; بعد مقتل رابين: الإعلام الأمريكي يحاول غسل «إسرائيل» من دم العرب | مجلة المجتمع

العنوان بعد مقتل رابين: الإعلام الأمريكي يحاول غسل «إسرائيل» من دم العرب

الكاتب د. مأمون فندي

تاريخ النشر الثلاثاء 21-نوفمبر-1995

مشاهدات 76

نشر في العدد 1176

نشر في الصفحة 46

الثلاثاء 21-نوفمبر-1995

«رغم كل ما بذله الإعلام الأمريكي فإنه فشل في تغيير صورة التمزق التي تواجه المجتمع الإسرائيلي».

وكأنك في إسرائيل، يومها نُكّس العلم الأمريكي: ذلك يوم اغتيال رئيس وزراء إسرائيل إسحاق رابين، وكانت تنكيسة العلم الأمريكي هذه جِد سابقة، فلم يحدث في تاريخ أمريكا أن نُكِّس العلم لموت أجنبي، ولم تك تلك علامة الحداد الوحيدة في الولايات المتحدة، فقد نعى الرئيس كلينتون رابين وقال عنه: «إنه رجل من عظماء القرن»، وترحم عليه، وكذلك كان الحال بالنسبة لوزير الخارجية وارن كريستوفر، وكذلك الإعلام الأمريكي. وخصوصًا شبكة الـ «CNN» الإخبارية - بقي أسبوعًا كاملًا لا يتحدث عن شيء سوى ذلك الحدث، وبالطبع للحدث مدلولات سياسية هامة ولكن كان وراء التغطية الإعلامية الأمريكية قصد آخر، فما القصد؟ وهل نجح أم فشل؟ ذلك ما سأحاول أن أتناوله هنا بعد قليل من العرض لمظاهر الحزن الأمريكي على وفاة زعيم أجنبي. 

أول من أذاع نبأ الاغتيال في الولايات المتحدة كانت شبكة الـ «CBS»، وهي دائمًا شبكة ذات سبق صحفي فيما يخص الأحداث القادمة من إسرائيل، فهي شبكة يملكها يهود من ذوي التعاطف المميز لإسرائيل، وربما كما يقول محللون هنا «إن للشبكة علاقة بأجهزة الأمن الإسرائيلية، ولذلك فهي أول من أُعطي الخبر السبق الصحفي، وتلت شبكة الـCBS» »، شبكة الـ «CNN» التي لم تتوقف عن تغطية الحدث للحظة. ربما لأنها شبكة أخبار- وربما كذلك لأنها مملوكة لتد تيرنر Ted Turner، المتزوج من الممثلة جين فوندا المعروفة بتعصبها الشديد لإسرائيل.

تغطية الوجه القبيح الإسرائيل:

قدمت الـCNN ، إسحاق رابين على أنه «بطل للحرب والسلام»، فجاءت تقارير عدة مُمجّدة لما قام به رابين من أجل إسرائيل، فذكر أنه مقاتل قديم شارك في حرب ٤٨، وهو كذلك «بطل حرب الأيام الستة» أو ٦٧.. التي من وجهة نظر الشبكة حرب بدأها العرب ولم تذكر الشبكة أن رابين هو المسؤول عن طرد الفلسطينيين وقتلهم وترويعهم، كذلك لم تذكر أنه له يد في قتل سجناء الحرب المصريين في عامي ٦٧، ١٩٧٣م.

فقط قُدِّم رابين للمواطن الأمريكي على أنه «شهيد السلام»، ودعم التليفزيون الأمريكي وكذلك الصحف اليومية مقولاته بإن صَدْر كلمة الملك حسين - ملك الأردن- في بداية معظم الأخبار التي جاء فيها أن جلالة الملك يود «أن يلقى نهايته بمثل الطريقة التي مات بها جده، وكذلك أخاه إسحاق رابين» وربما سبقت هذه العبارة حديث الرئيس كلينتون في الجنازة؛ وذلك لأنها تدلل على أن العرب كذلك يكبرون الرجل ويجلونه، وليس الأمريكيون والإسرائيليون وحدهم.

جاءت التغطية كذلك، لأنه مع بداية الانتفاضة الفلسطينية عام ١٩٨٧م، بدأت إسرائيل تخسر المعركة الإعلامية في أمريكا، فلمدة ثلاث سنوات كان كل ما يراه المواطن الأمريكي هي مواجهة بين صبي أو فتاة وجندي إسرائيلي مدجج بالسلاح، لحظتها أدرك الأمريكي حجم العنف الإسرائيلي، وفشلت كل محاولات المنظمات الصهيونية، أن تقنع المواطن الأمريكي «بأن ذلك الصبي الذي يُلقِي الحجارة هو إرهابي صغير» ومن لحظتها وإسرائيل حائرة في كيفية استعادة سيطرتها على الإعلام الأمريكي.

 لذلك عندما جاءت حادثة اغتيال رابين كانت تلك هي المناسبة التي يحاول فيها الإعلام مسخ عقل المواطن الأمريكي، فما كان معروفًا عن رابين سابقًا أنه هو صاحب سياسة تكسير العظام، وكذلك قبل موته بأيّام أصدر أمرًا -حسب تقرير جلة «دير شبيجل» الألمانية - بقتل الدكتور فتحي الشقاقي، كل ذلك بدأ في التناقض أمام حملة الإعلام التي أبرزت رابين على أنه «رجل سلام»، وكذلك «بطل حرب» -لم تذكر جرائمه- ولمدة سبعة أيام، وربما لا تذكر أبدًا بعدها.

 ورغم ذلك لم ينجح الإعلام الأمريكي تمامًا في مهمة غسل إسرائيل من دماء الفلسطينيين - فدونما قصد بدأت تظهر صورة إسرائيل كمجتمع ممزق، كذلك ظهر. ولأول مرة - أن إسرائيل بها متطرفيها وإرهابيها - وأعادت فتح تلك الملامح التي فرضتها طبيعة التغطية وطبيعة الحدث، أعادت للأذهان صورة الإسرائيلي المتعصب باروخ جولدشتاين الذي أطلق الرصاص على المصلين في المسجد الإبراهيمي، ذلك الموضوع الذي قلل من شأنه الإعلام الأمريكي يومها، وصوَّره على أنه حادث فردي لرجل مخبول، ها هو الآن يبدو أن بإسرائيل أكثر من مخبول واحد.

تداعيات الحادث:

وكذلك بعد التحقيقات الأخيرة بدأت تتسع دائرة الاتهام لمن قتل رابين، فاشتملت حتى الآن على حاخامات، وكذلك بعض أصدقاء القاتل - إيغال عمير - ودونما قصد كذلك ظهرت صورة بنيامين نتنياهو - زعيم حزب الليكود الإسرائيلي المعارض في موقف المدافع - فها هو الآن غير قادر رغم سلاسة لغته ذات اللكنة الأمريكية، أن يرد عن نفسه اتهامات أرملة رابين له ولحزب الليكود على أنهم المسؤولون عن الحادث، ذلك لأن الليكود كان يهاجم رابين دائمًا ويصوره في ملصقاته الدعائية على أنه عدو لليهود ونازي، هذه الصورة- كما قالت- أرملة رابين مسؤولة عن تحريض الشباب على قتل زوجها..

 وهزيمة نتنياهو هذه كبيرة، إذا ما عرف المرء أنه قبل الحادث، ومنذ شهور عدة، كان هو ومؤيدوه من أصدقاء الليكود الأمريكيين وراء مشروع نقل السفارة للقدس، كذلك كان يرسل العديد من الرسائل عبر الفاكس لأعضاء الكونجرس ليضغط عليهم ويحاول كسبهم لصالح حزبه بدلاً من حزب العمل، كل ذلك انتهى الآن- أو على الأقل لفترة وجيزة لن يستطيع فيها اليمين الإسرائيلي أن يتواجد في الإعلام الأمريكي.. تلك فرصة ذهبية لمن يريد العمل ضد هذا التيار في الساحة الأمريكية.

كذلك أظهرت التغطية الإعلامية لأول مرة أن في إسرائيل إرهابيين- وكان قبلها هذا المصطلح - مخصصًا للعرب فقط، كذلك انتهت عبارة أن اليهودي لن يقتل يهوديًا، وبدت تلوح في الأفق تحليلات لم نسمع بها من قبل، حتى أن بعضهم يتساءل بجد عما إذا كانت الحرب الأهلية في المجتمع الإسرائيلي واردة الحدوث. 

وبالرغم من كل هذا فهناك محاولات كثيرة في الإعلام الأمريكي، خصوصًا في شبكتي الـ «CNN» و«CBS» لإصلاح ما حدث من أخطاء.

فظهرت الآن تقارير تقارن أمريكا بإسرائيل، مقارنات تبين فجيعة أمريكا في موت رئيسها جون كيندي ١٩٦٣٠م، وفجيعة إسرائيل في موت رئيس وزرائها رابين في ١٩٩5م. 

كذلك الإرهاب والتطرف ليست ظاهرة إسرائيلية وحسب، ففي أمريكا الميليشيات المسلحة والمتطرفة، كذلك في أمريكا من يتسببون بلغتهم غير المسؤولة في خلق جو يساعد على العنف، وبرر بعضهم أن اليمين الأمريكي ولغته في الخطاب كانت وراء حادث أوكلاهوما، كذلك هي المسؤولة عن مقتل رجال البوليس - جاءت هذه المقارنات بين ما يحدث في أمريكا وما يحدث في إسرائيل - محاولة لخلق صورة لإسرائيل على أنها دولة لا تختلف على الإطلاق عن أمريكا، الهدف من وراء ذلك هو تقريب إسرائيل إلى قلب المواطن الأمريكي وعينه، فبدلاً من أن يرى الأمريكي وجه إسرائيل العنيف ويمقته، عليه أن يتعاطف مع ذلك المجتمع المكلوم.

أهمية استغلال الحدث:

ورغم كل المجهودات يبدو أن ما حاول أن يقدمه الإعلام الأمريكي من أجل إسرائيل وتحسين صورتها لم ينجح تمامًا. كما كان مخططًا له، فظهرت هناك ثغرات كوجه إسرائيل العنيف، والتعصب، والإرهاب الإسرائيليين.

كذلك ظهر المستوطنون الإسرائيليون في أبشع صورهم. هؤلاء الذين خصص رابين لحقوقهم صفحات غير منتهية في اتفاق «أوسلو ۲».

لكل ذلك دلالات لا بد للعرب من استغلالها، فبشكل عام تبدو الآن نافذة صغيرة للعرب لمحاورة الأمريكيين حول ما يسمى بالإرهاب. تلك الكلمة التي ألصقها الغرب بالعرب، الآن كلمة الإرهاب قابلة للتجزئة، ولابد من تقسيمها – ينال إسرائيل منها نصيب، وينال أمريكا منها نصيب، وبذلك يخف الوطء عن العرب  وبشكل خاص الفرصة الآن سانحة للفلسطينيين أن يضغطوا على كل من أمريكا وإسرائيل فيما يخص قضية المستوطنين الإسرائيليين في الضفة والقطاع، والتركيز على الجانب الإرهابي في هذه التنظيمات وخطورتها على ما يسمى ب «مسيرة السلام» الآن هو الوقت إن كانت هناك نية لتخليص الشعب الفلسطيني من عنصرية وإجرامية هؤلاء المستوطنين.

 كذلك يجب أن يضغط القادة العرب على أمريكا بأن توقف سياستها المنحازة كليًا لإسرائيل، وأن تتعامل مع المنطقة بشكل يحفظ للعرب كيانهم وحقوقهم، ويوقف الابتزاز الإسرائيلي الدائم لهم.

 كل هذه الأوراق قابلة للاحتراق في غضون شهور، فإن لم يتحرك العرب فسيبقى الحال على ما هو عليه، وسيرتع المستوطنون اليهود في الضفة، وربما يزداد عنفهم وكذلك تطاولهم إلى درجة لا يمكن وضع حدود لها في غير هذا الظرف.

الرابط المختصر :