العنوان التضحية بحرية الإعلام على مذبح «حرب الإرهاب»
الكاتب حسام عبد الحمید
تاريخ النشر السبت 28-سبتمبر-2002
مشاهدات 56
نشر في العدد 1520
نشر في الصفحة 46
السبت 28-سبتمبر-2002
كان البعض إلى ما قبل أحداث 11 سبتمبر يجادل بأن الإعلام الأمريكي لا يرتبط في معظمه بالسياسات الرسمية للإدارة الأمريكية، انطلاقًا من أن الحرية التي يتمتع بها المجتمع الأمريكي تمنح أجهزة الإعلام مساحة واسعة من الاستقلالية والموضوعية والحيادية.
لكن هذا الاعتقاد ذهب أدراج الرياح، وحل العديد من علامات الاستفهام جراء الطريقة التي يتعامل بها الإعلام الأمريكي مع أحداث سبتمبر التي كانت بمثابة إعلان حرب إعلامية ليس فقط ضد العالم الخارجي وبالذات العالم العربي والإسلامي، ولكن أيضًا ضد المواطن الأمريكي من أجل صياغة عقليته بالطريقة التي تتفق مع الإدارة الأمريكية التي أعلنت هذه الحرب تحت اسم محاربة الإرهاب تنفيذًا لشعار العدالة الأمريكية المطلقة.
تشريعات جديدة
ففي إطار مكافحة ما يسمى بالإرهاب، سارع الكونجرس الأمريكي إلى اتخاذ سلسلة من التشريعات الجديدة للحد من الحريات التي تتمتع بها وسائل الإعلام الأمريكية وعلى الرغم من معارضة العديد من المنظمات المنضوية تحت ما يسمى بالائتلاف من أجل حماية الحرية السياسية إلا أنها لم تنجح في إدخال تعديلات جوهرية على قانون مكافحة الإرهاب الذي أدى إلى الحد من الحريات الأساسية.
وفي ظل هذا القانون تزايدت عمليات الرقابة على وسائل الإعلام الأمريكية، وبات من المتعين على أي وسيلة إعلامية أن تحصل على إذن بالنشر أو الإذاعة لأي مادة تتعلق بحرب أمريكا على ما يسمى بالإرهاب. وتكشف واقعة الصدام بين وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد، وصحيفة نيويورك تايمز- التي نشرت أخبارًا عن أهداف السياسة الأمريكية لإدارة بوش- عن الصدام بين حرية الصحافة ورغبة الحكومة في حجب معلومات عن وسائل الإعلام وعلى إثر ذلك أرسل رامسفيلد رسالة إلى البنتاجون يحذرهم من إفشاء المعلومات السرية معتبرًا ذلك جريمة بموجب القانون الأمريكي، وقال في رسالته: إن تنظيم القاعدة يفتش باستمرار في الأنباء والتحقيقات الإعلامية عن معلومات عن عملية مكافحة الإرهاب.
وتلقت وسائل الإعلام حظرًا بعدم نشر أو إذاعة رسائل بن لادن قبل عرضها على الجهات المختصة لئلا تكون رسائل مشفرة لأتباعه للقيام بعمليات جديدة، ومع كل شريط كان يظهر لبن لادن أو أحد معاونيه كان المسؤولون الأمريكيون ينبرون لتفنيده وتسريبه لوسائل الإعلام لكي تنقل وجهة النظر الرسمية إلى المواطن الأمريكي الذي أصبح مستسلمًا لها وربما كان له بعض العذر في ذلك لأن أمريكا لم تشهد حدثًا مثل ذلك الحدث الذي وحد بين مختلف فئات الشعب.
وسيطرت على تصريحات المسؤولين في الإدارة الأمريكية مقولة إن إفشاء معلومات سرية يدمر قدرة أمريكا على إجهاض العمليات الإرهابية ويعرض أرواح الأمريكيين للخطر.
وهدد المسؤولون الأمريكيون بأن من يفشي المعلومات وبخاصة العسكرية منها إلى الصحافة فإنه سيواجه السجن، وبالفعل اعتقل موظفو الأمن في وزارة الخارجية أحد الصحفيين، بعد أن أعلن أن لديه برقية سرية من سفير الولايات المتحدة إلى دولة عربية.
وأخذت الرقابة الرسمية على وسائل الإعلام الأمريكية تزداد يومًا بعد يوم، بعد تطور الأحداث وظهور مواقف جديدة حتى طالت أعضاء مجلس الكونجرس، وذلك بحجب المعلومات العسكرية والاستخبارية عنهم خشية أن يتم تسريبها للصحافة التي لم يسمح لها بمصاحبة القوات العسكرية إلى الخارج، كما حدث في حرب الخليج الثانية.
وفي مقابل الرقابة الرسمية، كانت الرقابة الذاتية تتعاظم داخل مختلف وسائل الإعلام الأمريكية التي قام العديد منها بطرد صحفيين أبدوا وجهة نظر مختلفة عن المواقف الرسمية إزاء أحداث سبتمبر وقرار الحرب الذي اتخذه بوش فعلى سبيل المثال، طردت إحدى الإذاعات في سان فرنسيسكو الصحفي دايفي كوك، لأنه أجرى مقابلة مع عضو الكونجرس الوحيد الذي صوت ضد الحرب، ولم تكن هذه الحالة هي الاستثناء الوحيد فقد ماثلتها حالات في عدد آخر من الصحف والإذاعات ومحطات التلفزة ولم يعد مقبولًا في ظل الحظر المفروض على وسائل الإعلام الأمريكية أن تظهر الآراء التي تنتقد السياسات الأمريكية حتى وإن كان النقد موجهًا للسياسات البيئية!! الأكثر من ذلك أن بعض وسائل الإعلام بدل من مواقفه بزاوية ١٨٠ درجة فبدلًا من أن يهاجم بعض السياسات، نشر مقالات مؤيدة لها!
وفي دراسة أعدتها منظمة فاير (FAIR) التي تتابع أداء المؤسسات الإعلامية الأمريكية، قالت فيها: لقد أدى الإعلام الأمريكي عملًا سيئًا جدًا فيما يتعلق بإعلام المواطنين بأمور مهمة تتعلق بالإرهاب فما رأيناه عقب سبتمبر هو أن الإعلام الأمريكي أصبح بشكل جماعي يغطي الأحداث وفق وجهات النظر الوطنية، وتحديدًا بشكل يمجد القيادة الأمريكية ويهلل لجهود الحرب في أفغانستان بل إن وسائل الإعلام تطالب أحيانًا الرئيس جورج بوش وإدارته بأن يكونوا أكثر عسكرية.
إننا لا نرى أحدًا يتحدى بشكل جدي السياسات العسكرية للبيت الأبيض ولا ينتقد الاستعداد للحرب والقصف سواء في أفغانستان والآن العراق. وتقول الدراسة أيضًا: «إن وسائل الإعلام الأمريكية شاركت في موجات من التصوير السيئ ومن تنميط العرب والمسلمين، وهذه المرة أيضًا رأينا القليل من الحساسية تجاه هذا الأمر، وعلى الرغم من أن الرئيس بوش يزعم أنه يحاول أن يكسب عقول المسلمين وقلوبهم في الشرق الأوسط، ووسط آسيا، فإن السياسات التي اعتمدتها الولايات المتحدة أبعدت هؤلاء الناس عنا أكثر، بدلاً من أن تقربهم لأمريكا».
أصابع يهودية
ثمة بعد سياسي آخر يدخل كأحد محددات الخطاب الإعلامي الرسمي في أمريكا بعد أحداث سبتمبر وحتى قبل ذلك باعتباره واحدًا من الثوابت في السياسة الإعلامية الأمريكية، ويتمثل هذا البعد في النفوذ الصهيوني المسيطر على وسائل الإعلام في أمريكا وحتى في كل أوروبا.
فاليهود يسيطرون على ٧٠٪ من وسائل الإعلام الأمريكية، ويضعون أيديهم بالكامل على أشهر ثلاث صحف أمريكية «واشنطن بوست» «نيويورك تايمز» «وول ستريت جورنال» كما هي الحال مع مجلة النيوزويك والتايم والوورلد ريبورت ويو إس نيوز، والأمر لا يختلف كثيرًا عن الإعلام المرئي ودور النشر، وشركات الدعاية والإعلان والإنتاج السينمائي والأقمار الصناعية.
وقد وجد النفوذ اليهودي في أزمة سبتمبر فرصة لكي ينفث كل سمومه ومشاعر الكراهية تجاه العرب والمسلمين وكأنه لم يكتف بإنحياز الإعلام الأمريكي على مدى ٧٠ عامًا لـ«إسرائيل».