العنوان الدولة في عالم متغير
الكاتب وسام فؤاد
تاريخ النشر الثلاثاء 01-سبتمبر-1998
مشاهدات 81
نشر في العدد 1315
نشر في الصفحة 42
الثلاثاء 01-سبتمبر-1998
مخاطر الشركات متعدية الجنسيات والمنظمات غير الحكومية على تغييب دور الدولة.
في الآونة المعاصرة نرى متغيرات . عديدة تجتاح العالم، وتؤثر على وضع الدولة، وبعض هذه المتغيرات يجترئ على وضعية الدولة والبعض الآخر يدعم كيانها، سواء من ناحية دورها أو من ناحية قيمتها النفسية، أي من ناحية مكانتها وحضورها في نفوس مواطنيها وشعورهم النفسي ببأسها، أو من ناحية قوتها المادية، فهذه المستويات الثلاثة تتأثر بشكل كبير بالمتغيرات التي يموج بها العالم، ومن بين هذه المتغيرات نشير للشركات متعدية الجنسية وتطور الاتصال، والمنظمات غير الحكومية متعدية الجنسية.
لا شك أن الشركات متعدية الجنسية تلعب دوراً بالغ الأهمية في صياغة ترتيب أوضاع القوة في العالم، بما في ذلك التأثير على مدى قوة الدول القومية، بدايات ظهور الشركات متعدية الجنسية كانت مع ارتفاع أسعار العمالة الأمريكية بسبب قوة التنظيمات العمالية في الولايات المتحدة، ومن هنا بدأت عجلة الإنتاج الأمريكي تبحث عن عمالة رخيصة، فخرجت إلى أوروبا التي أنهكتها الحرب وجعلت أيديها العاملة الماهرة رخيصة، ومع عودة الانتعاش لأوروبا ومع تنامي قوة المؤسسات المدنية فيها وبخاصة التنظيمات العمالية خرجت الشركات الأمريكية والأوروبية إلى دول العالم الثالث آنذاك تبحث عن العمالة الرخيصة.
ولم تلبث فكرة البحث عن عوامل الإنتاج الرخيصة أن تطورت فلم تعد تقتصر على الأيدي العاملة الرخيصة، بل أضحت فلسفتها تقوم على إنتاج السلعة في المكان الذي تكون فيه أرخص ما يكون، ثم تطورت الفكرة إلى تقسيم مكونات السلعة الواحدة على أكثر من بلد تبعاً لرخص تكلفة الإنتاج مما يزيد أرباح هذه الشركات.
لم تلبث هذه الشركات أن كبر عددها بصورة كبيرة. ففي عام ١٩٧٥م كان عدد هذه الشركات ۱۱ ألف شركة لها ٨٢ ألف فرع، أما في عام ١٩٩٠م فقد أصبح عدد هذه الشركات ٣٧ ألفاً و ٥٠٠ شركة لها ۲۰۷ آلاف فرع، يغطي جميع أنحاء العالم ويكاد إجمالي مبيعاتها يعادل حجم إجمالي التجارة العالمية، ولم يقتصر الأمر على كبر عددها. بل تعدى ذلك لصالح كبر وضخامة قوتها الاقتصادية، فعلى سبيل المثال نجد أن الناتج المحلي الإجمالي لخمس وأربعين دولة منخفضة الدخل وتؤوي ٣.١ مليار نسمة لا يزيد في مجموعه على ٣٤٠ مليار دولار، في حين أن إيرادات أكبر ثلاث شركات متعدية الجنسية فقط يبلغ ٣٤٧,٣ مليار دولار، والشركة اليابانية للتلغراف والتليفون وحدها، على سبيل المثال، حققت في عام ١٩٩٠م مبيعات تقدر بمبلغ ٤٠ مليار دولار أمريكي، ومن هنا نتصور قوة هذه الشركة في مقابل أية دولة من الدول الخمس والأربعين المنخفضة الدخل والتي يبلغ متوسط إجمالي الناتج المحلي لكل منها 8 مليارات دولار، بل إن دولة مثل مصر يبلغ إجمالي الناتج المحلي بها ٧٠ ملياراً، ومن هنا نستطيع تقدير قوة مثل هذه الشركات عندما نجد أن متوسط إيرادات أكبر شركة متعدية الجنسيات يصل إلى ١١٦ مليار دولار وفق إحصاءات ۱۹۹۰م، وفي إحدى رسائل الدكتوراه بجامعة القاهرة خلصت الرسالة للإشارة إلى مدى قوة الشركات إلى درجة تلاعبها بأنظمة وحكومات عدد كبير من دول العالم وبخاصة دول أمريكا اللاتينية حيث دبرت انقلابات وغيرت حكومات وتهدد أخرى وتساند ثالثة وهكذا، ولعل أقرب الأمثلة للذاكرة هو تلك الأزمة الطاحنة التي عصفت باقتصادات أغلب الدول الآسيوية والتي تسبب فيها بضعة صناديق استثمار ذات رأس مال ضخم، حيث قادت إلى انهيار معجزة النمور الآسيوية، ويمكننا أن نشير الضغوط هذه الشركات على بعض الحكومات الكبرى، ومدى تأثيرها عليها، فشركة بل كندا للتليفون ضغطت على الحكومة الكندية لسحب اعترافها بالقدس عاصمة لإسرائيل بسبب مصالح هذه الشركة مع دول الخليج، وبالفعل رضخت كندا للضغوط، وهناك أيضاً نموذج بعض الحروب التي أشعلتها الولايات المتحدة بناء على ضغوط هذه الشركات، وبخاصة شركات السلاح، من أجل تشغيل خطوط إنتاج هذه الشركات بعد موجة الكساد التي أعقبت انتهاء حرب الخليج الأولى ونهاية الصراع في أفغانستان، هذا فضلاً عن تحدي شركة توتال الفرنسية للبترول الحظر الأمريكي المفروض على إيران بقيامها بالتنقيب عن البترول والغاز في إيران، وتطوير بعض حقول البترول والغاز فيها، في إعلان صريح عن عدم مبالاة هذه الشركة بقوة ونفوذ الولايات المتحدة وتأثيراتها المحتملة على أعمال هذه الشركة هذا فضلاً عن تحدي بيل جيتس صاحب شركة مايكروسوفت للحكومة الأمريكية بشأن قوانين منع الاحتكار.
النزعة الاتصالية:
مر العالم وفق تصور الزوجين ألفين وهايدي توفلر بثلاث مراحل:
أولاها مرحلة اشتغال الدولة المتقدمة بالزراعة وغيرها بالجمع والصيد والالتقاط وفي ثاني المراحل اشتغلت الدول المتقدمة بالصناعة واشتغلت الدول الأقل في القوة الاقتصادية بالزراعة وإنتاج المواد الخام.
أما المرحلة الثالثة فتتمثل في اشتغال الدول المتقدمة بالإنتاج المعلوماتي والاتصالي وترك العملية الإنتاجية العادية، وبخاصة تلك التي تسبب قدراً كبيراً من التلوث للدول الأقل نمواً.
وهذه المرحلة يسميها توفلر وزوجه حضارة الموجة الثالثة، هذا المتغير الاتصالي كان البداية الحقيقية لانفراد الولايات المتحدة بإدارة العالم بعد سقوط وتفكك الاتحاد السوفييتي وانهيار الكتلة الشرقية. الجديد في القدرات الاتصالية أنها ما عادت تأبه بالحدود، فموجات الإعلام المسموع والمرئي لا يستطيع أحد ضبطها، وخطوط التليفونات تنتشر عبر العالم، والأقمار الصناعية تحلق في الفضاء بغير رقيب عليها، فلم تعد للدولة سيادة إعلامية حقيقية، وتطور وسائل التشويش يتبعه تطور وسائل اختراقها .
كما لم تعد السيادة الاتصالية كاملة. فقديماً كانت ثمة رقابة على البريد ومكالمات الهاتف، أما اليوم فوسائل الاتصال المشفرة هائلة والبريد الإلكتروني على رأسها لا يمكن للدولة تعقبه ولا فك شفرته، ومن هنا لم تعد ثمة رقابة على المعلومات التي ينتجها أو يستكشفها مواطنو دولة ما لحساب طرف أجنبي، وهو ما يعني التآكل الفعلي لقدرات الدولة.
المنظمات غير الحكومية متعدية الجنسية:
وفضلاً عن هذا وذاك نجد المنظمات غير الحكومية المتعدية الجنسية، وهذه المنظمات تنتشر اليوم بطريقة واسعة، وتتجاهل الدولة وتعمل على الاتصال مباشرة بمواطني الدول وتتجاوز البيروقراطيات تماماً، بدأت هذه المنظمات بالحلول محل الدولة في وظائف بسيطة كمساعدة فقراء العالم، وإغاثة المرضى وجرحى الحروب، ونتيجة لتنامي القضايا التي تهم كوكب الأرض بأكمله مثل قضايا البيئة ونزع أسلحة الدمار الشامل وقضايا الصراعات الإقليمية، نتيجة لهذه القضايا المشتركة نشطت منظمات جديدة وجدت أن من مصلحتها تجاوز الدولة التي غالباً ما تتمسك بسيادتها وترفض الانصياع لمطالب هذه المنظمات.
ثم لم يلبث مجتمع المنظمات غير الحكومية أن شهد مرحلة ثالثة تمثلت في زيادة تخصص المنظمات غير الحكومية وازدياد تنوع هذه التخصصات إلى درجة تكوين منظمات لمراقبة الدول، ومن ذلك المنظمات الدولية المراقبة أوضاع حقوق الإنسان وحركات السلام، وحركات نزع السلاح النووي، هذه المنظمات يقتصر دورها على الرقابة المعلوماتية على الدول التي تدخل في نطاق اهتمامها. وبعض هذه المنظمات صار يحل محل الدول الصغيرة التي بدأت تتساقط في النظام الدولي مثل الصومال ورواندا وبوروندي، فهذه الدول لا تديرها حكوماتها بالفعل، بل الذي يديرها هو تلك المنظمات الإغاثية المنتشرة فيها بدءاً من منظمات الإسعاف إلى المنظمات الدينية التي غالباً ما تقدم الخدمات التعليمية إلى المنظمات الإغاثية التي تقدم الطعام والمأوى والملبس.
وقد أسهمت ثورتا النقل والاتصال في دعم حركة هذه المنظمات كما أننا أشرنا من قبل إلى أن هذه المنظمات آثرت اختراق دول الجنوب والوصول مباشرة إلى شعوب العالم الجنوبي لتحقيق هدفين: أولهما: تجاوز البيروقراطية في دول الجنوب والتي تمتص نسبة كبيرة من المعونات التي يتم إرسالها للمعوزين في دول الجنوب.
وثانيها: أن هذه المنظمات كثيراً ما ترتبط بأهداف خاصة بها أو بمن يمولها، سواء كانت جهات حكومية أو غير حكومية، وغالباً ما تعتبر هذه المنظمات أن الدولة حجر عثرة في سبيل نشاطها. ومن هنا حرصت هذه المنظمات على تكوين وكالات في دول الجنوب تحت اسم المنظمات غير الحكومية.
والاتصال بين هذه الوكالات المحلية وبين راعيها يكون بعيداً عن يد الدولة. وهكذا تخترق هذه المنظمات حاجز الدولة من ثلاث جهات أولها أنها تقوم باختراق سيادة الدولة وذلك بسبب أنشطتها المعلوماتية والاتصالية مع الخارج. وثانيها، أنها تعتبر نفسها بديلاً عن الدولة في كثير من الأنشطة التي يغلب عليها الطابع الإغاثي والخدمي مثل أنشطة مساعدة المواطنين الواقعين تحت خط الفقر بتقديم خدمات غذائية أو تعليمية أو صحية، أو أنشطة التدخل في حالات الكوارث الإنسانية كالزلازل والفيضانات والسيول . وثالثها: تعتبر هذه المنظمات نفسها رقيباً على الدولة في أمور عدة من بينها أنشطة حقوق الإنسان، وأنشطة مراقبة الالتزامات الدولية باتفاقات السلام الأهلية أو الدولية .... إلخ.
إن تأثير المتغيرات العالمية كافة، وهذه المتغيرات الثلاث بخاصة على الدولة لا يعني سوى أمر واحد. وهو أن الدولة بالمفهوم الذي تعرفه تودعنا في بعض المناطق مخلية الواقع لدولة أخرى بمضمون آخر فهذه المتغيرات وغيرها تؤثر على قوة الدولة من ناحية، وعلى أدوار الدولة من ناحية، وعلى مكانة الدولة في نفوس مواطنيها من ناحية ثالثة.
هذه المتغيرات أدت إلى التأثير في قوة الدولة، وإن كان البعض ينفي ذلك. فالبعض يرى أن هذه المتغيرات لم تؤثر على قوة الدولة بالنسبة لما فوقها (أي المجتمع الدولي) أو بالنسبة لما تحتها (أي المجتمع القطري) المجتمع الذي يقع داخل حدود الدولة.
وفريق آخر يرى أن الدولة ليست كياناً واحداً. بل هي كيانات وقوى متعددة، فقوى الدولة عديدة منها القوة الضبطية والقوة الاقتصادية والقوة الإعلامية والقوة الإدارية، وهنا نلحظ أن المتغيرات التي نحن بصددها قد هزت مجموعة من القوى فالمتغير الاتصالي هز القوتين الإدارية والإعلامية للدولة، لأنه من ناحية خلق مجالات اتصال لأطراف أخرى غير الدولة مثل الأفراد والمنظمات غير الحكومية، كما أنه من ناحية أخرى أنهى أو هز القوة الإدارية للدولة من حيث رقابتها على المجتمع. فالقوة الإدارية هي البيروقراطية بمختلف وظائفها. واختراق أدوات الاتصال للدولة على النحو الذي أوضحناه أضعف من رقابة الدولة على المجتمع وهذه الرقابة جزء من إدارة الدولة للمجتمع. كما أن هذه المتغيرات هزت القوة الاقتصادية للدولة لأنها من ناحية الاقتصاد ضغطت من أجل إطلاق حرية رأس المال في اختراق الحدود وعدم تقييده ولضمان حريته ضد محاولات التأميم والمصادرة وخلافه بمراقبة الوضع السياسي للدولة، والقوى الناشطة فيها، واحتمالات الهبات الشعبية، كما كان الحال في إندونيسيا في حالة سوهارتو، كما أن هذه المتغيرات أتاحت للقطاعين الخاص والأهلي تنمية قوتهم الإدارية بحيث صارت منافساً لقوة الدولة الإدارية مما أثر تباعاً على قوة الدولة الاقتصادية، حيث كانت أحد أهم حجج التخصيصية وبيع قطاع الإنتاج الذي تملكه الدولة هو وجود القوة الإدارية في القطاع الخاص والإبداع الإداري في القطاع الأهلي مقارنة بضعف الأداء الإداري في القطاع الإنتاجي المملوك للدولة. أما ما يتعلق بالقوة الضبطية للدولة، فعلى الرغم من نظم الأمن الخاصة التي غالباً ما تصاحب دخول الشركات متعدية الجنسية إلى أية دولة، وعلى رغم تطور هذه النظم الأمنية الواضح إلا أنها لم ترق بأي حال لأن تقارن بالقوة الضبطية للدولة.
تآكل أدوار الدولة:
إذا كان ذلك حال قوة الدولة فإن أدوار الدولة أيضاً أصابها قدر كبير من التآكل، فالدولة منوط بها أداء مجموعة وظائف تشكل في مجموعها الدور الذي تلعبه الدولة أو يجب أن تلعبه حيال مجتمعها. إلا أن هذه المتغيرات أتت على أدوار الدولة في مجموعها بتأثير سلبي. فمن الناحية النظرية أدت هذه المتغيرات إلى تراجع وتقليص الأدوار الاقتصادية للدولة، بحيث عملت على سحب يدها من جل الأنشطة الاقتصادية التي كانت تقوم بها في السابق، ولم يبق من هذه الأدوار سوى دور الإدارة الاقتصادية وهي الخاصة بمكافحة التضخم وتحديد سقوف الائتمان وحدود التعامل المصرفي. إلخ وعلى الصعيد الاجتماعي أدت الضغوط الاقتصادية إلى تراجع الدولة عن مباشرة أدوارها الاجتماعية، فبدأت بشكل عام تنسحب تدريجياً من أدوارها التعليمية، ثم من أدوارها الصحية، ثم من أدوارها الإغاثية، وتم الاعتماد على شراكة القطاع الأهلي في القيام بهذه الأدوار نيابة عنها.
أما القوة الإعلامية فقد شهدت تراجعاً في كثير من الأدوار، ولا تزال الدولة في عدد غير قليل من الدول تمسك بالأداة الدعائية والمعلوماتية، إلا أن عموم هذه الأدوار وبخاصة الأدوار الإعلامية والترفيهية خرج إلى القطاعين الخاص والأهلي. الأدوار الضبطية أكثر الأدوار التي تحتكرها الدولة، ومع ذلك ونتيجة تراجع مكانة الدولة نجد أن نشاط القطاع الأهلي، وبخاصة الشق التقليدي من هذا القطاع بدأ يشرع في مشاركة الدولة في دورها الضبطى من خلال التكوينات الاجتماعية العرفية التي تنتشر في المجتمعات المختلفة.
هيبة الدولة ومكانتها:
المتغيرات السالفة الإشارة إليها أدت لتراجع مكانة الدولة في أعين المواطنين، ومؤشرات ذلك: بداية العودة القوية للتنظيمات والتشكيلات والكيانات العائلية والعصبية، وانتشار مظاهر التحايل على الدولة، والاستنجاد بالخارج في مواجهة الدولة القومية، وهذه السلوكيات تقود إلى مزيد من تراجع هيبة الدولة ومكانتها في أعين مواطنيها، وبخاصة في ظل تخلي الدولة أو انسحابها عن تقديم الخدمات الأساسية التي حرصت على تقديمها والتزمت بذلك..