العنوان لماذا السودان الآن؟
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 09-أبريل-1985
مشاهدات 102
نشر في العدد 712
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 09-أبريل-1985
سعى إلى حتفه بظلفه:
الآن وقع ما توقعنا في العدد الماضي من المجتمع، فتحركت القوات المسلحة السودانية وأطاحت بنظام النميري، وتسلمت مقاليد الأمور في البلاد، بعد أن عاشت العاصمة المثلثة أيامًا حالكة إثر العصيان المدني الذي أعلنه الشعب بجميع فئاته وطبقاته وتجاوبت معه عواصم الأقاليم ومدنها الكبرى.
الرجل الذي جاء إلى السلطة هو الفريق أول عبد الرحمن محمد حسن سوار الذهب وزير الدفاع والقائد العام، والذي ترقى من درجة لواء إلى درجة فريق أول قبل شهر فقط، حيث عينه النميري كوزير للدفاع وقائد عام للجيش، بدلًا منه في آخر تعديل وزاري في الثاني عشر من مارس المنصرم. وكان قبل هذا رئيسًا للأركان، واشتهر الرجل وسطع نجمه في العامين الماضيين إثر تصديه للتمرد هناك.
البيان الذي وجهه الفريق أول سوار الذهب أعلن فيه أن القوات المسلحة قد استولت على السلطة بعد أن قررت الانحياز التام إلى جانب الشعب وانتفاضته. ثم أذاع بيانًا آخر أعلن فيه الإجراءات الآتية:
1 - عزل الرئيس السابق جعفر نميري وتنحيته عن الحكم.
2- إعفاء جميع المستشارين المساعدين للرئيس السابق نميري.
3- إعفاء الوزراء المركزيين من مناصبهم.
4- إعفاء حكام الأقاليم ووزرائهم بما فيهم معتمد العاصمة القومية.
5 - حل مجلس الشعب المركزي والمجالس الإقليمية.
6 - تعطيل العمل بالدستور.
7- تكليف القادة العسكريين في الأقاليم بتصريف الأمور.
8 - حل الاتحاد الاشتراكي التنظيم السياسي الحكومي، وحل كافة فروعه وتنظيماته ومؤسساته.
الشعب السوداني يحمد الله... ولكن:
فور سماع نبأ الانقلاب تنفس السودانيون الصعداء هم والمهتمون بأمر السودان من العرب والمسلمين، وصارت النغمة السائدة هي الحمد لله ولكن. ولكن حرف استدراك.
الحمد لله لأن انفراجًا في الموقف قد حدث، فالكل كان يتوقع صدامًا دمويًا إذا رجع النميري إلى البلاد وركب رأسه وكرر ما فعله في الجزيرة أبا بمساعدة الجيران وأصدقائه البعيدين، فقد أذاع قائد الانقلاب بيانه بإعفاء النميري من الرئاسة بعد أن قطع الأخير الشوط الأكبر من رحلة العودة، وهبطت طائرته في مطار القاهرة، حيث استقبل استقبالًا أقل من المعتاد. وهذا الوقت الذي أذيع فيه البيان هو الوقت المناسب ليسمعه الرجل في المكان المناسب!!
أصر النميري على مواصلة الرحلة إلى الخرطوم رغم إلحاح الرئيس المصري حسني مبارك بالتريث وشرع في الصعود على سلم الطائرة، وهنا امتنع قائد الطائرة عن الإقلاع لأن أجواء الخرطوم غير آمنة، ووفق قوانين الطيران الدولية لا يسمح بالتحليق على مثل هذه الأجواء للطائرات المدنية فرضخ الرجل للأمر وأسلم نفسه للواقع المرير.
نسجل على الانقلاب الملاحظات الآتية:
1- أنه انقلاب ضحوي الساعة 9 صباحًا، وهذا أمر غير مألوف حيث إن الانقلابات المدبرة بالليل يذاع بياناتها رقم واحد عند افتتاح الإذاعة في الصباح، والانقلاب الشيوعي عام ٧١ كان ظهرًا.
2 - أنه انقلاب فوقي قائده هو قائد الجيش نفسه وهذا يعني أنه انقلاب كل الجيش وليس بعضه.
3 - أنه انقلاب السلطة على السلطة. فالنميري كان في حكمه يرتكز على الجيش الذي أتى به إلى الحكم. وأطيح به عن طريق وزير دفاعه وقائد الجيش العام.
4- أنه من الواضح أن الانقلاب جاء نتيجة وساطات ومساومات ومباحثات قام بها ضباط سابقون كبار، حيث دخلوا كرجال المساعي الحميدة بين الجيش وقيادات المعارضة، والضباط هم: اللواء (م) محمد الباقر أحمد النائب الأول السابق للرئيس السابق نميري، والفريق المتقاعد يوسف أحمد يوسف، والعميد المتقاعد يوسف الحاج طه.
5- البيان الذي أذيع على الأمة وعد بأن يبقى الجيش في السلطة لفترة انتقالية محدودة ريثما يتم الإعداد لتسليم السلطة إلى المدنيين. وهذه نغمة معروفة في البيانات العسكرية التي تعد وقلمًا تفي.
6- لم يذكر بيانات الانقلابيين أي شيء عن الإصلاحات المزمع إجراؤها لإصلاح ما فسد في النظام الذي انقلب عليه، فعادة يذكر في البيان الأول لكل انقلاب عسكري أنهم جاؤوا لتطهير البلاد من الفساد بالإضافة إلى قضية فلسطين، والأمران منسيان في بيان سوار الذهب لأسباب معروفة.
7- لا نستطيع أن نقول إن ما حدث الآن هو نفس الملامح والشبه لما حدث في أكتوبر عام ٦٤ إلا في العصيان المدني فقط، إذ إن الذي كان في أكتوبر أروع من هذا بكثير، حيث أرغم العصيان رئيس الدولة على حل المجلس الأعلى الحاكم وجميع مؤسساته دون مقاومة وصدام كبير، وقد أكبر المدنيون فيه هذا وتركوه كرئيس للدولة بعد أن سلم السلطة كاملة في نفس اليوم إلى ممثلي الأحزاب والهيئات حيث تكونت حكومة قومية.
الآن احتفظ الجيش بالسلطة وكل ما فعله مجرد وعد بتسليم السلطة مستقبًلا، ويشك الناس في الإيفاء به.
8- يلاحظ أن قائد الانقلاب الجديد هو من نفس شاكلة الرئيس السابق ونائبه الأول، فكلهم صوفيون ينتمون إلى الطرق الصوفية التي ينتهي ولاؤها النهائي إلى طائفة الختمية التي كان بعض رجالها في السلطة، كالسيد أحمد الميرغني الابن الأصغر لزعيم الطائفة الروحي المرحوم السيد علي الميرغني، وشقيق الزعيم الحالي محمد عثمان الميرغني، وكذلك بعض كوادر حزبهم أمثال الدكتور أحمد السيد محمد السكرتير السابق لحزب الاتحاد الديمقراطي، والرشيد الطاهر الوزير الاتحادي السابق.
كل هذه وغيرها مجرد ملاحظات ولا نود أن نرجم بالغيب ولكن إلى أين تتجه سفينة الأحداث في السودان؟
احتمالات الموقف:
- يخشى الناس أن يكون الانقلاب الجديد ذا اتجاه لا يرضي طموحات الشعب الذي يتطلع إلى حكم شورى صحيح يكون أساسه قيم الأمة ومبادئ عقيدتها. حيث سلم الشعب من قصص الفساد ومغامرات المفسدين، ويتوق إلى حياة طاهرة نقية غير مشوبة بأي شائبة.
- ويخشى الناس أن يكون الانقلاب - وهو انقلاب قمة في الأصل - معدًا خصيصًا لامتصاص نقمة الشعب العارمة إلى ما كانت عليها سابقًا مع تغيير شكلي في الوجوه .
- ويخشى الناس أن يعود النميري إلى الحكم بقدرة قادر، فكم من مرة يطاح به فيعود الرجل بعد ساعات أو أيام ويحدث مالم يكن متوقعًا. مما يجعل بعض السودانيين المؤمنين بالكرامات يقولون «الفكى بتاع النميري قوي »!! والفكي هو شيخ الطريقة.
- ويخشى الناس أن يتسلل إلى السلطة رجال عرفوا بمقدرتهم الخبيثة في انتهاز الفرص وسرقة المكاسب، فيفسدون إن كان هناك أطهار فتعود عجلة السودان إلى الوراء أكثر.
- ويخشى الناس عودة الأحزاب القديمة بصورتها القبيحة أو أسوأ بعد أن انتقل أكثر رجالها المعتبرين إلى الرفيق الأعلى، وما بقي في الساحة إلا المتطلعون إلى الزعامة الذين لا تاريخ لهم بالمعنى المعروف. فيعود التهريج والفوضى واليأس الذي أدى إلى انقلاب نميري بمساعدة الشيوعيين.
- ويخشى الناس أن يتحول السودان المبتلى بالضائقات إلى منطقة صراع بين الشرق والغرب، فالضائقة الاقتصادية والاهتراء السياسي والتفكك الاجتماعي، كل هذه الابتلاءات قد تجعل العزائم تنهار وتساوينا بالفريق الذي يتعلق بالقشة. وكم من قشة قصمت ظهور رجال ودول.
- ويخشى الناس أن يتقرب الانقلاب الجديد أكثر وأكثر إلى مصر على حساب الآخرين من العرب والجيران، فتزداد مشاكل السودان فيستعصي الحل على الحلال.
- ويخشى الناس أن يكمل الانقلاب الجديد التراجع الذي بدأه الرئيس السابق عن تطبيق القرارات الإسلامية، فتعود البارات والخمارات ولو تدريجيًا وتعود البيوت المشبوهة إلى ممارسات الفاحشة فتعود النجاسة والرجس إلى الحياة السودانية بشكل علني كما كان الأمر سابقًا، والشعب السوداني بطبعه متدين ولكن الضائقات والضغوط تهز كيان المجتمعات وتزلزل الجبال الرواسي.
استخف قومه فعصوه!!
غادر النميري السودان يوم الأربعاء ۲۷ - مارس الماضي بعد يوم واحد من اندلاع المظاهرات ضده خرج الرجل مستخفًا بقومه غير عابئ بما يحدث وغير مدرك لما تخبئه له الأقدار ولكنه هذه المرة خرج مصطحبًا أفراد عائلته والأقربين، فلماذا يسافر رئيس دولة ويترك بلده وهو يواجه أحداثًا جسامًا.
الواقع أن هذا ديدنه، فبعد كل قرار مصيري يغادر الرئيس نميري أرض الوطن ويعود إليه، بعد عودة الهدوء والاستقرار، حدث هذا في ثورة شعبان عام ٧٣، وعام ٧٥ وعام ٧٩ وعام ٨١ و ۸۲ و ۸۳.
ولكن هذه المرة أخطأت حساباته بالمرة، فالذين استخف بهم عصوه عصيانًا مدنيًا شوهت صورة حكمه في الخارج، فألقى على مسامع الغرباء في بلاد بعيدة تصريحات عنترية فات أوانها، وتشجع وقفل راجعًا، ولكن قبل أن يصل إلى مقامه قضى الأمر ونجي اليوم ببدنه.
موقف غريب لطرابلس:
لاحظ المستمعون لإذاعة ليبيا أنها كانت تحرض ضد النميري وتمتدح نائبه اللواء «م» عمر محمد الطيب رئيس جهاز الأمن القومي الذي كان يدير المخابرات والتجسس على الشعب السوداني، ولم يدرك الناس لماذا التمييز بين رمزيّ نظام واحد أفسدا الحياة السياسية السودانية بممارستهما الخاطئة. على كل حال ذهب الرجلان وفق بيانات الانقلابيين وإن كان اللواء عمر أقرب إلى قائد الانقلاب من النميري.
أبعاد التطورات الأخيرة في السودان:
ما زال انتظام السوداني يعيش أزمته الطاحنة ولم تنجل الأمور بعد ساعة كتابة هذه المقالة مساء السبت رغم الانقلاب الجديد الذي لم تظهر هويته تمامًا لنا.
والأزمة السودانية من شقين: شق سياسي وشق اقتصادي.
الشق السياسي: يتلخص في الاضطرابات والمظاهرات وأحداث الشغب وحوادث العنف التي تميزت بها لأول مرة في تاريخ السودان، فلم يحدث أن سبب المتظاهرون تدميرًا للممتلكات العامة والخاصة «مكاتب الحكومة والمتاجر والسيارات» كل ما حدث في الصورة الشعبية التي تفجرت في أكتوبر من عام ١٩٦٤ أن اتجه المتظاهرون إلى البارات والخمارات لتحطيمها لأنها كانت منشأ فساد حكام وأركان ذلك النظام.
الآن خفت حدة العنف بعد أن قام نظام جعفر النميري بترحيل أعداد كبيرة من النازحين الإقليميين واللاجئين من البلاد المجاورة.
لكن إضرابًا عامًا لكل القطاعات قد انتظم البلاد، فقد دعت نقابات الأطباء والمحامين والمهندسين والعاملين في المؤسسات المصرفية إلى الامتناع عن العمل احتجاجًا على ممارسات النظام في شتى المجالات، سياسيًا لتبعية للولايات المتحدة، اقتصاديًا للرضوخ لشروط البنك الدولي، مما أدى إلى سحب الدعم عن السلع التموينية الأساسية، وفي مقدمتها الخبز الذي صار سعره عشرين قرشًا وهو سعر خيالي لبلد زراعي أشيع أنه سلة خبز للعالم العربي.
موكب حكومي هزيل:
بعد مظاهرات الأسبوع الأخير من مارس المنصرم والتي قمنا بتغطيتها بالتفصيل في العدد الماضي، أعلنت النقابات المختلفة المتحدة عن إضراب عام حدد له يوم الأربعاء 3 إبريل، فتنادي أعضاء الاتحاد الاشتراكي السوداني التنظيم السياسي الوحيد أن اخرجوا في موكب هادر لتأييد نميري وذلك في يوم الثلاثاء اليوم السابق للإضراب المعلن من الفئات، وخرج القوم وكان بحق موكبًا هزيلًا قدرت الوكالات والصحف عدده بألفين أو يزيدون قليلًا، ورجع الناس بذاكرتهم إلى الوراء قليلًا وتذكروا المسيرة الإسلامية ذات المليون نسمة، ولاحظوا الفارق بين الأمس واليوم وعلموا أن النظام الذي لم يلتزم بعهده مع الله يعيش أزمة حقيقية، ولا يعرف رجاله ماذا يصنعون فهم في حيرة من أمرهم، بعد أن انفلت زمام الأمور من أيديهم، وظنوا أنه قد أحيط بهم، فرئيس النظام مع أقاربه خارج البلاد يتطبب وشعبه لا يجد الدواء إن وجد ثمنه، ووزيره الخاص ويطلق عليه في السودان الخادم الخاص د. بهاء الدين محمد إدريس غادر البلاد بعد رئيسه بيوم واحد مع رجل اسمه خضر الشريف محمد أحمد الذي أثرى ثراء فاحشًا في وقت قصير، رغم أنه طرد من الخدمة عام ٦٩ بعد الانقلاب مباشرة وكان يشغل يومها منصب سكرتير وزير الخارجية وهو منصب متواضع يشغله خريج المدارس المتوسطة والرجل كذلك عمل هنا في الكويت في إحدى الوزارات براتب قدره ثمانون دينارًا.
وكذلك سافر الأمين العام للاتحاد الاشتراكي محمد عبد القادر إلى الصين فهل لوجود هذا العدد خارج البلاد علاقة بما حدث؟
أزمة النظام الاقتصادية:
كما يعيش النظام أزمة سياسية فإنه أيضًا يعيش أزمة اقتصادية، فالحالة الاقتصادية باعتراف الجميع بالغة السوء فقد وصلت حالتها الصفر المطلق أن أصاب الإنتاج تدهور خطير لم تشهده البلاد طوال تاريخها، وذلك بسبب النظام السياسي.
من المفارقات أن نميري خطب ذات مرة في أوائل السبعينيات قائلاً: «إن آخر عهدنا بالجوع كان سنة ١٨٨٦ وما كان جوعًا مرده شح في الأرض أو في السماء، بل قلق اعترى حياتنا السياسية فاضطربت معها حياتنا الاجتماعية والاقتصادية، بقيت ذكرى سنة ١٨٨٦ كما يقول الكبار منا، وجعًا في ضمير قومنا، يسترجعونه في أحاديثهم بألم».
وواضح أنه يشير إلى المجاعة الطاحنة التي أصابت السودان عام ١٣٠٦ هجرية الموافق ١٨٨٦ ميلادية، تلك المجاعة التي كان سببها هجر المواطنين الزراعة وانخراطهم في جيش المهدية مما أدى إلى شح في الغلال والعيش.
والتاريخ اليوم يعيد نفسه بعد قرن كامل فليس آخر عهدنا بالجوع ذلك العام من القرن الماضي، وإنما حلت المجاعة هذه المرة مع الجفاف والتصحر، وكأنما يبعث الله على رأس كل قرن من يذيق شعب السودان لباس الجوع والخوف ولا حول ولا قوة إلا بالله.
إن الأزمة الاقتصادية الحالية نتيجة طبيعية لسياسة النظام في الاقتصاد والتجارة والزراعة والتقلبات الموسمية لرئيس النظام حسب المزاج أو الطلب. وأراد في يأس أن يلصق تهمة تخريب الاقتصاد على الفئة المؤمنة الطاهرة جماعة الإخوان المسلمين وبنك فيصل الإسلامي، وقد ألصقوا بهم التهم على استحياء فهم يعلمون أن وزارات المالية والاقتصاد والتجارة والزراعة والبنك المركزي لم يتقلدها من هو ذو تجاه إسلامي، ناهيك عن الإخوان فكيف يتحمل الإسلاميون وزر غيرهم وهم أنزه الناس وأعفهم.
من الذي أثرى من رجال القصر؟ هل بهاء الدين وخضر الشريف من الإسلاميين؟ من الذي أتى بعدنان الخاشوقجي؟ وماذا فعل هذا الرجل باقتصاد السودان؟ لماذا كان القصر والخارجية في تنافس غير شريف لعقد الصفقات الأجنبية وتسلم القروض؟ هل ابتدأ تدهور الوضع الاقتصادي اليوم أو الأمس أم منذ أول يوم للانقلاب عام ٦٩ حيث هربت رؤوس الأموال الوطنية والأجنبية خوفًا من شبح الشيوعية المخيف والناصرية المفزع؟
المفسدون في أرض السودان الذين أفسدوا الحياة السياسية والاقتصادية معروفون، وبدلًا من أن تطالهم يد القانون لتأديبهم طالتهم يد الرئاسة لمنحهم الأوسمة والنياشين، فكم من أصحاب الملايين منحوا هذا العام والأعوام السابقة نياشين ابن السودان البار!! وكلهم من الذين أثروا قريبًا والحمد الله لم يكن بينهم أخ واحد أو إسلامي.
خراب الاقتصاد السوداني تسبب فيه من اعتدى على الأراضي المملوكة للدولة، ومن باع وتاجر في أقوات الشعب أو لعب لعبة المضاربة في العملات الأجنبية من الدولار والريال والدينار، أو من أولئك الذين اشتركوا في تهريب الجلود والعاج تحت حماية أجهزة الدولة المختلفة.
إن الاقتصاد السوداني متفكك ولن يسترد عافيته في القريب المنظور إلا إذا تداركت عناية الله ورحمته شعب السودان فهيأت له نظامًا جديرًا بأن يرسل الله لأجله السماء عليهم مدرارًا أو يرزقهم من فوقهم ومن تحت أرجلهم وما ذلك على الله بعزيز.
الوضع الحزبي اليوم:
أوضاع الأحزاب اليوم ليست كالأمس، فكل حزب يعاني من التشتت والتشرذم، حزب الأمة قسم على نفسه جناح الصادق، وجناح أحمد المهدي، وجناح أولاد المرحوم الهادي، وجناح أحمد وعبد الحميد صالح، وشريف التهامي جزء من نظام نميري.
حزب الاتحاد الديمقراطي منقسم: جماعة أحمد زين العابدين وأبو حسبو مع ليبيا، جماعة محمد عبد الجواد مع حزب البعث وجماعة الباقر الموجود في لندن من الأتباع المخلصين للمرحوم الشريف الهندي. أما سكرتير الحزب أحمد السيد حمد فقد حاكمه نظام نميري أول عهده بتهمة الفساد وحكم عليه بالسجن لمدة ست سنوات، ولكن بعد مدة أفرج عنه، وعمل في الجامعة العربية ثم جاء مصالحًا للنظام وعين وزيرًا ومازال جزءًا من النظام هو وأحمد الميرغني، والختمية عمومًا وهؤلاء هم الحلفاء المرتقبون للنظام الجديد، لأن نوعًا من التلميع لتاريخهم بدأ منذ عهد قريب. أما الحزب الشيوعي فهو أصلًا حزب صغير لم يقل في عنفوان قوته غير دائرتين من الدوائر الإقليمية في آخر انتخابات حرة جرت قبل انقلاب مايو، أما بعد الضربة التي تلقاها، والانقسام الخطير الذي تعرض له في أول عهد مايو بين جناحي عبد الخالق ومعاوية إبراهيم ما زالت آثاره باقية إلى اليوم، أما جماعة الإخوان المسلمين فهم أيضًا لم يسلموا تمامًا مما نال الأحزاب والجماعات الأخرى ولكنهم على العموم أكثر صحة وعافية من غيرهم، فهم لم يتلقوا ضربة قاصمة كغيرهم، وكوادرهم الأصلية والحمد لله سليمة حيث استشهد أحد أبرز قادتهم وهو الأخ محمد صالح عمر في مارس عام ٧٠ في الجزيرة أبا، أما الباقون فقد خرجوا من السجون أو عادوا من المنفى عام ۷۸ واستفادوا من المصالحة في حرية الحركة فاستعادوا عافيتهم رغم الاختلاف الذي حدث في جدوى المصالحة، ولكن اختلاف الإسلاميين تحكمه القواعد الشرعية فلم يحدث لهم ما حدث لغيرهم.
هل تكون جبهة وطنية:
قبل عهد المصالحة الوطنية كانت هناك جبهة وطنية مكونة من الأحزاب الوطنية الثلاث: حزب الأمة والوطني الاتحادي، والإخوان المسلمون، وكان هناك ميثاق يحكم الجبهة، وكان الإسلام أساس هذا الميثاق، حيث كانت الدعوة المرفوعة هي «الوحدة الوطنية» على طريق الإسلام. ولكن عقد هذه الجبهة التي كانت برئاسة السيد الصادق المهدي انفرطت عام ۱۹۷۷ عام المصالحة بعد لقاء بورسودان الشهير بين النميري والصادق ومن الصعب تكوين جبهة مماثلة الآن.
إن المعارضة منقسمة الآن على نفسها ولا يجمعها جامع من مبدأ أو هدف كل يرشق الشجرة وتريد أن تقع الثمرة في مقطفه الخاص، والذين يتكلمون عن الحد الأدنى من الاتفاق حالمون ولا يتعظون بل وينسون التاريخ بسرعة.
ومن المستبعد كليًا أن يدخل الإخوان المسلمون في جبهة تضم الأحزاب الشيوعية ومن هم على شاكلتهم، لأن أحداً لا يعرف للشيوعيين ظاهرة تؤهلهم لإصلاح ما فسد، بل إن ما فسد أصلًا كان بسببهم واستعصى على الجميع الإصلاح، والشعوب التي وقعت تحت سيطرتهم ماذا جنت وماذا كسبت؟ الذل والهوان مع الفقر والمجاعة، فدخلت الجحيم في الدنيا قبل الآخرة طهارة الأسلوب والوسيلة شرط أساسي للعمل السياسي عند الإخوان المسلمين.
إن أي سوداني يأمل في إصلاح يأتي بالتحالف مع الشيوعيين الملحدين أو أصحاب العقائد الخرفة أظنه أسير خيال يقع فيه الفريق دائمًا فيتعلق بقشة لا تجدي فتيلًا.
كل الأحزاب تحالفت مع نظام نميري، ولا يدعي أحد أنه طاهر لم يتلوث، ولن يدعي حزب أنه صاحب الحق في حكم السودان، فهذه الأحزاب هي التي أوجدت الوضع السيئ الذي أدى إلى انقلاب مايو فكان ما كان وما هو كائن ولا تعلم ما سيكون.
الحرية والخبز معًا:
إننا من منطلق التزامنا بالإسلام الصحيح نرفض رفضًا باتًا سلب الحرية بدعوى الحصول على الخبز، ونرفض كليًا المناداة بحرية فوضوية تشترى فيها الذمم وتباع، تشبع فيها قلة وتصاب الكثرة بالبؤس وفقر الدم.
إن السودانيين متفقون على الحرية من قديم وعلى توفير الحياة الكريمة للفرد، فلماذا لا يشبع المواطن ويكون حرًا.
إننا ندعو إلى حرية بلا فوضى واستقرار بلا إرهاب أو تسلط.
ترى.. ماذا سيفعل الحاكم الجديد بالسودان وبشعب السودان المسلم؟ وكيف سيتعامل هذا الحاكم مع رغبة الشعب السوداني في الإبقاء على المكاسب الإسلامية... ومسألة تطبيق الشريعة في مرافق الحياة؟
إننا ندعو الحاكم الجديد إلى الحسني... ونأمل أن يضع نصب عينيه تأدية الأمانة التي سيحاسبه عليها الله.. فهل سيعي الحاكم الجديد ذلك. هذا ما نأمله.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل