; المذبحة الجماعية في السودان | مجلة المجتمع

العنوان المذبحة الجماعية في السودان

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 10-أغسطس-1976

مشاهدات 73

نشر في العدد 312

نشر في الصفحة 4

الثلاثاء 10-أغسطس-1976

1- دليل على وحشية الحكم الدموي.! 

2 – أولى نتائج اتفاقية «الدفاع المشترك»

أبشع جريمتين شهدهما تاريخ الإنسانية المعاصر وقعتا في الأسبوع الماضي. 

واحدة في مدينة «دوايسبورغ» في ألمانيا الغربية. 

والثانية في العاصمة المثلثة السودانية. 

ففي ألمانيا الغربية احترف شخص يدعي «يواكيم كرول» أكل الآدميين.. نعم أكل الآدميين! 
فقد اعترف يواكيم هذا -بعد أن ألقي عليه القبض- بأنه ذبح ست فتيات وقطعهن على شكل شرائح معدة للطبخ والأكل ووضعهن في الثلاجة. 

وفعلًا وجدت الشرطة الألمانية في ثلاجة هذا المجرم قطع لحم لطفلة في الرابعة من عمرها. كانت الشرطة تبحث عنها بعد أن اختفت فجأة. 

وفي السودان ذبح النظام الحاكم ٩٨ رجلًا من أبناء الشعب السوداني الشقيق. 

في يوم واحد ذبح ٨١ رجلًا! 
وفي اليوم التالي ذبح ١٧رجلًا! 

وبوحشية لا تفسير لها غير التعطش إلى دم البشر، والإصرار على أن «القتل» هو وسيلة بقاء انقلاب مايو في الحكم. 

وحشية لم يعرف لها التاريخ الحديث مثيلًا ولا شبيهًا.

فعندما يقدم نظام ما على إعدام رجلين أو ثلاثة يموج العالم موجًا بالاحتجاج والاستنكار. ويعتبر ذلك إسرافًا في القتل. 

فبأي وصف يمكن أن توصف «المذبحة الجماعية» التي ارتكبها الحكم الدموي في السودان ضد الشعب السوداني؟ 

وأي يد آثمة هذه التي وقعت أوامر الإعدام والذبح الجماعي؟ 

ونقول «أوامر» إعدام. لأنه من المؤكد أن المحاكمات الهزلية التي جرت. كانت تدور كلها في إطار الأمر أو القرار بالإعدام الذي اتخذ سلفًا.

إنها محاكمات أشد هزلًا من محاكمات «المهداوي» الشهيرة. 

٩٨ رجلًا يذبحون بهذه الطريقة البشعة. 
أي وحشية هذه! 
أي همجية! 
أي استهتار بحياة الإنسان! 
أي استهتار بحرمة المسلم؟ 
أي تشويه لسمعة السودان ووجهه؟!
أي تقويض لكل القيم والفضائل الإنسانية؟! 
أي جريمة.. ملعونة في السماء وفي الأرض هذه التي اقترفها انقلاب مايو أو الحكم الدموي في السودان؟!! 

ووجه التشابه بين جريمة أكل لحوم البشر في ألمانيا. وجريمة «المذبحة الجماعية» في السودان يتمثل: 

في الاستهتار المشترك إزاء قتل الناس.

البرود المشترك الذي يملي على المجرمين ارتكاب الجرائم بهدوء من يفعل شيئًا عاديًّا! 

الإدمان المشترك على ممارسة هذه الجريمة. 

فقد تعود آكل لحوم البشر في ألمانيا على ارتكاب الجريمة. وذبح ضحاياه.. كلما نفد لحم ضحية. خرج يصطاد غيرها بعد أن يتخيرها جيدًا أثناء مروره بالباص العام -كما قال هو- من بين الجموع الإنسانية الغادية والرائحة. 

وانقلاب مايو احترف هذه المهنة طوال سبع سنوات. 

فقد ارتكب: 

مذبحة جماعية في جزيرة أبا حيث دك الجزيرة بالطائرات فدمر المساجد وزوايا القرآن الكريم. ودمر البيوت فمات الألوف من الرجال والنساء والأطفال والشيوخ تحت الأنقاض. بفعل القنابل الساقطة عليهم. 

 مذبحة جماعية في ودنوباوي حيث قصفت مدافع الميدان الحى بمساجده وبيوته ومؤمنيه في حملة استهدفت الإبادة الشاملة. 

ومن المعروف أن انقلاب مايو هو الذي مكن الشيوعيين من الحكم وسلطهم على رقاب الشعب السوداني الشقيق. وأخضع السودان للبرامج والسياسات الشيوعية كما أخضعه في الجانب التنفيذي لوزرائهم الكثيرين ومنظماتهم التي وجدت بغيتها في هذا الانقلاب. 

ولم يقدم الإنقلاب على مناهضة الشيوعيين إلا عندما نافسوه على الكرسي الأول. ولو لم يفعلوا لبقوا حتى اليوم يفرضون مذهبهم وبرامجهم واتجاهاتهم على السودان كله.

 مذبحة جماعية بعد حركة حسن حسين عثمان. قتل فيها عشرات الضباط وعدد من المدنيين. 

 ثم هذه المذبحة الجماعية الراهنة. 

وينبغي أن يكون معلومًا أن الـ ٩٨ رجلًا الذين قتلهم الحكم الدموي بطريقة جماعية يشكلون الجانب المعلن فحسب. 
هناك مئات الرجال قتلوا غيلة. ومئات غيرهم تركت جراحهم تتسمم وتتعفن حتى ماتوا داخل الزنزانات.. ومعهم من الأحياء المساجين من ينظر إليهم ولا يستطيع أن يفعل من أجلهم شيئًا. 
ومئات من النساء والأطفال رشوا بالرصاص في حملة تفتيشية متواصلة و.. و.. و.. 

إن السودان دخل في بحور من الدم. 

والمسؤول هو انقلاب مايو. 

فمن المعروف تاريخيًّا واجتماعيًّا وسياسيًّا أن السودانيين شعب مسالم جدًّا. كان يحل مشكلاته السياسية بوسائل سياسية.. الانتخاب.. الليالي السياسية.. الصحافة.. المنشورات.. البرلمان.. إلخ

حتى في ثورة ٢١ أكتوبر عام ١٩٦٤ كان الشعب السوداني يحمل أعواد شجر النيم في مواكبه ومظاهراته ضد حكم عبود. 

وعندما أطلق رجال من الجيش النار على مظاهرة حاصرت القصر. نهض العقلاء من الجانبين وضغطوا الأزمة ونقلوها إلى إطار المفاوضات. 

ثم انبعث أشقى الأنظمة في السودان. فأدخل أسلوب الدم والعنف إلى ساحة الصراع. 
إنه مسؤول مسؤولية مباشرة عن هذه الوسائل التي غيرت وبدلت مجرى الحياة السياسية في السودان ومسؤول عن أشياء أخرى. 

فالأحرار الشرفاء ليسوا مسؤولين عن تسليم الجنوب للانفصاليين ولا عن اهتراء الجهاز الإداري.

ولا عن الأزمة الاقتصادية الطاحنة في بلد يمكنه أن يصدر الغذاء ببلايين الأطنان بعد اكتفائه الذاتي، لو وجد قيادة مخلصة تتميز بعبقرية البناء لا بذهنية التدمير والهدم. 

الأحرار الشرفاء ليسوا مسؤولين عن هجرة الكفاءات السودانية الممتازة إلى الخارج.. من بلد يعاني كل صنوف التخلف ويحتاج إلى كل ذرة من كفاءة بنيه. 

ليسوا مسؤولين عن التبعية المطلقة في السياسة الخارجية 

ليسوا مسؤولين عن «الفساد الاجتماعي» والأخلاقي الذي روجه وحماه وشجعه انقلاب مايو. 

أولى نتائج اتفاقية

«الدفاع المشترك»

يقينًا؛ إن اتفاقية «الدفاع المشترك» التي أبرمت بين النظامين الحاكمين في مصر والسودان لم يكن باعثها ولا هدفها تحرير سيناء ولا استرداد القدس ولا تحرير فلسطين ولا تحرير أرتيريا ولا حماية البحر الأحمر من الغزو الصهيوني الإمبريالي 
فالنظامان في البلدين اعترفا بالكيان الصهيوني في فلسطين المحتلة وأقرا اتفاقية سيناء التي هي «تقنين» للاحتلال اليهودي لفلسطين وإخراج لمصر من المعركة. ودعم للسياسة الأميركية في المنطقة وهي سياسة هدفها الثابت دعم الاحتلال الصهيوني في فلسطين. 

وفي ضوء ذلك لا يمكن أن تكون اتفاقية الدفاع المشترك موجهة ضد العدو الصهيوني. 

ولم تبرم من أجل تحرير أرتيريا فالنظام المصري يعتبر أرتيريا جزء من أثيوبيا وينادي بالحكم الذاتي لا بالاستقلال الكامل «حدث ذلك في مؤتمر وزراء خارجية الدول الإسلامية في إسطنبول مؤخرًا». 

ولم تبرم من أجل حماية البحر الأحمر من الأطماع الصهيونية والإمبريالية. 

فاتفاقية سيناء تنص على منع فرض حصار عربي على العدو الصهيوني في باب المندب. 

وفي الصراع على جيبوتي ينحاز النظامان إلى جانب فرنسا. وهناك تنسيق بين فرنسا والعدو الصهيوني على حماية جيبوتي من «الخطر العربي» 

اتفاقية الدفاع المشترك موجهة -إذن- ضد الشعوب وضد رغبتها في التحرر والاستقلال الحقيقي.. هي اتفاقية للصمود ضد الشعوب! 
والدليل على ذلك أن المذبحة الجماعية في السودان كانت أولى نتائجها. 
فقد مهد الإعلام المصري بأكاذيبه البلقاء لارتكاب هذه المذبحة. 
ومن أكاذيبه التبريرية أن ما حدث في السودان كان غزوًا خارجيًّا. وعندما فضح حاول أن يغطي كذبته الضخمة فقال لا «إنهم مرتزقة سود». وبعض الصور التي نشرت لهؤلاء المرتزقة المزعومين كانت لأرتيريين ماتوا منذ زمن طويل!
لقد تبين أن كل الذين قتلوا غيلة وأعدموا علنًا هم سودانيون 100%
فأين المرتزقة إذن؟ 
ولكنه التبرير المسبق لهذه المذبحة الجماعية. 
ومن نتائج اتفاقية الدفاع المشترك نقل خبرة القمع المصرية في التعذيب والتنكيل إلي السودان. 
لقد عذب الرجال المعارضين للنظام الدموي وشوهوا تشويهًا رهيبًا. 
وما عرف السودان هذه الوسائل الإجرامية. 
ومن المفارقات المحزنة أنه في نفس الوقت الذي يحاكم فيه زبانية التعذيب في مصر «صلاح نصر وشمس بدران وغيرهم»في هذا الوقت تنقل خبرة هؤلاء وأجهزتهم وأساليبهم إلى السودان لقمع الشعب السوداني وتعذيب أحراره بواسطتها. 
إنها ورطة ليست في مصلحة مصر أبدًا. 
فهل هي يمن أخرى في السودان؟ 
وهل جاء سلال آخر؟
إن التورط المصري في اليمن بدأ بإرسال فرقة لحماية نظام السلال.. ومع اشتداد المقاومة أخذت الفرق تتوالى على اليمن حتى تكون جيش ضخم ونشبت حرب حقيقية استنزفت أموال وشباب مصر وشوهت سمعتها السياسية. 

﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ

الرابط المختصر :