; الشباب في مواجهة التحديات | مجلة المجتمع

العنوان الشباب في مواجهة التحديات

الكاتب د. مسفر بن علي القحطاني

تاريخ النشر الثلاثاء 09-سبتمبر-1997

مشاهدات 57

نشر في العدد 1266

نشر في الصفحة 56

الثلاثاء 09-سبتمبر-1997

الحديث عن الشباب يتعلق بأكثر من ٥٠٪ من جسد الأمة، فالإحصاءات تدل على أن نسبة الشباب في امتنا العربية والإسلامية الذين هم دون العشرين عامًا تزيد على الخمسين بالمائة، وأن الأعداد المطلقة للامة العربية مع نهاية القرن العشرين ستزيد على المائتي مليون نسمة، كما ستزيد الأمة الإسلامية على الألف مليون نسمة، فالحديث عن الشباب إذن مرتبط بمستقبل أمتنا العربية والإسلامية، لأن أطفال اليوم هم شباب الغد ورجال المستقبل والتخطيط لمستقبل الأمة مرتبط بحسن إعداد شبابها وحل مشكلاتهم([1])

والشباب في كل أمة هم ثروتها، وعدة مستقبلها، ولقد كان للشباب في الأمة الإسلامية تاريخ حافل ودور عظيم في حمل الدعوة الإسلامية وصنع الحضارة الإسلامية وقيادة الجيوش المظفرة في سبيل الله، فهؤلاء أصحاب رسول الله r صرخوا في وجه الوثنية بشهادة التوحيد وخاضوا ضد تيار الجاهلية العاني بثقة وعزم ولم يتجاوز أكثرهم سن الشباب. 

ولقد كان علي بن أبي طالب عندما أسلم في الثامنة من عمره، وكانت أسماء بنت أبي بكر عندما أسلمت في العاشرة من عمرها، وأسلم عمر بن الخطاب وهو في حدود العشرين وطلحة ابن عبيد الله وهو ابن إحدى عشرة سنة. ومسعود بن ربيعة وهو ابن سبع عشرة سنة، وجعفر بن أبي طالب وهو ابن ثماني عشرة سنة، وعثمان بن عفان وهو ابن عشرين سنة.. وغيرهم من الصحابة كثير 

فالشباب في الإسلام طاقة لا تقدر بثمن. والتحديات التي تعترض شباب اليوم في عالمنا الإسلامي بعضها قديم يستمر باستمرار الإنسان في الحياة، وبعضها استجد في عصرنا الحاضر مع ارتباطه الوثيق بالأعداء الدائمين.

هي والتحديات المعاصرة التي تواجه الشباب اليوم امتداد للتحدي القديم الذي أعلنه حزب الشيطان على الأمة الإسلامية وفي أعز ما تملك. 

وقد جرب الأعداء قهر الأمة بالسيف والسنان فلم يجدوا لذلك سبيلًا وربما زاد الأمة إيمانا وتماسكا وقوة ولكنهم استبدلوا ذلك بمحاربة أفكارها ومبادئها وعقيدتها وهدم أخلاق شبابها ولعلهم في ذلك قد حققوا بعضًا من أهدافهم الخبيثة عندما ألبسوها ثياب التقدم والتحضر وأخضعنا لها رقابنا في ذلة وخضوع، وإليكم بعض التحديات المعاصرة التي يواجهها الشباب في وقتنا الحاضر

أولًا: التحدي الإعلامي

جاء في البروتوكول الخامس الأدب والصحافة هما أعظم قوتين تعليميتين خطيرتين ولهذا السبب ستشتري حكومتنا العدد الأكبر منها... وبهذه الوسيلة سنعطل التأثير السيئ لكل صحيفة مستقلة، ونظفر بسلطان كبير جدا على العقل الإنساني.. يجب علينا أن نتسلط على حكومات غير اليهود بما يقال له الرأي العام. متوسلين بأعظم القوى جميعا وهي الصحافة وإنها جميعًا لفي أيدينا إلا القليل الذي لا نفوذ له ولا قيمة يعتد بها([2])

والواقع المعاصر للصحف والمجلات لا يهتم إلا بذكر ما يهوى إليه الشباب من أخبار الفن والرياضة التي بدأت تنتشر لتحل محل مجلات الثقافة والدين والأدب العفيف، وأما واقع الكتب العلمية والثقافية فبدأ يقل ويضمحل لتحل محله ثقافة المجلات والجرائد الخالية من القيم والمبادئ ويكفي أن نعلم أن ۷۲ من خريجي إحدى الجامعات العربية لم يستعيروا كتابًا واحدًا من مكتبة الجامعة طوال حياتهم الجامعية([3])

أضف إلى هذا الركام الإعلامي ما يبث عبر الشاشة الصغيرة من أفلام خليعة ومسلسلات ساقطة تدور حول أهداف محددة لا تخرج فيها عن إشاعة الرذيلة أو الجريمة أو العنف.

إن البرامج في الإعلام المرئي من قنوات فضائية أو غير فضائية هي صناعة غربية تقدم إلينا، وقد بلغت نسبة البرامج الأمريكية المستوردة المنطقة الخليج ٦٢ و٨١٪ من مجموع البرامج الأجنبية المستوردة من الدول الأجنبية الأخرى([4]).

علمًا بأن البرلمان الأوروبي قد فرض قيودًا شديدة على الأفلام الأمريكية وبخاصة أفلام هوليوود لما يعرض فيها من ثقافات وقيم([5]) ويقدر عدد ساعات البث في المنطقة العربية بنحو ٢٥٠ ألف ساعة سنويًا ٧٠٪ تأتي من خارج المنطقة([6]).

وتذكر الإحصائيات أن ما يراه المشاهد العادي للتلفزيون الأمريكي من مشاهد توحي وتغري بالعملية الجنسية يصل إلى أكثر من (۹۰۰۰) مشهد سنويًا([7]) ولا شك أن بعض هذه المشاهد قد يؤدي إلى تفجير الغرائز إن لم يكن التعود على رؤية المنكرات وموت الغيرة 

ولذلك أصبح الإغتصاب في أمريكا يحتل المرتبة الثانية من حيث خطورته في المجتمع، فنسبة ٢٠٪ من الأمريكيات تعرضن للاغتصاب و۱۰٪ من أطفال أمريكا يتعرضون للاعتداء الجنسي كل. عام مع وفرة دور البغاء وبنظرة أخرى إلى جانب من جوانب المعركة الشرسة التي يخوضها أعداؤنا ضد شبابنا انتشار جهاز الفيديو في دول الخليج العربي حيث يوجد بها حوالي خمسة ملايين جهاز فيديو في حين أن هذا العدد من أجهزة الفيديو لا.يوجد في كل من فرنسا وبلجيكا وبريطانيا مجتمعين، ناهيك عن الانحرافات الخطيرة في استعماله.

وفي الآونة الأخيرة لا يمثل جهاز الفيديو شيئًا أمام ما يعرض عن طريق البث الفضائي طوال ساعات اليوم والليلة من تركيز شديد في إثارة. الغرائز والإغراء بالرذائل... حتى الأخبار والبرامج العلمية لا تخلو من تلك العروض الساقطة، إنه تحد سافر يتم تسليطه على شباب الأمة ولا يورث إلا الانهيار والدمار لهذه الأمة في بنيتها الأساسية.

ثانيًا: التحدي الفكري

الثقافة إن الغزو الحضاري الغربي للدول الإسلامية. ورث نوعًا من الانبهار بالتقدم الذي عليه الغرب. فلم يعد هناك تميز لما يناسب الاستفادة منه وما لا يناسب ولم يقف الأعداء عند هذا الحد، بل سعوا جادين إلى تدمير الشباب فكريًا ومحو الإسلامية والوطنية من عقولهم([8]) بغزوهم بالأفكار الغربية والمبادئ الديمقراطية التي لا تحترم دينا أو شريعة، ولذلك جاء في البروتوكول الثاني لليهود: لقد أتلفنا الجيل الحاضر من غير اليهود. وأفسدنا خلقه بتلقينه المبادئ والنظريات التي نعلم أنها مبادئ ونظريات فاسدة، وعملنا على ترسيخها في ذهنه([9])، فأصبح الشباب يتنكرون للتراث ويرون ذلك رجعية وجمودا ويرون أن التقدم والتحضر هو في قبول كل فكر مستورد من خلف البحار أو من وراء السهوب([10])

وساعد على انتشار هذا الغزو ازدواجية التعليم: هذا تعليم ديني مهمل، وهذا تعليم مدني أو تكنولوجي متطور، حتى اتسعت الهوة بين الفريقين ونظر إلى الإسلام على أنه غير قادر على مواكبة التقدم العلمي والحضاري وحينئذ تم الفصل بين الدين والدولة([11])

وبالتالي وجدت بعض الأفكار الغربية مرتعا خصبًا في عقول الشباب أخذت طريقها إليهم عبر الحداثة في الأدب التي خرجت عن حدود الدين والأدب، أو عبر الأفكار القومية التي نزعت عقيدة الولاء والبراء من القلوب أو عبر الأفكار الشيوعية التي كسد سوقها في العالم إلا في بعض البلاد العربية.

ثالثًا: التحدي النفسي

إن الشباب يعيش في عصرنا الحاضر تحديا نفسيا جعل منه لبنة ملقاة في الأرض لا يتخذ له موقعا في بناء الأمة وهمش معنويًّا ليقتل ما بقي فيه من همة أو طموح. 

ولعل من مظاهر هذا التحدي النفسي الذي يعاني منه بعض الشباب الازدواج والتناقض في التعليم وفي التربية وفي طرح الأفكار والقيم([12])

وزاد غياب القدوة التي يحب أن يراها الشباب أمامه في تأزم هذه المشكلة، مما أورث اليأس والقنوط بما يسمع أو يقرأ من مبادئ وقيم. ومن مظاهر هذا التحدي النفسي الذي يعانيه الشباب قتل روح الإبداع لديه، أي لا يجد ما يعينه لتقديم ابتكارات وأفكار جديدة ولا يحس فرقًا بين أن يجتهد أو لا يجتهد أو يبدع ويبتكر أو لا، فالأمر أصبح عنده سواء، وبخاصة إذا علمنا أن الدول العربية لا تنفق أكثر من واحد في الألف من دخلها القومي على البحث والتطوير([13])

أضف إلى هذا كثرة الحواجز النفسية التي توضع أمام الشباب كالخوف من الفشل وعدم الاعتداد بالنفس والخوف من النقد وافتعال الروتين الممل الذي يقتل حماسه ويطفئ نشاطه ويعرضه للبطالة التي أصبحت شبحًا يهدد مستقبل الشباب فقد بلغ تعداد العاطلين في العالم العربي ١١ مليون عامل مع ما يراه الشباب من تآمر الأعداء وتناحر المسلمين وفشل كثير من المصلحين داعيًا للقنوط واليأس... لكن ما علم أنه عند حلكة الظلام ينبثق الفجر

 

الهوامش

(1) مشكلات الشباب .د. إسحاق الفرحان ص ۷ ط . دار الفرقان

(2) العالم الإسلامي والمكائد الدولية فتحي يكن ص ٧٩ الرسالة (ط - ١ ١٤٠١هـ.

(3) الطرق الجامعة للقراءة النافعة لمحمد حسن عقيل ص ۲۰ دار الأندلس الخضراء (ط – 2) ١٤١٦هـ.

(4) مسؤولية الأب المسلم في تربية الولد عدنان باحارث ص ٤٨٦ دار المجتمع ط . ١٤١٧

(5) مجلة الأسرة شعبان ١٤١٧هـ . ص ٢٤

(6) جريدة الاقتصادية عدد يوم الأربعاء 3/١١/١٤١٧هـ

(7) مسؤولية الأب المسلم في تربية الولد عدنان باحارث ص ٤٨٦

(8) انظر من أجل انطلاقة حضارية شاملة د. بكار ص ١٦٢ دار المسلم ط1. ١٤١٥هـ.

(9) العالم الإسلامي والمكائد الدولية: د فتحي يكن ص ٨٠ مؤسسة الرسالة ط . ٣ - ١٤٠٣هـ.

(10) مشكلات الشباب د. إسحاق الفرحان ص ٤١ - ٤٢ دار الفرقان

(11) انظر أسباب ضعف الأمة د. الوكيل ص ۲۹۲

(12) انظر الإسلام ومشكلات الشباب د البوطي ص ۳۸. ۳۹ ط . ٣ مكتبة الفارابي

(13) مجلة الإصلاح ٣٩٤، 14/3/١٩٩٧م.

 

الرابط المختصر :