; الثورة تنتصر.. تؤرخ لفجر عربي جديد.. مستقبل مصر بعد ثورة «٢٥ يناير» | مجلة المجتمع

العنوان الثورة تنتصر.. تؤرخ لفجر عربي جديد.. مستقبل مصر بعد ثورة «٢٥ يناير»

الكاتب محمد جمال عرفة

تاريخ النشر السبت 19-فبراير-2011

مشاهدات 57

نشر في العدد 1940

نشر في الصفحة 10

السبت 19-فبراير-2011

  •  أحد أبرز مظاهر الثورة أن أوائل الداعين إليها والمنظمين لها لم يكونوا فقراء يبحثون عن المال.
  •  المستشار البشري: الثورة لم تنجح كليا حتى الآن.. لأنه لم يترتب عليها تغيير كامل للنظام.
  •  أهم عوامل النجاح في إرساء ديمقراطية راسخة هو وجود ائتلاف مدني قوي متماسك قبل التغيير.

في يوليو الماضي (۲۰۱۰م)، نشرت مجلة «إيكونوميست» البريطانية دراسة مهمة بعنوان The long wait أو الانتظار الطويل، كانت تتنبأ فيه ضمنا بما سيحدث في مصر من ثورة، عبر سرد معلومات عن التدهور الاقتصادي والفساد والرشوة والمحسوبية المحيطة بالرئيس «مبارك»، وعدم مبادرته بوضع نهاية له، وصل إلى حد وضع صورة مركبة على غلاف العدد للرئيس بالزي الفرعوني كتمثال يغرق في رمال الصحراء. 

وكأن المجلة كانت تستلهم تصريحًا شهيرًا لحكمدار مصر «الإنجليزي وحاكمها لمدة ثلاثين سنة جون راسل باشا» قبل حركة ٢٣ يوليو ١٩٥٢م، يقول فيه: إن المصريين مثل رمال الصحراء الناعمة، تستطيع أن تمشي فوقها مسافة طويلة، ولكنك لا تعرف متى تفاجئك وتتحرك وتبتلعك! 

وقتها، قبل ستة أشهر، اعتبرت المجلة أن التغيير قادم إلى مصر لا محالة، مشيرة في الدراسة - التي نشرت بعنوان آخر هو «الرمال المتحركة التغيير قادم إلى حلفاء الغرب العرب» - إلى أن كل المؤشرات تؤكد أن هناك تغييرًا وشيكًا على الساحة في مصر. 

والحقيقة أن التوقع الجيد للمجلة لهذه الثورة بناء على معطيات سلبية سياسية واقتصادية، كان افتراضًا لم يغفله أحد في مصر، ولكن ظل السؤال: من يقوم بهذه الثورة؟ وهل خصائص «الصبر» التي يتحلى بها الشعب المصري على حكامه بحسب التاريخ جعلته ساكنًا بعد ثلاثين عاما من حكم «مبارك»؟ 

ولم تتأخر الإجابة، عندما انطلق الشباب وسالت الدماء، لينضم لها عفويا كل أصحاب المظالم في مصر: سواء سياسيًا أو اجتماعيًا أو اقتصاديًا. 

تديُّن حقيقي 

أما ما لم ترصده المجلة، وظهر لاحقًا في ثورة ٢٥ يناير، فهو ظاهرة التديُّن الحقيقي؛ إذ كانت صيحة «الله أكبر» أحد شعارات ثورة الشباب المصري، وكانت ثورتهم أول ثورة تشهد متظاهرين يصلون فروضهم في الشارع أمام قوات الأمن، وهي تطلق عليهم في ركوعهم وسجودهم خراطيم المياه والرصاص والغازات المسيلة للدموع (!)، بل وكان يقودها العشرات من علماء الأزهر، وكل هذا بدون تطرّف أو قيادة تيار بعينه لهم فيما انخرط المسيحيون في صلوات متتالية في ميدان التحرير. 

كما أن أحد أبرز مظاهر هذه الثورة أن أوائل الداعين لها والمنظمين لها لم يكونوا فقراء يبحثون عن المال فقط، وإنما من أسر ثرية تمتلك أجهزة الاتصالات الحديثة من أجهزة «موبايل» وكمبيوتر وغيرها.. وظهروا رصد وجود شبكة واسعة من أعمال الخير في ميدان التحرير بصورة لافتة دفعت بعضهم إلى الحديث عن شباب الأحياء الراقية، وتم والتبرعات بين المصريين قبل وبعد الثورة تساهم في استقرار الأوضاع فيها، وتساهم بوضوح في انخفاض معدلات الجريمة بحيث يشعر الفقراء بأنه في وسعهم أن يبقوا في منازلهم ويحصلوا على الحد الأدنى الذي يسمح لهم بالبقاء، وكان لها نفس الدور خلال الثورة بتوفير مستلزمات المعيشة في الميدان تحت المطر الغزير من بطاطين وجوارب ومظلات وأقمشة بلاستيكية بل وقيام هؤلاء الشباب بتجميل الميدان بعد نجاح ثورتهم. 

ماذا بعد؟ 

بعد احتفال المصريين بسقوط وتنحي الرئيس «مبارك»، كانت الهواجس لا تزال تتسرب: هل يعني هذا إسقاط النظام بالكامل؟ هل انتصار الثورة ناقص لأن أنصار النظام القديم مازالوا في الحكومة بعدما أبقى الجيش على الحكومة القديمة لتسيير الأعمال؟ هل يسعى قادة الجيش إلى حالة من الوسطية بين ما يطالب به الشباب، ورغبات الجيش في عدم انجراف مصر نحو حالة من الحرية ربما تؤثر على استقرارها وتخلق حروبًا؟ 

كل هذا في ضوء المخاوف التي يرددها الصهاينة والأمريكان من عودة قوية للإخوان المسلمين على الساحة السياسية، بعد دورهم القوي في إنجاح الثورة، ومن ثم يمارسون دورا - هم أو التيارات القومية الأخرى - في إلغاء معاهدة السلام مع الكيان الصهيوني أو الدخول مع «تل أبيب» في خلافات تنتهي بحروب، برغم ذكاء جماعة الإخوان في غلق هذا الملف مبكرًا بإعلان عدم ترشحها للرئاسة، وعدم نيتها  السيطرة على البرلمان. 

واقع الأمر - كما يقول المفكر الإسلامي المستشار طارق البشري نائب رئيس مجلس الدولة الأسبق - أن «الثورة لم تنجح كليا حتى الآن؛ لأنه لم يترتب عليها تغيير كامل للنظام، كما أن الدستور القديم ما زال قائمًا وليس من الضروري تغييره بالكامل. 

ويقول: إن الوضع السياسي هو أساس النظر في الوضع الدستوري والقانوني وهو أساس النظر في التشكيل الدستوري المطلوب والاختيار بين البدائل القانونية المتاحة، فنحن في حالة ثورية شعبية عميقة وهي أشمل وأعمق مما مر بنا في عشرات السنين الماضية، من حيث الانتشار الشعبي والحماس، واستخدام أكثر أساليب العصيان المدني شمولًا وتحضرًا». 

إلغاء الدستور 

ويضيف البشري: إن «الدستور في تقديري باق ما دامت لم تسيطر على السلطة جماعة جديدة غير من هم موجودون فيها، وإن إزاحة أجنحة من السلطة واسترداد أجنحة أخرى منها لكامل الأوضاع في الحكم لا يفيد في تقديري انتهاء العمل بالدستور.. وإذا أعلنت الجماهير في كل شوارع مصر سقوط الدستور، فلا يكون ذلك إسقاطًا ما دامت الفئة الحاكمة كلها أو بعضها لا تزال قابضة على ناصية الأمور.. وهنا أيضًا يجب أن نتذكر أن السياسة أولًا، والوضع السياسي هو الأساس، ثم يأتي بعد ذلك التعبير الدستوري عن هذا الوضع، فما دامت الجماعة الحاكمة في مركز السيطرة على الدولة؛ فإن الدستور المعبر عن الوضع القائم بها يبقى قائمًا، وإن مجرد القيام بالثورة لا يسقط الدستور إلا بعد أن تتولى القوة الثائرة السلطة فعلًا» 

ويتابع: «أما القول: إن الدستور القائم سقط بالعملية الثورية التي بدأت في ٢٥ يناير، فهو قول غير سديد في ظني من الناحيتين السياسية والدستورية؛ لأن قوة جديدة لم تصل إلى الحكم من الناحية السياسية بعد، ولأن من قال بسقوط الدستور من الناحية القانونية، إنما استند في زعمه إلى المادة الثالثة من الدستور، وهي تنص على أن السيادة للشعب وحده، وهو مصدر السلطات، ويمارس الشعب هذه السيادة ويحميها ويصون الوحدة الوطنية على الوجه المبين بالدستور»... فالدستور لا يلغى جملة أبدًا إلا من خارجه، ويفعل سياسي تسيطر به قوة سياسية جديدة على السلطة، أو تلغيه السلطة القائمة إن وجدت أنه لم يعد يعبر عن أوضاع جديدة تراها أو تنشئها أو تكون آلت إليها .. أما أن يسقط ذاتيًا ومن تلقاء ذاته بفعل ثوري لم يتول السلطة به أحد بعد، فهذا ما لا أظنه صوابًا.. 

مخاوف الشباب 

والحقيقة أن هذا التخوف من قِبَل شباب الثورة هو ما دفع الكثير منهم إلى البقاء في ميدان التحرير، مطالبين بتنفيذ مطالبهم أولا، وعلى رأسها: حل البرلمان، والتعهد بوضع دستور جديد، وإجراء انتخابات حرة برلمانية ورئاسية، وإلغاء حالة الطوارئ والسماح بحرية الإعلام والصحافة.. وأغلبها مطالب لا تتحقق إلا بتغييرات في الدستور الحالي الذي وصفه كثير من المشرعين بأنه يخلق فرعونا ودكتاتورًا، حتى ولو لم يكن الجالس على السلطة يرغب بذلك!! 

ويعزز هذه المخاوف الشبابية أن الدراسات السياسية تؤكد سجلًا متباينًا من النجاح طويل الأمد للانتفاضات الشعبية.. فوفقًا لتقرير المجموعة فريدوم هاوس لحقوق الإنسان ومقرها واشنطن تحت عنوان كيف تظفر بالحرية من المقاومة المدنية إلى الديمقراطية الراسخة، تبين أن العديد من حالات الانتقال من الحكم الشمولي لم تفض إلى الحرية الكاملة. 

وتفصيل هذا بلغة الأرقام يشير إلى أنه من بين ٦٧ دولة تمت دراسة حالتها، انتقلت من الحكم الاستبدادي على مدى الجيل السابق، أصبحت ٣٥ دولة فقط حرة. و۲۳ حرة جزئيًا، و9غير حرة، وأن أبرز عوامل النجاح في إرساء ديمقراطية راسخة هو وجود ائتلاف مدني قوي متماسك قبل التغيير، وانتهاج المعارضة أساليب بعيدة عن العنف، وهو ما يسعى الشباب حاليا لتنفيذه عبر تشكيل هيئات للثورة تتفاوض مع الجيش.

الرابط المختصر :