; الانفعال والعقلانية رؤية حضارية مستقبلية | مجلة المجتمع

العنوان الانفعال والعقلانية رؤية حضارية مستقبلية

الكاتب عادل حسون الخنساء

تاريخ النشر الثلاثاء 24-فبراير-1998

مشاهدات 61

نشر في العدد 1289

نشر في الصفحة 41

الثلاثاء 24-فبراير-1998

     عندما خلق الله -سبحانه وتعالى- الإنسان فوق هذه الأرض رشحه ليكون خليفة بدون منازع، وجعل من نسله شعوبًا وقبائل ليتعارفوا، وأوجد في دواخلهم وبما أودعه فيهم من طاقة عقلية راقية نظامًا فطريًا يفرض عليهم ترتيب علاقاتهم السياسية والاجتماعية والثقافية ذات الصبغة العالمية فيما بينهم، عارفين من خلال هذا النظام وذلك العقل كيفية التعامل في السراء والضراء، خلال السلم والحرب أو الحياد، بحيث إنه يمكن للبشرية ذات الشعوب والقبائل أن تبقى شعوبًا وقبائل، بمعنى أمم ودول مختلفة من جانب، ومتفقة من جانب آخر، أي مختلفة من حيث تكوينها العرقي أو الفكري، ومتفقة بمعنى متعاونة فيما بينها سواء عند التفاهم التام أو عند في بعض وجهات النظر، بحيث يبدو هذا التعاون واضحًا «عند الاختلاف» بمقدرة الإنسان على تجاوز نقاط الاختلاف مع غيرها من الأمم والدول باستخدام الحكمة والتعقل، ووضع الأمور في مواضعها الصحيحة، وإنزال الأشياء منازلها المناسبة؛ بحيث يكون نتيجة ذلك كله تجاوز الأزمات والخلافات، والتي هي الأخرى سنة كونية، وقانون إلهي لأن الاختلاف في الأفكار من طبيعة البشر: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (سورة هود: 118) ولأن الإنسان بفطرته يحمل سر اختلافه فكريًا عن الآخرين، وإلا كان الناس نسخًا متكررة عن بعضها بعضًا، ولو أراد أحدنا دليلًا على هذا الاختلاف الفكري سيجد الأسرة الواحدة ذات الأبناء الخمسة أو الستة قلما يلتقي شقيق مع شقيقه على فكرة واحدة، ترى الأول يساريًا والثاني يمينيًا والثالث متدينًا والرابع ملحدًا، وهكذا لا يحل إشكاليتهم هذه إلا العقل والعلم والذكاء، بحيث يؤمنون أولًا بأن الاختلاف الفكري بينهم قانون وطبيعة، وأنه لا طريق لإقناع الآخرين وتغيير أفكارهم إلا بالحوار واللسان بعيدًا عن السلاح، وبحيث يؤمنون نتيجة لذلك بأن الحل للمشكلات الناتجة عن هذا الاختلاف لا يكون بالانفعال والاقتتال أو السب والشتم، وإنما بوضع الأمور في نصابها، وعدم تجاوز كل شخص حدوده ومهامه، والعمل على الالتقاء عند دوائر الالتقاء، والتغاضي عن دوائر الاختلاف، أو محاولة حلها بالطرق المناسبة لها في مناخ من العقلانية، لا الانفعال وفي جو من التعقل لا المزاج. 

     هكذا هو الإنسان وهكذا هي البشرية، وهكذا تكون العلاقات بين الدول والأمم، وإلا كان البديل هو الفوضى والاقتتال، وهذا لا يليق بالإنسان الخليفة في الأرض، الإنسان المكرم من قبل خالقه الذي أراد -سبحانه- أن يبرهن لملائكته أن «عظمة الخالق» تدل عليها عظمة المخلوق، وفي تلك الحكمة لمن أراد أن يعتبر.

     وعليه فإذا كان الاختلاف بين الدول واردًا، وكان على كل شريحة داخل كل دولة ألا تتجاوز حدودها، وكان على الدول أن تحل مشاكلهـا الحاصلة والتي غالبًا ما تحصل نتيجة للعلاقات البشرية المستمرة، فإن من الخطورة أن يتم حل المشكلات العالقة بطريق الانفعال، فقد يحدث ودائمًا ما يحدث أن تختل العلاقات بين دولتين من دول العالم بفعل تصريحات من هنا أو هناك، فكيف نتصرف؟

     نعم، كيف نتصرف عندما تتوتر العلاقات السياسية بين دولتين منهما حق السيادة، وحق التعبير، وحق التمثيل، وحق الاعتراض، وحق التفاوض، التصرف السليم يخضع لقاعدة معروفة وهي الفكرة المناسبة في المكان المناسب، والقاعدة عدم تجاوز الصلاحيات، فإذا قام مسؤول في دولة ما بتوجيه تصريح لا تستريح له دولة أخرى، أو تجد فيه تعديًا عليها فإن الحل السليم يكون دبلوماسيًا لا شخصيًا، عقلانيًا لا انفعاليًا، علميًا لا إعلاميًا.

     الحل الدبلوماسي معروفة قواعده، راقية تنظيماته، لا يتسرع بالرد، بل يبحث عن حقيقة المصدر، ثم يتخذ الخطوات الدولية المعروفة، كأن يوجه رسالة أو اسـتـفسارًا أو اعتراضًا، أو يستدعي سفير تلك الدولة للتباحث والتفاهم واستجلاء الأمور، أو غير ذلك من المواقف المهذبة والمؤدبة؛ لأن الدبلوماسية آداب وتهذيب تبدو حقيقتها عند وقوع الأزمات بين الدول، أو عند تأزم العلاقات بين الأمم، والعلاقات بين الأمم غالبًا ما تكون بين مد وجزر، وبين أخذ وعطاء، وبين تفاهم تام وبعض تفاهم، لكنها في جميع هذه الأمور لا تخرج عن المألوف، ولا تتمرد على المتعارف عليه.

     فالحل في العقل لا في الانفعال، وفي حسن النية لا سوء النية، وفي نظافة الكلام لا في الشتم واللعان، كذلك يكون الحل بيد صاحب الحل، أي بيد السلطة في مواجهة السلطة، وبيد الدولة في مواجهة الدولة، وبيد الدبلوماسية في تحاورها مع الدبلوماسية، مما يعني أن الحل داخل الوظيفة السياسية لم يتم تجاوزها، هذه الوظيفة التي تفهم معاني كل كلمة، وتعقل حقيقة التفسيرات لكل كلمة، وتتعمق في معرفة الاحتمالات والاجتهادات.

      لكن واأسفاه غالبًا ما يحدث أن يتخذ البعض موقفه وكأنه السلطة «وهو لا يجيد فنونها» فإذا سمع تصريحًا أخذه على عواهنه دون بحث أو تمحيص، واستل سلاح السب والشتم والسخرية والتشهير؛ حتى تختلط الأمور، وتسوء العلاقات، ويتعكر الجو، ويخوض المعركة كل من حفظ كلمة، أو تعلم حرفًا، وإذ بقعقعة السلاح، وتطاير الغبار، وكثرة العويل والصراخ، ثم تكون نتيجة هذه الأمور كلها ضحالة في علم السياسة، وهبوطًا في مناهج العلم، وتدنيًا في طرائق التفكير، ويكون الخاسر الوحيد هو المجتمع. 

     كم نحن العرب في مسيس الحاجة لإعادة بناء تفكيرنا السياسي ومناخنا المري ومنهجيتنا العلمية والاجتماعية؟ حتى نرتقي ونتقدم فعلًا. 

الرابط المختصر :