العنوان الحرب التي التهمت حقوق الأجيال الحاضرة والقادمة!
الكاتب عبدالله الصالح
تاريخ النشر الثلاثاء 14-أكتوبر-1986
مشاهدات 69
نشر في العدد 787
نشر في الصفحة 20
الثلاثاء 14-أكتوبر-1986
- الحرب
تكلف إيران حوالي ۳۳۰ مليار دولار والعراق حوالي ١٧٥ مليار
دولار!
- الحرب
العراقية- الإيرانية تدخل التاريخ كأكبر الحروب الحديثة كلفة اقتصادية!
دخلت الحرب العراقية- الإيرانية عامها السابع وسط تكهنات بامتدادها إلى أمد لا
يعلمه إلا الله! وتشير الدلائل إلى أن إيران تعد لهجوم كبير في الأيام القريبة القادمة،
أعدت له- كما تقول مصادر مختلفة- حوالي خمسمائة كتيبة، يبلغ تعداد كل كتيبة حوالي ألفي
مقاتل! وفي المقابل فإن العراق آخذ في الاستعداد للمواجهة المرتقبة بزيادة أفراد القوات
المسلحة، وتطوير وسائل وتكنولوجيا الحرب، بالإضافة إلى توسيع الأهداف العسكرية لتشمل
مرافق إنتاج وتجميع وتصدير النفط الإيراني.
وإذا كانت القيادة الإيرانية قد رفضت حتى الآن كل العروض العراقية لوضع أوزار
الحرب، والتفاوض لتسوية النزاع سلميًا، كما رفضت كل النداءات أو الوساطات الإسلامية
والدولية، فإن الواجب والمنطق والحكمة تقتضي منها الاعتبار بنتائج الحرب المأساوية
على الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
وإذا كانت القيادة الإيرانية تعلم أن القوى الدولية غير مبالية تجاه امتداد الحرب،
باعتبار أن ذلك يخدم مصالحها على حساب مصالح الشعبين الإيراني والعراقي والشعوب المجاورة؛
فإنها مطالبة- بحكم العقل والمنطق والحكمة- ألا تجعل ذلك مسوغًا للإصرار على مواصلة
القتال، بل باعثًا قويًا لوضع حد لدمار الحرب الذي تتعدى آثاره الحاضر إلى المستقبل
البعيد! وإذا كان من الطبيعي أن يتم إخماد الحريق وإسعاف المصابين قبل التحقيق في أسبابه،
فإنه من الطبيعي أيضًا أن تبادر القيادة السياسية الواعية إلى إخماد نيران الحرب قبل
أن تأتي على كل شيء فلا تبقي له أثرًا.
لقد كلفت الحرب طرفيها حوالي مليون إنسان بين قتيل وجريح وأسير، وللقارئ أن يتخيل
ما يترتب على ذلك من مآس اجتماعية وانعكاسات نفسية! وإذا استخرجنا من قلوبنا الرحمة
والمشاعر الإنسانية فقلنا: إن القوى البشرية سيتم تعويضها فيما يستقبل من زمان! فإن
هناك آثارًا لا نحسبها كذلك!
وإذا كانت انعكاسات الحرب كلها خطيرة إلى الحد الذي يجعل العاقل يصف من لا يتعظ
بها بالجنون، فإننا- من واقع لغة عصرنا- نحب أن نذكر بالانعكاسات الاقتصادية للحرب
بلغة الأرقام.
الخسائر الإيرانية
هناك عدة تقديرات للخسائر الإيرانية تتراوح ما بين ٣٠٠ إلى ٦٠٠ مليار دولار أميركي،
ومع وجاهة أسس تخمين بعض هذه التقديرات؛ فإننا سنعتمد الأرقام التي نشرتها الجهات الإيرانية
الرسمية.
جاء في تقرير إذاعته وزارة التخطيط والميزانية الإيرانية يوم 21/9/86 أن الخسائر
الاقتصادية التي تكبدتها إيران خلال الفترة 1/9/80 – 1/9/85 بسبب الحرب مع العراق يمكن
تقديرها بمبلغ 309 مليار دولار، وأوضحت وكالة الأنباء الإيرانية أن هذا الرقم لا يشمل الخسائر البشرية
والعسكرية، لكنه يشمل الخسائر في قطاع النفط التي بلغت حوالي 160 مليار دولار، ويعتقد
اقتصاديون أن هذا الرقم لا يشمل الخسائر الناجمة عن انخفاض إنتاج أسعار النفط التي
تقدر بالنسبة للبلدين بمعدل حوالي 4.5 مليار دولار سنويًا! ولا نريد أن نضيف هذه الخسارة
لغرض التبسيط وبيان الأرقام الفعلية؛ لأنه فيها وحدها عبرة تزجر العالم بأسره!
وفيما يتعلق بالديون الخارجية تشير المعلومات المتوافرة إلى أن إيران لا تتحمل
أية ديون تذكر حتى الآن، يعتقد أنه في ضوء انخفاض أسعار النفط بشكل حاد منذ بداية العام
الجاري، وانخفاض الإنتاج منذ أغسطس الماضي، ستلجأ إيران إلى الديون، لأن عائدات النفط
لن تتجاوز 7 إلى 9 مليار دولار هذا العام، فيما تكلفة الحرب تزيد عن (20) مليار دولار سنويًا!
وبسبب استنفاد احتياطي العملات الأجنبية لجأت إيران إلى مقايضة النفط بالمستوردات
العسكرية والمدنية، الأمر الذي أسهم في انخفاض أسعار النفط، خاصة وأن سوق النفط تشهد
تخمة نفطية.
ولو أخذنا في الحسبان الخسائر الناجمة عن انخفاض إنتاج وأسعار النفط لبلغت جملة
خسائر إیران حوالي 450 مليار دولار!
الخسائر العراقية
وإذا انتقلنا إلى الجانب العراقي؛ فإننا لا تجد أية أرقام رسمية حول خسائر الحرب،
ولكي لا نعتمد على التقديرات التي لا تستند على أسس علمية؛ فإننا سنضرب صفحًا عن التكهنات
الصحفية الأجنبية والعربية.
ولعل خير دراسة ظهرت حتى الآن حول آثار الحرب الاقتصادية هي الدراسة التي نشرتها
مجلة المستقبل العربي- للدكتور عباس النصراوي- في شهر يوليو الماضي، فقد قدرت الدراسة
خسائر العراق العسكرية على أساس وارداته العسكرية خلال الفترة 80 – 85 بحوالي 94 مليار دولار، كما
قدرت الخسائر الناجمة عن انخفاض إنتاج وأسعار النفط بحوالي 55 مليار دولار! وأما الخسارة
الناجمة عن انخفاض الناتج القومي بسبب أعباء الحرب فقد قدرتها الدراسة بحوالي 26 مليار
دولار، وبذلكم تكون مجموع خسائر العراق حتى نهاية عام 1985 حوالي 175 مليار دولار!
وقد اضطر العراق لاستنفاد احتياطيه العام البالغ حتى عام 1980 حوالي 30 مليار دولار، كما اضطر لاستدانة حوالي 50
مليار دولار اعترف العراقيون منها بـ30 مليار دولار فقط! وبدأ العراق هذا العام يواجه مشكلة سداد الديون
التجارية التي تقدر بحوالي 15 مليار دولار معظمها مع بنوك أوروبية غربية ويابانية،
والعراق جاهد في التوصل لاتفاقيات مع الأطراف المعنية لتأخير مواعيد السداد؛ لأن عائدات
النفط لن تزيد هذا العام عن (9-12) مليار دولار طبقًا لآخر التقديرات.
وباقي الديون العراقية وهو (35) مليار دولار لا يشكل عبئًا ثقيلًا في الوقت الحاضر؛
لأنها تعود لدول الخليج العربية والتي يعتقد بأنها لن ترد.
وإذا أخذنا بنظر الاعتبار التكاليف العسكرية فقط، فإن كلفة الحرب السنوية للعراق
تبلغ حوالي 16 مليار دولار.
مقارنات
وإذا أخذنا بنظر الاعتبار الكلفة الكلية للحرب الحقيقية والمقدرة؛ فإن معدل الكلفة
السنوية لأعباء الدفاع نسبة إلى الناتج القومي تبلغ حوالي 70% بالنسبة لإيران، وحوالي
90٪ بالنسبة للعراق فيما بلغت هذه النسبة في معظم دول المنطقة حوالي 8% فقط!
وإذا جمعنا كلفة الحرب بالنسبة لإيران والعراق معًا؛ فإن الرقم يبلغ حوالي 500
مليار دولار، وهو رقم يزيد بحوالي 134 مليار دولار عما استلمه البلدان من عائدات نفطية
منذ بدء التصدير في عام 1919 بالنسبة لإيران، وعام 1930 بالنسبة للعراق وحتى عام 1985!
وإذا قارنا كلفة الحرب العراقية- الإيرانية بكلفة حرب فيتنام (65-74) نجد أن
الحرب العراقية الإيرانية كانت أكثر كلفة حتى الوقت الحاضر! فكيف إذا استمرت لسنوات
أخرى؟! فقد كلفت حرب فيتنام حوالي 316 مليار دولار أميركي كان نصيب أميركا منها ما
شكل نسبة 3- 4٪ من الناتج القومي فقط! وإذا أخذنا في الحسبان التكاليف غير المباشرة
للحرب على كل من العراق وإيران، وعلى الدول المجاورة؛ فإنه يتضح أن الحرب العراقية
الإيرانية ستدخل التاريخ كأكبر الحروب كلفة اقتصادية على الإطلاق، ويجب أن لا ننسى
أن كلًّا من إيران والعراق قد لجأ إلى مقايضة النفط بالسلاح والمعدات العسكرية والمستوردات
المدنية، وبناء على ذلك فإن النفط العراقي والإيراني سيظل لسنوات طويلة قادمة مرهونا
للدول الغنية المصدرة للسلاح والغذاء، وهي في معظمها دول غربية، الأمر الذي يفسر عدم
مبالاة تلك الدول بوضع نهاية سلمية سريعة للحرب العراقية- الإيرانية.
وإذا كان العراق وإيران قد استنفدا الاحتياطيات المالية السابقة، واحتياطيات
النفط لسنوات مقبلة، فإن ذلك يعني أن الحرب أكلت حقوق الأجيال الحاضرة والأجيال القادمة،
وهكذا حرب.. مجنون ومجرم من لا يعمل على وقفها في أسرع وقت ممكن!
وإذا حسبنا التكاليف والآثار السياسية والاجتماعية والنفسية، وويلات ومآسي الحرب؛
فإن المصيبة تتضح أكثر، ووالله إنه لمجرم يستحق المحاكمة من لا يأذن للحرب أن تضع أوزارها.
واستحضار مثل هذه الآثار لا يدع مجالًا عند العقلاء للجدال والمماحكة، فيمن بدأ
الحرب أو كان السبب في اشتعالها، أو التعجيز في شروط إنهائها.
اللهم اهد القوم، وسلم الأبرياء، وفرج عن المسلمين.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل