجن الذين يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً من اليمن، لأن الإيمان يمانٍ والحكمة يمانية؟ نسأل الله ذلك.

 

الرابط المختصر :