; إدوارد سعيد ودوره في كشف العداء الثقافي الغربي للإسلام | مجلة المجتمع

العنوان إدوارد سعيد ودوره في كشف العداء الثقافي الغربي للإسلام

الكاتب د. مأمون فندي

تاريخ النشر الثلاثاء 05-مارس-1996

مشاهدات 67

نشر في العدد 1190

نشر في الصفحة 40

الثلاثاء 05-مارس-1996

إن أي حديث عن علاقة الشرق والغرب، العرب وأمريكا، المسلمون والغرب، لا بد وأن يتضمن جانب عن إسهامات البروفيسور إدوارد سعيد ودوره في محاولة رفع مستوى الحوار الحضاري بعيدًا عن الصور الرهيبة الجاهزة إلى مستوى رفيع من العقلانية والعلمية معًا، وقد يكون البروفيسور سعيد نفسه ممثلًا لعلاقة الشرق والغرب فهو عربي من أصل فلسطيني دارس للثقافة العربية، معتز بها كهوية وحضارة، وناقد لنواقصها، كذلك هو مثقف أمريكي عارف بمداخل الحضارة الأمريكية وجذورها في الفكر الأوروبي، وناقد لتلك الحاضرة ونتاجها الثقافي الذي وصفه أحيانًا بالاستشراق، وأحيانًا أخرى بأنه نتاج يخدم على التوسعية الإمبريالية، فهو يعيب على المثقف الغربي ابتعاده عن النقد الحضاري لثقافته وسياسات بلده وتبعاتها فيما يخص دول العالم الثالث وما يلحق بها من ضرر نتيجة لهذه السياسات والممارسات الإمبريالية، جاءت كل هذه الأفكار في كتب مختلفة للدكتور إدوارد سعيد كان أولها كتابه الشهير جدًا «الاستشراق»، «1978 Brientalis,»، ثم كتابه الآخر «تغطية الإسلام»، «Convering Islam, 1981»، وكتابًا ثالثًا: هو «الثقافة والإمبريالية» ۱۹۹۳م، وكذلك كتاب «تصوير المثقف» ١٩٩٤م، ذلك قليل من كثير قدمه إدوارد سعيد، طرح فيه رؤيته للعالم رؤية مركبة ضد التبسيطية السائدة في الثقافة الغربية الآن، والتي فرضتها وسائل الاتصال الحديثة من تلفاز أو خلافه في خضم التبسيط الفكري الذي يتعامل مع العالم في ثنائية أناس أخيار «الغرب» وأناس أشرار «العرب، المسلمون، الملونون، العالم ثالثيون» يخلخل البروفيسور سعيد هذا الثبات المضلل من خلال كتابات تأكل في أساس هذا البناء الهش. 

أكتب عن إدوارد سعيد هنا بهدف تعريف القارئ بقليل من إسهامات رجل يكاد أن يكون صورة لما يجب أن يكون عليه المثقف العالمي الآن بوجه عام، ومثقف العالم المضطهد «العالم الثالث، العرب المسلمون.. إلخ» بوجه خاص، ذلك لأنه وفي غوغائية حضارة التليفزيون والاستهلاك تضيع القيمة الثقافية، ثقافة المحتوى، في خضم هائل لا ينقطع من ثقافة الشكل والصورة. 

أما الهدف الثاني فهو من منطلق الإحساس بالذنب والخجل معًا، لأن العرب والمسلمين- إضافة إلى عدم قراءة الكثيرين منهم لكتابات هذا المفكر- لم ينتبهوا، ولو لحظة، لمدى مسئوليتهم تجاه كاتب غزير الإنتاج، عميق الفكر دافع عنهم في كل ساحة ولم يسألهم مقابل لهذا الدفاع، دافع البروفيسور سعيد عن الإسلام، كما سأعرض فيما بعد، وهو ليس بمسلم عقيدة، رغم أنه كثيرًا ما قال إنه مسلم ثقافة وحضارة.. قدم إدوارد سعيد الكثير للمسلمين والعرب، ولم يقدموا له شيئًا رغم أن العروبة والإسلام يحثان على العرفان بالجميل ورد التحية بأحسن منها.. أخجل كثيرًا أن أذكر أن الجوائز العربية الكبرى تمنح لكثيرين أقل إسهامًا، كذلك جامعاتنا الكبرى منحت درجات الدكتوراه الفخرية لكثيرين ليس منهم إدوارد سعيد، إنه لعار كبير أن نتنكر لفضل هذا المفكر الكبير ونبل مواقفه المدفوعة من نفس أبية عربية في أصالتها، إسلامية في رفضها للظلم الحضاري.

كتابه «تغطية الإسلام»:

في كتابه «تغطية الإسلام»- الذي جاء- بعد حملة من العنف الثقافي الأمريكي على الإسلام كحضارة ودين والهجوم الفج على كل ما هو إسلامي في إطار معاداة أمريكا للثورة الإسلامية في إيران.. عرض إدوارد سعيد لتأصيل العداء للإسلام والثقافة الأمريكية الغربية، وكذلك تغطية الإعلام الأمريكي لكل ما هو إسلامي. 

وكلمة «التغطية» المستخدمة في العنوان ذات شقين: الأول: يعني التغطية الإعلامية، بمعنى الكتابة عن الإسلام كحدث، والثاني: هو التغطية بمعنى التعتيم: أي أنه رغم أن الإعلام يحاول أن ينور للقارئ الطريق ويوضح ملابسات الأحداث، إلا أن الإعلام الأمريكي في حالة الإسلام هو إعلام يهدف إلى التعتيم والتضليل من خلال هذا الكتاب الرائد ناقش البروفيسور سعيد بالدوافع الخفية لمثل هذه التغطية وارتباط الكتاب- الصحفيين والأكاديميين على حد سواء- باقتصاد سیاسي يهدف إلى تبرير ممارسات عنف بعينها ضد المسلمين سواء أكان ذلك عن طريق استغلالهم في إطار المستعمرات- أفاض الدكتور سعيد في هذه النقطة في كتابه السابق الاستشراق- أو من خلال دعمهم لأنظمة تقمع المسلمين- الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين وإرهاب الدولة المنظم ضد شعب فلسطيني أعزل، أو من خلال دعمهم لقيادات محلية تقهر الشعوب- الشاه في إيران، أو صدام في عراق ما قبل حرب الخليج التي كانت مدعومة من الغرب والسادات وغيره في مصر.

لذلك طرح البروفيسور سعيد في هذا الكتاب دور المثقف في محاولة قراءة الأحداث من منظور متحيز من البداية، يمارس عليها إسقاطاته المتمثلة في ارتباطه بمؤسسة بحثية أو صحفية بعينها ودور هذه الرؤية وتأثيرها على منظور الصحفي أو الباحث عندما يكتب عن دين هو في الأصل مختلف معه، وعن شعوب هو متحيز ضدها، إن كشف هذا الزيف في العرض ونقده لم يكن موجودًا في الغرب قبل ظهور كتب الدكتور سعيد، وإن وجد في بعض الأحيان فهو إما نقد سطحي أو متفرق، ما قدمه الدكتور سعيد هو عرض لإطار تحليلي متكامل يوضح للقارئ طريقة لفهم لماذا تلك التغطية للإسلام؟ ولماذا الإسلام؟ وما هي العوامل التي تسهم في تشكيل الرؤية الغربية للإسلام والمسلمين؟ 

بدأ الدكتور سعيد هذا الإطار التحليلي وركائزه الأولية من خلال كتابه السابق الاستشراق والذي ناقش فيه الدور الذي لعبته الكتابات- في الأساس الأوروبية- في تبرير استعمار الدول الأوروبية لبلاد الشرق العربي والإسلامي، والشرق الآسيوي، وركز البروفيسور سعيد في ذلك الكتاب على ما كتبه المستعمرون والمؤرخون الغربيون وكذلك الرحالة ووصفهم للشرق وعاداته، وناقش البروفيسور سعيد هذه الرؤية بشكل متكامل ومنظم ووضح نواقصها العلمية أولًا، ونتائجها السياسية، ثانيًا: بذلك وضح لنا وبشكل لا يقبل الشك العلاقة بين الكتابة والاستعمار، وبين المعرفة والقوة، وبدأت تظهر ملامح علم جديد يمكن تسميته بالاقتصاد السياسي للكتابة وهو في الأصل البحث عن الكاتب وارتباطاته السياسية والاقتصادية ومدى تأثير هذه العلاقات على المنتوج الفكري المكتوب، ودور تلك الكتابة في التنظير لفعل سياسي ما أو تبريره.

يثير كتاب الاستشراق في الأكاديمية الأمريكية جدلًا واسعًا ربما لا تنطفئ جذوته في المستقبل القريب، واشتد العداء للبروفيسور سعيد من أركان كثيرة: أولها بالطبع الفئة التقليدية من أساتذة الجامعات الكبرى والتي نبت تاريخها الأكاديمي على أساس ارتباطها بالمؤسسات الحاكمة، كذلك فئة المثقفين من أصل يهودي مثل برنارد لويس، ودانيال باييس ومن على شاكلتهم من الذين يدافعون دفاعًا أعمى عن سياسة إسرائيل وعن المستعمرات، كذلك ظهر للبروفيسور سعيد أعداء قلة من أصل عربي مثل الدكتور فؤاد عجمي- أستاذ السياسة، بجامعة جونز هوبكنز- وهو رجل ذو مكانة وقدرات علمية متواضعة ولولا تحيزه ضد العرب والمسلمين وانخراطه في الدوائر الصهيونية لما عرفنا عنه أو له إسهام علمي يذكر، كذلك ترددت أصوات قليلة في الوطن العربي ضد كتاب البروفيسور سعيد من قلة تخرجت من الجامعات الأمريكية ولأنها لم تحظ بمثل ما لدى الدكتور سعيد من مواهب وقدرات فكرية كان نقدها من منطلق الغيرة أو الحقد، أعمى ذلك رؤيتهم تجاه القضية الأساسية التي يطرحها كتاب «الاستشراق»، وهي التشكيك في موضوعية المعرفة الغربية التي تراكمت نتيجة لارتباطات مشبوهة وعلاقة مشبوهة للأكاديمية الغربية بالمؤسسة السياسية، ومع ذلك فللدكتور سعيد صوت عال وتلاميذ عديدون يجلونه حق الإجلال، ورغم تلك العداوات التي عانى منها البروفيسور سعيد فما زال يقول «كلمة حق في وجه القوة»، مدفوعًا بمبادئه وضميره الذي يتخطى الحدود الجغرافية التي قد يحاول الكثيرون قولبته فيها، كذلك هو خارج كل الأطر الأيديولوجية التقليدية يعصى على الكثيرين تصنيفه يسارًا أم يمينًا، حداثي أم ما بعد حداثي.. إلخ، رغم كل العناء لم يتوقف الدكتور سعيد عند تحليل الكتابة الغربية الأكاديمية في التاريخ والعلوم الاجتماعية، بل تخطاها إلى مناقشة الأعمال الأدبية ككتابات جين أوستون، ورديارد كبلنج الإبداعية وعلاقتها بالمؤسسة الإمبريالية، وذلك من خلال كتابه «الثقافة والإمبريالية ١٩٩٤م»، وقد وضح البروفيسور سعيد في هذا الكتاب بشكل يدعو للشك دون التصوير الإبداعي «للآخر» الشرقي في تبرير ممارسات الإمبريالية البريطانية في الهند والكاريبي وإفريقيا وأماكن أخرى. 

تصوير المثقف:

أما الكتاب الآخر «تصوير المثقف» فهو تجميع لمجموعة من المحاضرات ألقاها البروفيسور سعيد بدعوة من إذاعة BBC البريطانية، وهو اعتراف من الإذاعة بالمثقفين الكبار والذين يدعون إلى ما يسمى «بمحاضرات ريث».

قد بدأت الإذاعة سلسلة هذه المحاضرات سنة ١٩٤٨م، عندما دعت الفيلسوف الكبير برتراند رسل ومن وجهة نظر الإذاعة ومن وجهة نظر الكثيرين في الأوساط الأكاديمية لا يقل البروفيسور سعيد من حيث القيمة العالمية عن برتراند رسل في شيء، وقامت الدنيا ولم تقعد يوم أن دعي البروفيسور سعيد لإلقاء هذه المحاضرات، يقول في ذلك الدكتور سعيد: «منذ اللحظة الأولى الذي أعلن فيها عن أنني سأكون ضيف هذه المحاضرات في العام ۱۹۹۲م، انتقد الكثيرون الإذاعة على دعوتها لي في المقام الأول، لقد اتهمتني تلك القوى «بأنني نشط في الدفاع عن حقوق الإنسان الفلسطيني، لذلك لا يجب تكريمي أو جعلي متحدثًا من منبر رفيع يضفي علي الاحترام» كانت هذه الحملة منظمة من أصدقاء إسرائيل وكان على رأسها المستشرق البريطاني إيرنست جلنر Gulner»» والذي لم يتوقف هجومه على البروفيسور سعيد حتى موته، أي جلنر، منذ شهور، كان هؤلاء الذين لا يرقون إلى قدرة سعيد دائمي الهجوم على شخصه وعلى مواقفه السياسية، في نظر هؤلاء، يكون المدافع عن حقوق العرب والمسلمين مذنبًا لا يستحق التكريم، ولم تقتصر العداوة للبروفيسور سعيد في شكلها الفكري فقط، ولكنها تعدتها إلى مرحلة العنف المباشر حين حطم مجهولون مكتب البروفيسور في جامعة كولومبيا بنيويورك. 

فإن كان البروفسور سعيد- ومن وجهة نظر المنظمات الصهيونية وحلفائها- رجلًا لا يستحق التكريم العلمي ولا يستحق الاحترام، لأنه يدافع عن حقوق الفلسطينيين والعرب والمسلمين ترى ما هي وجهة نظر العرب والمسلمين ذاتهم، وما هي رؤية جامعاتهم ومؤسساتهم المانحة للجوائز العلمية، والتي تبرهن كل يوم من خلال تجاهلها لهذا المفكر الفذ المعتز بانتمائه للحضارة العربية والإسلامية، تبرهن على أنها تشارك الصهاينة- ولو على السطح- الرؤية بأن هذا الرجل غير جدير بالتكريم!!

الرابط المختصر :