; السودان هل تصلح الخوذة ما أفسدته الطائفية؟ | مجلة المجتمع

العنوان السودان هل تصلح الخوذة ما أفسدته الطائفية؟

الكاتب عبيد الأمين

تاريخ النشر الثلاثاء 11-يوليو-1989

مشاهدات 72

نشر في العدد 924

نشر في الصفحة 18

الثلاثاء 11-يوليو-1989

إن قيام ثورة العسكر في السودان لم يشكل حدثًا مفاجئًا لكثير من المراقبين والمتابعين لتطور الأوضاع السياسية هناك. فقد سبقت البيان الأول «لثورة الإنقاذ الوطني» عدة إرهاصات كشفت عن نوعية البديل القادم... ولعل أوضح تلك المؤشرات مذكرة القيادة العامة للقوات المسلحة في ۲۰ فبراير الماضي والتي استغلتها الحكومة لتمرير سياسة استسلامية لا تمُت لنَص وروح المذكرة بصِلة بالإضافة إلى تذمر واحتجاج بعض فصائل القوات المسلحة مما دفع بالحكومة إلى «فبركة» المحاولة الانقلابية في ١٨ يونيو لتسويغ اعتقال وفصل أكثر من ١٤ ضابطًا من بينهم العميد يوسف جميل قائد سلاح المظلات والعقيد حاليًّا في مجلس قيادة الثورة.

وكان واضحًا أن أوضاع الحكومة السياسية لم تعد قادرة على تقديم مبررات إضافية لاستمرارها بعد الإخفاقات الكبيرة في المناحي الاقتصادية ومضاعفة المعاناة اليومية للجماهير. في الوقت الذي جاءت فيه ميزانية 1990-۱۹۸۹وهي تحمل أرقامًا مفزعة في مجال العجز «۱۳ بليون جنيه سوداني» مع استحالة توفير إيرادات إضافية للتقليل من الآثار الضارة التي سوف تترتب على الوضع الاقتصادي.
ومن جانب آخر فإن حكومة الصادق أظهرت إفلاسًا بينًا في نطاق مشكلة التمرد التي ظلت تستنزف الخزينة العامة وإن ما تم من مفاوضات مع قيادة التمرد لا تنم عن تقدم لصالح إقرار السلام في الجنوب.. هذا في حين أن المشكلة الأمنية كانت تمثل هاجسًا مزعجًا لأقاليم كردفان ودارفور بالإضافة للأقاليم الجنوبية إلى جانب أن الحكومة قد افتقدت هيبتها محليًّا في شعور المفسدين والمتمردين. وإقليميًّا ممثلًا في تعامل كل من كينيا وأفريقيا الوسطى وتشاد في احتلال الأراضي السودانية «إقليم إيمي كينيا وإقليم أم دافوق لأفريقيا الوسطى» ودوليًّا ممثلًا في التعامل الدولي مع المتمرد قرنق وزيارته لألمانيا وبريطانيا والولايات المتحدة. ولذا كان حتمًا لنظام يحمل  كل هذه الإخفاقات أن يذهب، وفي رواية غير مأسوف عليه وإن كان ديمقراطيًّا!! ونشير هنا إلى أن المجلة سبق وأن أشارت في عدة أعداد إلي لا معقولية النظام الطائفي وفشله المزري في جانب القضايا الأساسية كما في الأعداد (907)، (911) ،(909).

·          إنقاذ

جاء في البيان الأول «لثورة الإنقاذ الوطني» «إن القوات المسلحة ظلت تراقب كل التطورات بصبر وانضباط، ولكن شرفها الوطني دفعها لموقف إيجابي في وجه التدهور الشديد الذي يهدد الوطن».
لقد توصلت القوات المسلحة لهذه النتيجة بعد قراءة  دقيقة للشارع السوداني الذي ظل ينتظر ثمار حِرثه في أرض الديمقراطية لأعوام ثلاثة لم يجن منها سوى الأماني ومزيدًا من الضنك ومرارة العيش  والتي ما عادت تغريه بأن يستمع لقرار سبق أن اتخذته جمهرة الأحزاب والنقابات - ما عدا الجبهة الإسلامية القومية- من أجل حماية الديمقراطية التي صاغتها مصالح الطائفية والتي لا تمت بنسب لحكم الجماهير فأفرزت نظامًا أحادي الرئاسة تدار السلطة فيه بأسس عائلية وقبلية.. خلقتها امتيازات الطائفية التي لا تعترف بمعايير  التأهيل الفكري والإداري والطائفية وهي تفعل فعلتها تلك، تستغل تاريخها الديني والوطني للسيطرة على رقاب المواطنين.
وما كانت التعددية السياسية تعنى لها معنى الوصولية لمزيد من السيطرة وبسط السلطان فما أن فاز حزب الأمة «طائفة الأنصار» حتى بدأ في تقوية مركزه المالي بدءًا بالعائلة «وافقت وزارة  المالية على دفع ٣٦ مليون جنيه لآل المهدي تعويضًا عما ألمّ بهم في فترة حكم النميري» وتمت عمليات واسعة لتوزيع قطع الأراضي للمحاسيب وحماية تجار المنتمين للحزب واستصدار رخص الاستيراد بالإضافة إلى تعيين أولى القربى في المناصب الإدارية العليا كما تم في وزارة الصناعة إبان تولي مبارك الفاضل لها. وإذا كان حزب الأمة قد أجمل مصالحه الحزبية فإن حزب الاتحادي الديمقراطي «طائفة الحتمية» قد أفاض في ذلك وبسط وأتى من المفاسد وسوء الإدارة ما يتجاوز أفاعيل وزراء حكومة النميري إضافة إلى أن حزب «الختمية» هو الذي تآمر مع الأجانب على استقلال القرار السياسي كما شق الصف الوطني بتوقيع مرشده محمد عثمان الميرغني على اتفاقية قرنق
إن أقل ما يمكن أن تنقذه ثورة الجيش هو إزاحة المفاهيم المضللة التي تؤطر الوطن ضمن مصالح الطائفية وهو هدف له أبعاده الاستراتيجية المستقبلية هذا فضلًا عن أن الانكباب علي المصالح الضيقة واستخدام أساليب المناورات السياسية   لمزيد من الكسب الطائفي كاد أن يودي بالسودان إلى دويلات تسيرها المطامع الدولية، فالحرب الدائرة في الجنوب لم تكن حرب متمردين وسيادة شرعية وإنما كانت تصفية لحسابات دولية غيرأن حكومة الطائفية لم تع حقيقة ذلك.. وما يقال عن الجنوب كاد أن يحدث في دارفور وإقليم كردفان فأن.. إذن فالخطر لم يكن محدودًا بإطار ة السياسية والمعضلة الاقتصادية وإنما كان بكيان ووحدة السودان.

·         خوذة وعمائم

تأتي  ثورة الجيش في ٣٠ يونيو الماضي ضمن المسلسل الجدلي لتبادل السلطة بين النظام الديمقراطي والحكم العسكري فمنذ استقلال السودان أن في يناير ١٩٥٦ تناوبت على السلطة ثلاث حكومات ديمقراطية وحكومتان عسكريتان والحكومات الديمقراطية كانت كالاتي
حكومة عبد الله بك خليل ٥٦ - ١٩٥٨ «حزب الأمة» والتي سلمت الحكم إلى القوات المسلحة فكانت حكومة الفريق إبراهيم باشا عبود ٥٨ - ٦٤ ثم جاءت حكومة الأحزاب بعد ثورة أكتوبر الشعبية ٦٤- ٦٩ فنظام المشير جعفر نميري 69 - 85 والذي أسقطته الانتفاضة الشعبية في رجب/ إبريل 1985 فانضم الجيش للقرار الشعبي فكانت الفترة الانتقالية بقيادة المشير سوار الذهب ٨٥-١٩٨٦ ثم تولت السلطة بعد انتخابات نزيهة حكومة الأحزاب برئاسة الصادق المهدي... 
والجدير بالملاحظة أن الشعب السوداني كان دائمًا وراء تغيير الأوضاع السياسية فعندما يضيق بسياسة العسكر ذرعًا ينتفض بكامل مؤسساته الشعبية من نقابات وجمعيات وهيئات ويلجأ لسلاح الاعتصام عن العمل وتأجيج التظاهرات حتى تستجيب الحكومة وتذهب غير مأسوف عليها غير أن الحكومات الشعبية الديمقراطية التي ورثت الحكم بعد كفاح شعبي صبور لا ترقى إلى طموح الشعب في تحقيق الرفاهية والعزة والتقدم، بل إنها كثيرًا ما تنشغل عن الشعب في قضايا بعيدة كل البعد عن آمال الجماهير وتطلعاتها.. فالأحزاب آفتها في الانغلاق الضيق على المصالح الحزبية ويكون الوضع صالحًا ومبررًا لتحرك الجيش فيستولي على النظام وغالبًا ما يجد تأييدًا في تحركه
وبالرغم من التفاهم النسبي لمشاكل السودان عند كل من العسكريين وحكومات الأحزاب إلا النتيجة كانت سلبية في جانب تحقيق طموحات الشعب وكانت مشكلات السودان دائمًا أكثر استعصاء على الحكومات المسماة بالديمقراطية وخاصة إذا رصدنا ذلك في إطار المشكلة الأمنية ومشكلة الوحدة الوطنية فالأحزاب تكاد تفتت وحدة البلاد ولعل مرد ذلك يعود للنظام الطائفي وأساليبه المحدودة التعامل.. وبخلاف العسكر فإن عقدة الفشل تأتي لنظامهم من خلال ضعف الإدارة الاقتصادية للبلاد.. غير أن الإدارة الأخيرة لحكومة الأحزاب أثبتت أن الأحزاب الطائفية أضأل بكثير من التفاعل الإيجابي مع قضايا الجماهير فقد فشلت في الجانب الأمني واستسلمت للضغوط الدولية وأذلت السيادة الوطنية لأحلام التمرد بنفس الفشل الذي لازمها في الجانب الاقتصادي والسياسي وهو ما يجعل الشعب يتطلع للجيش من أجل اصلاح وإنقاذ البلاد من أسباب الانقسام وعودة السيادة الوطنية عزيزة في تعاملاتها مع الآخرين؛ فهل حقًّا تصلح الخوذة العسكرية ما أفسدته الطائفية السياسية؟

·         عقبات

إن الاجماع قائم على أن مشاكل السودان أكبر من أن تحل بمجرد تبدل النظام وتغيير السلطة ويمكن أن تصنف هذه المشاكل في مستويين: مستوى المعضلة ومستوى المشكلة.
فالمعضلات تتلخص في قضية جنوب السودان والقضية الاقتصادية في إطار مشكلة الجنوب والانعكاسات المتولدة عنها نجد أن السودان أنفق أكثر من ٤٠ مليار دولار في أوقات الحرب والسِلم وكانت خسائره البشرية أكبر من ذلك بكثير وهي قضية تتصل بأكثر مشاكل البلاد وتأتي على رأسها مشكلة الهوية الوطنية للسودان.. كما أن تضخمها يزيد من تفاقم درجة التعقيد لقضايا الأمن والوضع الاقتصادي والعلاقات السياسية الخارجية وتدخلات الدول الأجنبية فهي تستهلك المال والجهد وتضيع وقت الحكومات في المفاوضات وإعلان الطوارئ وإدارة توجه الحكومة نحو الدول المجاورة والخارجية سعيًا لعودة السلام ووقفًا لنزيف الدم الوطني.. أما المعضلة الاقتصادية فقد نشأت في فترة حكم بها النميري يوم أن ارتهن السودان للآخر بـ12 مليار دولار وأصبحت سياسته الاقتصادية تدور في فلك التبعية لصندوق النقد الدولي ولم يعد رأي الخبراء الوطنيين ذا قيمة بجانب «أوامر» صندوق النقد الدولي، فإذا أراد السودان أن يكتفي ذاتيًّا من القمح تدخل «خبراء» الصندوق بأن الأفضل إنتاج سلعة اقتصادية يعني القطن والانصراف عن القمح لأن الصندوق قادر على توفير القمح بسهولة من الدول «المانحة» والا فالصندوق سيعلن بأن السودان غير مؤهل وبذلك تقوم القيامة الاقتصادية... أما مشكلات السودان المزمنة والحادثة تتلخص في فساد الإدارة المدنية بعد تدخلات كل من نظام النميري ونظام الطائفية الأخير (٨٦-١٩٨٩) وفساد الإدارة يتصل بالضعف في المجالات الإنتاجية كما ينعكس على السوق وأخلاقيات التجار وعندما ينصلح شأن الإدارة فإن الدورة الاقتصادية تنتظم في حركتها.. ومشكلة إكمال البنية الأساسية متمثلة في ضعف الاتصالات وبناء الطرق وإقامة السدود على النيل وتطوير شبكة الكهرباء وتطوير النقل والسكك الحديدية حتى يمكن أن تنبسط أسالیب الإدارة على البلاد كما أن إقامة البنية الأساسية يعني تطوير التبادل السلعي وتنمية الموارد واستيعاب الطاقات المحلية.. وتبقى بعد ذلك إشكالات محدودة في قضايا الأمن والوحدة ع الوطنية وما إلى ذلك.

·         مسكينة الديمقراطية:

قديمًا قال أحدهم «مسكينة أنت أيتها الحرية، كم من الجرائم ارتكبت باسمك» وهذا القول ينطبق أكثر ما ينطبق على الممارسات الطائفية للديمقراطية.. فالديمقراطية كنظام ومبدأ تبقى أحد الخيارات السياسية القريبة من مبدأ الشورى السامق غير أن الممارسات الخاطئة أفرغت كل مضامينها السامية لتتحول على أيدي الطائفية لمجرد مسخ وفوضى لا تعني الشعب إلا في السعي للتخلص منها.. ومما يدفع بالسودانيين إلى إيجاد وضع أكثر اعتدالًا ومعقولية من ديمقراطية الطائفية هو حُسن السوابق التي قدمها الجيش السوداني في تجربة المشير سوار الذهب الناصعة وتجربة الفريق إبراهيم عبود الوطنية الأصيلة – بالرغم من التحفظات عليها - وأما بالنسبة لثورة إلإنقاذ الوطني فالمؤشرات تدل على مدى الموضوعية والعقلانية الموسومة بها كما أنها أبدت تفهما واضحًا لهموم الوطن والمواطن من خلال دعوتها لحل معضلة الجنوب السوداني اعتمادًا على الحقوق  السيادية للشرعية الحاكمة ورفض المساومة على كرامة الوطن مع المتمردين... ويتضح ذلك أيضا من الموضوعية في التعامل مع القوانين الإسلامية وأن تخضع للحوار وإقامة الحجج والتقويم العلمي وهو أمر يتصل بالعقيدة كما يتصل بتركيبة الأوضاع القائمة ويحتاج لمزيد من التفهم ويبقي الحذر من استقطاب تلك التوجهات وتحويرها إلى مرام بعيدة عن أهدافها.. وهي قضية وثيقة الصلة بالحياة السياسية السودانية والاستقطاب نهج محلي كما أنه هدف دولي وإقليمي.. ولعل اللغة المستخدمة في خطاب الثورة لنزع شرور الفساد تنم عن أصالة الوعي لقضية الإفساد في الحياة السياسية والاقتصادية كما أنها تدلل في ذات الوقت على العدالة في إقامة البينات من أجل محاكمة نزيهة وهو مؤشر إيجابي يصب لصالح العدالة وتمكين الحريات.. والأمل يراود أكثرية الشعب السوداني في تجاوز الثورة لأخطاء الحكومات السابقة واستيعاب العبر واستقراء الواقع بصورة علمية من أجل سودان متماسك وأصيل.

 

الرابط المختصر :