; التشريع الإسلامي والمجتمع المتطور. | مجلة المجتمع

العنوان التشريع الإسلامي والمجتمع المتطور.

الكاتب محمد سلام مدكور

تاريخ النشر الثلاثاء 23-أبريل-1974

مشاهدات 147

نشر في العدد 197

نشر في الصفحة 31

الثلاثاء 23-أبريل-1974

 

  • ألقى الأستاذ الدكتور محمد سلام مدکور رئيس قسم الشريعة بكلية الحقوق - جامعة القاهرة. والأستاذ المعار لجامعة الكويت - ألقى محاضرة قيمة موضوعها «التشريعي الإسلامي والمجتمع المتطور». وذلك بقاعة المحاضرات بالمقر المركزي لجمعية الإصلاح الاجتماعي في منطقة الروضة.

وتعميما للفائدة تنشر «المجتمع» فيما يلي الحلقة الثانية من محاضرة الأستاذ الدكتور محمد سلام مدكور. 

  • العودة إلى الشريعة الإسلامية ضرورة ملحة

وإذا كان المسلمون في واقع الأمر يتعلقون بالدين، ويتطلعون إلى تطبيق أحكامه لعلمهم بأنه دین مساير لمصالح الناس وأنه يهدف إلى إسعادهم، وتوفير أسباب الفلاح لهم، والتقدم في جميع الميادين. فإن إظهار حكم الله بنظر المجتهدين المخلصين لدينهم، العالمين بشؤون الحياة، والمقدرين لمصالح الناس، أصبح مطلبًا ملحًا، وضرورة تتطلبها مصلحة مجتمعنا الإسلامي. ومن المُسلَّم به أن مبادئ الإسلام حيوية ومرنة، أطلقت سراح الفكر الإنساني ووجهه إلى التأمل والأخذ بأسباب الكمال، مما يقطع بأن الجمود الحضاري يتعارض مع روح التشريع الإسلامي وفلسفته الطموحة المتوثبة إلى حياة سعيدة في ظل نظام خلقي رفيع تبقى معه شخصية الإسلام متميزة، لا تقبل الذوبان والتلاشي في شخصية أي تشريع آخر؛ ولذا فإنه يمج الميوعة والتهتك، وتلك الخصال التي جرفت وتجرف بعض الشباب والفتيات إلى التلاشي والضياع، ومجانبة الخلق الإسلامي الذي ينسجم مفهوم الخير والشر فيه مع التعاليم الإلهية، والحسن فيه ما حسنه الله.

  • الاستعمار سبب الضعف والتخلف ووراء استيراد القوانين الغريبة عنا

غير أن تحكم الاستعمار في البلاد الإسلامية الذي نتج عنه الضعف السياسي والتخلف الاقتصادي والاجتماعي، وإضعاف شوكة المسلمين بإبعادهم عن أحكام الدين وتوجيههم إلى استيراد القوانين الغريبة عن البيئة، والمنافية مع العقيدة. وحتى الصالح منها الذي لا يخرج عن روح الشريعة الإسلامية في الجملة، فإن المستعمر وأعوانه مع بعد كثير من المشتغلين بالقوانين السياسية عن الغوص في الشريعة، جعل ما وقر في الأذهان أنها كلها نظم أجنبية راقية لم تأت في الشريعة ولم يعرفها الفقه الإسلامي، ولا تتسع لها قواعده، حتى ظن البعض أن الاحتكام إلى الفقه الإسلامي طريق التخلف، وفي هذا ظلم لديننا ومجتمعنا، وحتى توهم بعض من لا يعرفون شيئًا عن الإسلام فظنوا لما رأوا تخلف البلاد الإسلامية أن وراء ذلك التخلف في هذه البلاد الإسلام؛ لأنه العامل المشترك بين جميع الدول الإسلامية، مع اختلاف الأجناس، وتباعد الأوطان. ولو علم هذا الواهم أن البلاد الإسلامية كلها لم تلتزم حكم الإسلام في قوانينها المختلفة، وأن العلماء في البلاد التي تطبق الشريعة الإسلامية تقاعسوا عن النظر في الأحكام الاجتهادية، بل وحتى عن المقارنة والأخذ من المذاهب المختلفة والآراء الكثيرة ما يلائم روح العصر ويتفق مع صالح الجماعة دون خروج على قواعد الإسلام ومبادئه لو علم الناقد الواهم ذلك لأدرك أن الإسلام بريء من اتهامه بالتخلف أو تحميله مسؤولية ذلك التخلف. بل لأدرك أن سر تخلف هذه البلاد هو بعدها عن الحكم الإسلامي الذي كان له أثر كبير قديمًا في ازدهار الأمة الإسلامية حينما كانت تطبق حكم الإسلام في كل شيء، وحينما كان المجتهدون يتابعون الاجتهاد من واقع المصادر الشرعية وروح التشريع بعيدين عن التقليد، فلا يجمدون على رأي اجتهادي منقول لهم، ولا يلتزمون بمذهب لا يحيدون عن أحكامه مع احتمال تغير وجه المصلحة، وحينما كان الأفراد يلتزمون في سلوكهم وتصرفاتهم تعاليم الإسلام لقربها من نفوسهم ولتيسيرها أمور حياتهم.

  • لهم العذر حين يسخرون من دعوتنا

حضرات...

كيف نستسيغ أن نبشر بالإسلام وندعو الشعوب والأفراد إلى اتباعه وننادي بأنه تشريع عام لجميع شؤون الحياة، وأنه لم يقتصر على النواحي الروحية وإنما جاء بكل فروع القوانين التي تحتاج إليها البشرية لتنظيم الحياة فيها؟! كيف نستسيغ هذا ونحن لا نطبق هذه الأحكام وليس في مظهرنا وتصرفاتنا أفرادًا وجماعات ما يتفق مع ذلك؟ فهل نحن نؤمن حقا بما نقول؟؟ أم هل نحن مكلفون باعتقاد ذلك فقط دون العمل به؟!

إن لهم العذر حينما يسخرون من دعوتنا بسبب مظهرنا وإعراضنا عن تطبيق أحكام الإسلام، والاحتكام إلى قوانينهم. وتطبيق الأحكام الإسلامية كما تقرر النصوص الشرعية أمر إلزامي لا اختيار فيه وقد وصف الله من لم يحكم بما أنزل بالكفر والظلم والفسق، يقول الله سبحانه «1» ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (المائدة : 44).

ويقول سبحانه «2» ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (المائدة: 45). 

ويقول جل شأنه «3» ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (المائدة: 47).

  • كونوا دعاة صامتين

وما دمنا نؤمن بقدسية هذه النصوص وصدقها فلم نقبل - حكاما ومحكومين- أن نكون من الكافرين الظالمين الفاسقين!! وحاشا أن يكون فينا من لا يؤمن الإيمان الكامل بهذه النصوص، ويصدق وعد الله، ولكنه عمى البصيرة والضلال المبين. ورحم الله الإمام جعفر الصادق، فقد ألزم دعاة الخير وقادة الإصلاح بأن تكون أعمالهم مظهر صدق لأقوالهم لأن الناس من شأنهم أن ينظروا أعمال من يدعونهم إلى الخير؛ إذ الأقوال الخالية عن العمل من جهة قائلها تدعو الناس إلى عدم الاعتداد بها؛ ولذا فإنه لما قال لأصحابه في وصيته: «وأن تكونوا دعاة صامتين، وسألوه: كيف ندعو ونحن صامتون؟! قال: تعملوا بأوامر الدين وتجتنبوا نواهيه، وتعاملون الناس بالصدق والعدل، وتؤدون الأمانات، وتأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر، ولا يطلع الناس منكم إلا على خير، فإذا رأوا ما أنتم عليه علموا فضل ما عندنا». 

  • اهتمام عالمي بالفقه الإسلامي

حضرات ... 

انتظار الفرج من الله عبادة وهو أيضا مسايرة لناموس الحياة في الطلب والصبر دون يأس ولا ضجر، فالأمل والرجاء من صفات المؤمنين، فها هو ذا الفقه الإسلامي قد أصبح موضع اهتمام رجال القانون في كثير من الدول المتحضرة، كما بدأ اهتمام الكثيرين من المثقفين المسلمين على اختلاف ثقافاتهم بالفقه الإسلامي وتنبيههم إليه بعد أن تخلصت أوطانهم من بعض صور الاستعمار . ففي المؤتمر الدولي المقارن المنعقد بلاهاي سنة 1936 يعلن الأستاذ «لامبير» الفقيه الفرنسي تقديره الكبير للفقه الإسلامي، وكذلك فإن مؤتمر المحامين الدوليين المنعقد في لاهاي سنة 1948، والذي اشترك فيه أكثر من خمسين دولة، جاءت قراراته معترفة بدورها بما في التشريع الإسلامي من أصالة ومرونة وأهمية موصية اتحاد المحامين الدولي بأن يقوم بتبني الدراسة المقارنة لهذا التشريع، والتشجيع عليها. وفي يوليو سنة 1951 عقدت شعبة الحقوق الشرقية من المجمع الدولي للحقوق المقارنة مؤتمرًا في كلية الحقوق من جامعة باريس للبحث في الفقه الإسلامي برئاسة أستاذ التشريع الإسلامي بتلك الكلية في ذلك الحين، وحضره عدد كبير من رجال الفقه الإسلامي ورجال القانون . وفي خلال بعض المناقشات قال أحد نقباء المحامين السابقين في باريس: كيف أوفق بين ما كان يحكى لنا عن جمود الفقه الإسلامي وعدم صلاحيته أساسًا تشريعيًّا يفي بحاجات المجتمع المصري المتطور، وبين ما نسمع اليوم من بحوث قيمة تدل على أصالة الفقه الإسلامي وعمقه واستقلاله، وانتهى المؤتمرون إلى اتخاذ قرارات منها: 

1- أن مبادئ الفقه الإسلامي لها قيمة حقوقية تشريعية لا يمارى فيها.

2- وإن اختلاف المذاهب الفقهية ينطوي على ثروة هي مناط الإعجاب، وبها يتمكن الفقه الإسلامي من أن يستجيب لجميع مطالب الحياة، والتوفيق بين حاجاتها .

ونحن واثقون من أن الفقه الإسلامي بمذاهبه العديدة وآرائه المختلفة كفيل بمسايرة الحياة المتطورة والسير بها إلى الطريق السوي فإذا ما أجهد الفقهاء في العصر الحاضر أنفسهم كمواجهة الحياة مواجهة فعلية، ووضعوا كل جديد على بساط البحث في ضوء مقاصد التشريع دون التقيد بمذهب معين لتوصلوا إلى معرفة حكم الله، ولخرجوا بنتائج طيبة تجعل الفقه الإسلامي قادرًا على أن تخضع لأحكامه كل ما فيه إسعاد البشرية ومقومات الحضارة من غير إيقاع للناس في الضيق والحرج.

فالشرع الإسلامي من مقاصده مقاومة الفساد والتخلف، والنهوض بالمؤمنين به إلى أرقى المستويات في نطاق الخلق الإسلامي الحميد، والعقيدة التي أسس عليها هذا الدين، وبهذا يكون الفقه الإسلامي مسايرًا للحياة المستقيمة المتعاونة الرشيدة، وعندئذ يؤمن العالم أجمع بصلاحية فقهنا للتطبيق في كل عصر ومكان ويرتاح الأفراد في الوطن الإسلامي له، وتقبل الجماعات عليه، ويضطر الحكام إلى التزام به في جميع قوانينهم، وعندئذ أيضا يتبين أن الفقه لا ينفصل عن الحياة. فالإسلام دين عالمي أثبت قدرته على أن يجمع تحت لوائه مختلف الشعوب والأجناس على الرغم من اختلاف المواطن واللغات، وهو دين اجتماعي يحمل في مبادئه وأسسه الصلاحية التامة لمسايرة حياة فاضلة رشيدة.

حضرات...

إذا كان التشريع الإسلامي أتي بالنظم القانونية التي تحكم المجتمع في ميدان الحقوق الخاصة: الأحوال الشخصية والمدني والجنائي، وفي ميدان الحقوق العامة: الدولي والدستوري والإداري والمالي، فإنها جاءت في الأعم الأغلب بالقواعد والمبادئ الكلية دون التفاصيل والجزئيات حتى تتسع عند تطبيقها الوسائل المنظورة، ويمكن استيعابها للأزمنة المتتالية والأوطان المتباينة مع الحفاظ على ما في الإسلام من يسر وسماحة. والتطور أيها السادة، هو الانتقال من طور إلى طور آخر سواء كان أفضل منه أو دونه، ويجري التطور في الأفكار العقائدية والقيم والمفاهيم والأخلاق والتقاليد، وفي الصور المادية للحياة ومستلزماتها الأديان السماوية وعلى رأسها الإسلام لا يعتريها التطور في ذاتها لأنها مرتبطة بنصوص ثابتة لا تتغير، و من استباح لنفسه ذلك خرج من الإسلام.

وإنما التطور قد يعتري فهم الناس لها نتيجة لتقديرات جديدة تستدعي تغييرًا في النظر الاجتهادي وهذا قد يكون بإدخال بعض المفاهيم والقيم التي تشوه الفكر الإسلامي وتسيء إليه كما يكون بتنقية الإسلام من هذا الدخيل الذي لصق بأذهان الناس، ووقر في نفوسهم أنه من الدين، والدين منه براء، مع توجيههم في نفس الوقت إلى الحقيقة الإسلامية في الفكر والتطبيق والسلوك. ويبدو أن هذا ما سماه الرسول صلى الله عليه وسلم تجديدًا في قوله فيما رواه أبو داود وغيره عن أبي الربيع بن سليمان «يبعث الله لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها» أي يعيده إلى رونقه الأصلي فيبقى دائمًا جديدًا حيًّا نظيفًا لا يعلق به أي غبار، ولا تشوبه أية شائبة. والإسلام بقواعده ومنها العرف والمصلحة والاستحسان وبمصادره المرنة وسعة مفاهيم نصوصه يتسع لأن يحكم المجتمعات البشرية المتطورة في أوضاعها وعاداتها وتقاليدها وقيمها الاجتماعية والمجتمع البشري المنظور لا تقف فيه حياة البشر على حال واحد دون تطور؛ لأن الحياة الإنسانية حياة فكر و إبداع واستمتاع، فيقـر الإسلام التطور الحميد ويتقبله لأنه يتفق مع حكم الشارع وقصده، وينبذ مجال التفكير الحر ووجه الإنسان إلى الانتفاع بما خلق الله وأوجد في الكون من كل ما من شأنه أن يصلح حاله ويسعد المجتمع في نطاق نصوص الشرع وقواعده العامة.

  • التطور الذي ندعو إليه

والتطور النافع، يا حضرات السادة، سنة الحياة وضمان استمرار سيرتها على نحو يمنع التخلف، ويوفر النجاح وتطور المجتمع الحديث وانتقاله إلى عصر الصناعة والتنقل في الفضاء واستخدام الأثير، ونقل القرنية وبعض أجزاء جسم الإنسان، ونقل الدم، وكل ما جدّ في الحياة من معاملات مالية ومصرفية وعقود التأمين والبورصة. كل هذا جديد لم يكن عند ظهور الإسلام ولا في عصر ازدهار الفقه. وقد ترتب على هذا كله أمور كثيرة مستحدثة يراد معرفة حكم الله فيها، وموقف الإسلام فيها بصورة واضحة بينة مدعمة بالدليل لأن الذي يطلب العلم بلا حجة مثله كما يقول الإمام الشافعي كمثل حاطب ليل يحمل حزمة حطب وفيه أفعى تلدغه وهو لا يدري.

  • فينبغي أن يجتمع الفقهاء المجتهدون المتخصصون المخلصون للتعرف على حكم الله في كل هذا بنظر المصلحة التي تتلاءم مع مقاصد الشرع، وما يحقق يسر الإسلام وسماحته. فباب الاجتهاد لا يزال مفتوحًا لأهله ممن توافرت فيهم شروط الاجتهاد وأدواته. فتشريع الله يتقاضاهم ذلك ويوجبه عليهم. فالفقهاء قبل الحكام مسؤولون عن إثبات أن هذه الشريعة صالحة لكل زمان ومكان قادرة على استيعاب كل جديد نافع، وليس من المعقول أن تتحقق تلك الصلاحية إذا نكص رجال الفقه عن مواجهة تلك المعاملات الجديدة، ومحاولة استخراج أحكام الله فيها من كتاب الله وسنة رسوله على اختلاف سبل الدلالة والترجيح عند التعارض الظاهر . فما لم يكن مجاله دلالة كتاب أو سنة ولا ورد فيه شيء عن السلف الصالح فإنه لا يندر أن يكون مجاله القياس، وما ليس مجاله شيئًا من ذلك فإنه لا محالة واجد مجاله في بقية الأمارات الأخرى التي تنير طريق الاستنباط، وتهدي الباحث كالاستحسان والاستصحاب والبراءة واعتبار المصالح والأعراف، ومراعاة قصد الشارع من تشريع الأحكام  .
  • غير أننا مقاومة للهوى والادعاء غير الصادق الذي ينبني عليه التلبيس في أحكام الشريعة والتضليل في عرض الأحكام، نرى ضرورة أن يكون ذلك الاجتهاد في ظل الاشتراك بين أولي الأمر من العلماء المجتهدين مما يسمى اجتهادًا إجماعيًّا. ويتحقق ذلك أحيانا في لجان الفتوى وفي المجامع العلمية كمجمع البحوث الإسلامية بالأزهر، وأحيانا في بعض المؤتمرات العلمية المتخصصة. وواضح أن كل ذلك من وسائل الاجتهاد التي تقطع على كل مشاغب شغبهوتلجىء كل معارض إلى القول بأن مجال الاجتهاد لا يزال قائمًا برغم كل مقاومة رجعية مصداقًا لقول النبي صلى الله عليه وسلم «لا تزال طائفة من أمتي قائمة على الحق لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله».
  • وما أحوجنا في هذا العصر إلى هذا النوع من الاجتهاد والتفرغ له، وقد جدّت أمور كثيرة في المجتمع الإنساني على نطاق الأفراد والجماعات والدول، ويحرص المسلمون على معرفة حكم الله فيها على وجه يغلب على الظن أنه حكم الله، بعد أن تضاربت الأقوال حولها وحدثت بلبلة فكرية فيها بين الناس حتى وقع الناس حيرى من أمر دينهم، والتوفيق بينه وبين حياتهم الواقعية. وبدأ التفكير في الخارج والحيل أو الإقدام على ما يعتقد الشخص أنه مخالف للدين في استحياء وتستر أو بغطرسة وتبجح. فمثل هذا الاجتهاد واجب أن يدعو له الحكام وأن يسعى إليه العلماء. ورحم الله الإمام عليًّا فقد قال: «لن تخلو الأرض من قائم لله بحجته»، مصداقًا لقول الرسول صلى الله عليه وسلم فيما رواه الحاكم عن ابن عمر بإسناد صحيح «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين حتى تقوم الساعة». 
  • وفي وسع هذه اللجان المتخصصة أن تسترشد بمختلف الآراء والأقوال في المذاهب الإسلامية، والنظر في الرخص واستحسان الحكم الملائم للعصر والبيئة من مجموع المذاهب الفقهية وآراء المجتهدين؛ فهي في مجموعها تمثل المذهب الإسلامي الكبير، وبذا لا تشق الأحكام الاجتهادية على الناس، فيرحبون بالاستظلال بظل الفقه الإسلامي وإخضاع كل تصرف له. وفي هذا ما يبعدنا عن الالتجاء إلى القوانين الأجنبية البعيدة عن عقيدتنا وديننا. على أن هذا يدخل في دائرة الاجتهاد لأن الذين يقومون به ينبغي أن يكونوا طائفة من كبار الفقهاء والخبراء المتخصصين من أهل البحث والنظر ممن يبتغون المثوبة ورضوان الله. فإذا خلصت النية، وقام بهذا العمل من لهم خبرة وملكة وقدرة على تفهم نصوص الشرع ومقاصده والتعرف على المصالح التي لا تتنافى مع مقاصد الشرع لكان في ذلك الخير كل الخير. وقد سلك السلف الصالح من قبل ذلك الطريق ودرج عليه المسلمون منذ عصر الرسالة، وكانت طريقة الأئمة في تكوين مذاهبهم وتخيرهم من مذاهب الصحابة والتابعين، كما سلكها من جاءوا بعدهم، ولم يتنكب عنها أهل التخريج والترجيح من كل مذهب.
  • ومن الحقائق الثابتة اختلاف الناس في تفكيرهم وتباين وجهات نظرهم. وقد يكون منشأ الخلاف غموضًا في الموضوع، يقول أفلاطون: إن الحق لم يصبه الناس في كل وجوهه ولا أخطئوه في كل وجوهه، بل أصاب کل إنسان جهة، ومثال ذلك عميان انطلقوا إلى فيل وأخذ كل منهم جارحة منه فجسها بيده وتمثلها في نفسه، فأخبر الذي مس الرِجل أن خلقة الفيل طويلة مستديرة شبيهة بأصل الشجرة، وأخبر الذي مس الظهر أن خلقته تشبه الهضبة العالية والربوة المرتفعة، وأخبر الذي مس أذنه أنه منبسط رقيق، فكل واحد منهم قد أدى بعض ما أدركه. وكل يكذب صاحبه ويدّعي عليه الخطأ. فانظر إلى الصواب كيف جمعهم وانظر إلى الخطأ كيف فرقهم!!.
الرابط المختصر :