; الحشيش عالم آخر.. الحلقة «٩» | مجلة المجتمع

العنوان الحشيش عالم آخر.. الحلقة «٩»

الكاتب د. نجيب الرفاعي

تاريخ النشر الثلاثاء 10-يونيو-1980

مشاهدات 76

نشر في العدد 484

نشر في الصفحة 34

الثلاثاء 10-يونيو-1980

جولة حية في عالم التيه والضياع

* زراعة الحشيش دارجة في بيوت الشباب الأمر يكي

* البعض لا يحلو له المذاكرة إلا على أصوات الموسيقى الصاخبة

* إننا لا نعيش إلا حياة واحدة فقط!!

مضت السيارة تمخر عباب صحراء الأريزونا في الولايات المتحدة الأمريكية، كان ذلك في أوائل الشهر السادس منذ خمس سنوات مضت من عمر الإنسان.. الجو لا زال في بدايات الصيف، فهو معتدل في هذه الصحراء القاحلة. وفتح «توم» ذلك الشاب الشرس الذي كان متزعمًا اللامبالاة والفوضى في المجموعة المذياع على أحد المحطات الإذاعية لتلقي على أسماع الركاب سيلًا من الأغاني الأمريكية.. وبعد لحظات وقفت القافلة المكونة من ثلاث سيارات عند أحد الجبال لتجري فحصًا جيولوجيًا على تركيب ومكونات قطاع من هذا الجبل الضخم بعد فترة من الوقت استغرق في المناقشة وحل بعض التمارين المرتبطة بالمقرر الدراسي. 

استأنفت القافلة سيرها متجهة إلى غرب أمريكا إلى ولاية نيفادا المشهورة بتوفر كافة القطاعات والتركيبات الجيولوجية إلى جانب توفر كافة قطاعات وتركيبات الفساد من قمار وزنا وغير ذلك من المفاسد فهي الولاية الوحيدة في أمريكا التي تعتمد ميزانيتها اعتمادًا أساسيًا، بل كليًا على الفساد!!.. فتح توم مرة ثانية المذياع، ولكن الإذاعة بدأت مشوشة، وبالنظر إلى خارج السيارة وجد أن الإريال قد كسر بفعل الرياح.. تأفف ركاب السيارة من هذا الوضع الذي يبدو للكل بأنه وضع محزن، وأما بالنسبة إلي فبدى وضعًا مريحًا من إزعاجات الإذاعات الأمريكية المسماة بالغناء الغربي.. وحمدت الله على أنني في السيارة التي مات فيها جهاز الراديو. 

وقفت السيارة عند محطة البنزين، وحالما وضع عامل البنزين خرطوم البنزين في السيارة خرجت المجموعة التي كانت في السيارة وكأنها كانت محبوسة في سجن انفرادي، وذهب البعض إلى السيارات الأخرى ليخبرهم بالخبر الحزين عن وفاة الراديو المسكين، وضحك أفراد المجموعات الأخرى على مجموعتنا مبينين اغتباطهم بأنهم واصلوا سماع البرنامج الغنائي الذي كان يبث أحدث الأغاني وأشهرها.. ولا غرو في ذلك فقد أصبح وجود الراديو وجهاز الأسطوانات والمسجل من الأمور التي تقدم أحيانًا على تجهيز الضروريات في المنزل كالمطبخ وغرفة النوم وقاعة الطعام.. إلخ.

بل إن البعض لا يحلو له المذاكرة والدراسة إلا على صوت الأغاني الصاخبة التي تزعج سابع جار، وهذا المنظر شاهدته عيانًا على المبنى المخصص لطلبة الدراسات العليا الماجستير والدكتوراه.

هذا الإزعاج أمر معتاد أيام الدراسة الممتدة من خمسة أيام في الأسبوع تبدأ الاثنين وتنتهي عصر الجمعة، وهو في نظرهم أنغام هادئة جدًا جدًا. 

أما في يوم الجمعة الذي هو عيد المسلمين الأسبوعي فهو ذاته جعله الأمريكان عيد الخزي المنكر الأسبوعي، بل إنه يمتد في أغلب الأحيان حتى صباح الأحد.. فهم يؤمنون إيمانًا لا تشوبه شائبة في المثل الأمريكي الدارج على لسان كل شاب وشابة. «إنها حياة واحدة فقط نعيشها»

يقصدون بذلك إنكارهم البعث والنشور وحياة البرزخ.. وبالكاد لا يسمع المار على مباني سكن طلاب الجامعة غرفة واحدة خالية من الأنغام الصاخبة ولا يشم رائحة السجائر الممزوجة بروائح مؤذية قاتلة هي الحشيشة والمخدرات والأفيون.. 

ممتزجة هذه الصورة القاتمة بضحكات السكارى والمعربدين.. ضحك الشاب الفوضوي «توم» بضحكته الهستيرية المميزة وبنبرة جلافة بدو أمريكا أو المسمين «كاوبوي» قال لركاب السيارة: "لقد أصلحت جهاز الراديو!! فانقلبت الوجوه البائسة الحزينة من جراء ذلك الخبر إلى وجوه تكاد الضحكات العنيفة أن تعمل تقلصات حادة في عضلات الوجه من الفرحة والسرور أما أنا فقلت لا حول ولا قوة إلا بالله..  اللهم إليك المشتكى.. وتعلم الحال يا عليم بكل حال.. 

وأثناء سير القافلة أدار «توم» مفتاح الراديو ولكن ليس على أدنى درجة، بل رفعه حتى كادت سماعات الجهاز أن تنفجر من عنف وصخب الأغاني المقدمة.. وأثناء السير أخرج «توم» لفافة ورق شفافة جدًا ووضع بداخلها مادة لم أميز لونها ثم لف هذه السيجارة بكل عناية ولطف كما تلف الأم الوالدة رضيعها البكر.. وضعها في فمه بكل خشوع وحنان وكأنه بذلك يهديها قبلاته الحارة قبل أن يحيلها بعد ثوان الى جمرة حارة.. فرك «توم» الشاب الشقی يدیه مستعجلًا «توم»- هيا أشعلها يا ابن..!!

ابتسم «توم» وأشعل سيجارته وأخذ نفسًا طويلًا جدًا جدًا وبعد ان انتهى أعطى السيجارة المختلفة عن بقية أنواع السجائر الأمريكية الأخرى حيث سرعة احتراقها بطيئة للغاية لزميله المجاور عن يساره وشفط شفطة أخرى ومن ثم سلمها لسائق  السيارة الذي كان متلهفًا كما يبدو ذلك من قسمات وجهه ونظرات عينيه الزائغتين ثم جاء دوري فرفضت إذ إنني معروف بأنني لا أدخن ضحك «توم» والتفت الي وكأن قسمات وجهه الناطقة تقول إلي: مسكين أيها المغترب.. كما تركت من لذات وكمْ قيدت نفسك بقيود أنت في غنى عنها..  كيف تعيش!؟ كيف تستمتع بحياتك؟.. كيف ذلك وأنت كل شيء عندك حرام وممنوع ولا يجوز.

 قال «توم»: لم لا تجربها إنها ليست سجائر من السجائر المعتادة التي حرمتها على نفسك بدون وجه حق.. قلت له: ما هذه اللفافة؟.. قال: ألا تعرفها حقا!!.. قلت: كلا.. قال: آنها أجود أصناف الماريجوانا!!.. 

سكت وسألت الله في سريرتي ألا ينزل علينا عقابه بأن يذهب سائق السيارة الذي حصل على نصيب الأسد من هذه الحشيشة في عالم آخر ومن ثم يحدث مكروه للسيارة. قال «توم» لما وصلت إليه الحشيشة المشتعلة جمرًا وحرارة: نجيب.. إنها حياة واحدة فقط نعيشها ونستمتع بها وأجد صعوبة في استيعاب ما تقوله عن حياة أخرى!! 

وتعاطف معه «جون» قائلًا: هل تعلم يا نجيب أنني مكتف ذاتيًا بالماريجوانا.. قلت: كيف!؟ هل تتعامل مع المافيا وعصابات تهريب المخدرات؟ قال: لم أراك ضخمت المسألة وأدخلت المافيا وعصابات المخدرات؟! إنني أزرعها في بيتي وفي كل شهر أقطف ثمرتها وأحشش بكل راحة!! بل لقد أصبح الأمر عاديًا لدينا نحن الأمريكان فقلما تجد شابًا ليس لديه مزرعة حشيش؟! قلت: أليس ذلك ممنوعًا في شرائعكم. قال: بلى ولكن ما العمل انهم لن يستطيعوا مداهمة منزلي وإلقاء القبض على بتهمة زراعة المخدرات، فالقانون بذلك يحميني.

حمدت الله لما وقفت القافلة عند إحدى الحدائق المخصصة للسكن فأنفي زكم من رائحة الماريجوانا وطلبلات أذني قاب قوسين أو أدنى من الانفجار من جراء صخب أغاني مذياع السيارة.. ذهبت إلى صنبور الماء متوضئًا مستشعرًا سقوط ذنوب الأغاني لكلام الفارغ.. واختليت مع ربي لحظات في ركيعات وسجدات سألت الله فيها أن يغفر لي ويعينني على ما أنا فيه ويثبت قدمي حتى يوم ألقاه.. وبعدها سمعت عواء كعواء الذئاب أو الكلاب، بل هي قطيع من الذئاب. 

دلفت خيمتي وسألت جاري الفنزويلي «خوزيه» عن هذا الهجوم. قال: اطمئن.. اطمئن.. إنهم الأمريكان مرة أخرى!! قلت: أو قد عادوا إلى سكرهم ومجونهم؟ هز رأسه وبابتسامة باهتة ولف فراشه وراح في شخير ومخير. أطفأت السراج ورددت دعاء النوم المعهود عن خير البرية- صلى الله عليه وسلم- متمتمًا:.. فإن أمسكت نفسي فامسكها وأنت راضٍ عنها وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين.. أغمضت عيني ومرت مشاهدات يومي سريعة جدا.. «توم» «المزعج».. «توم» وحشيشته.. «جون» ومزرعته!!.. إنها حياة واحدة نعيشها.. 

الحمد لله على نعمة الإسلام.. 

الحمد لله على نور الإيمان.. 

الحمد لله الذي أحيانا على الفطرة السليمة.. 

الحمد لله.. الحمد لله.. الحمد لله.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل