; الافتتاحيه.. طبول الحرب! أم حرب الطبول؟ | مجلة المجتمع

العنوان الافتتاحيه.. طبول الحرب! أم حرب الطبول؟

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 01-مايو-1973

مشاهدات 170

نشر في العدد 148

نشر في الصفحة 4

الثلاثاء 01-مايو-1973

كم عمر الطفل الذي ولد في يونيو عام 1967؟ عمره الآن.. سبع سنوات. وفي عمره الغض هذا.. الذي لا يمثل إلا نسبة (1/ 6) من عمر من بلغ الأربعين.. ولا إلا نسبة (1/ 8) في عمر من جاوز الخمسين.. أي في.. جيل الهزيمة.

الطفل الصغير هذا.. في عمره الصغير.. تعلم أمورًا كثيرة في حياته.. تعلم النطق.. وتعلم الحذر من صعق الكهرباء.. ومن سيارات الشوارع. وتعلم وقاية نفسه من.. سواء ضحك زملائه عليه.. سواء في تصرفاته.. أو في الأشياء التي يمتلكها. ولكن.. الكبار.. لم يتعلموا بعد! لا في أعمارهم الطويلة.. ولا في السنوات السبع التي أعقبت الهزيمة...

لو كانت التجربة المرة... نقلت إلينا من حرب الفرس والروم –قديمًا– لبرر عدم الإفادة من التجربة بأن تلك الحرب قديمة.. ولا تصلح استراتيجيتها.. ولا يصلح تكتيكها ولا أسلوبها للقرن العشرين.

ولو كانت التجربة نقلت من الحرب العالمية الثانية لبرر عدم الإفادة منها.. بالفروق بين الحرب العالمية.. والحرب المحلية.

ولو كانت التجربة نقلت من الحرب التي دارت في فيتنام لبرر عدم الإفادة منها.. بالفواصل النفسية والمساحية وباختلاف طبيعة الأرض التي تدور فوقها المعارك.. لبرر عدم الإفادة بأي شيء معقول.. أو غير معقول.

إن التجربة المرة.. لم تجرِ إلا فوق أرضنا. ولم تجرِ منذ قرون.. وإنما وقعت منذ سبع سنوات فقط.. وقعت وكانت نتائجها المريعة.. تدميرًا للسلاح الفعال واحتلالًا للأرض... وأقسى من كل ذلك كانت كسرًا للعزة.. وطعنًا في معنى الاستقلال والسيادة.

والفشل في استيعاب التجربة لم يقتصر على عدم الإفادة من نتائجها... وقع هذا الفشل في اجتناب أخطاء مقدمات الحرب وإرهاصاتها. وهذه النقطة هي موضوع الافتتاحية.

لقد كادت الأرض تميد من ثقل الدوي الإعلامي على الحرب عام 1967... إنذارات متكررة.. إعلانات عن تمديد الاستعدادات على كل المستويات.

ولأول مرة نسمع إذاعات عربية تنقل تحركات الجيش إذاعيًا.. وتتناول بالتفصيل الأوامر العسكرية الموجهة إلى قطاعات الجيش ووحداته المتقدمة!

وظن الناس أن هذه طبول حرب تعبئ الناس –بعد الاشتباك مع العدو– لكي تشترك الأمة كلها في المواجهة.

وتمخض الطبل فولد هزيمة.

والحقيقة أنها لم تكن طبول حرب.. وإنما كانت حرب طبول، والفرق بين العملين أو التعبيرين واضح.. طبول الحرب تدق للشعور بالجدية.. ولإيقاظ إحساس الأمة إلى أقصى حد..

طبول الحرب تدق لإشعال حماس المقاتلين.. وحثهم على الاقتحام والتقدم.. والانقضاض، وفي نفس الوقت لا تدق إلا بعد قيام الحرب حقيقة والدخول في العمليات العسكرية الفعلية.

أما حرب الطبول.. فهي تقاتل بالطبول لا أكثر.. دوي.. وقرقعة.. وصخب.. ولا شيء قبل ذلك.. ولا شيء بعد ذلك. حرب الطبول تعني: عدم قيام حرب حقيقية، فهي تدق وتدوي قبل قيام الحرب.. وبأبسط التفاسير والتحليلات العسكرية يعتبر هذا العمل خالِيًا من روح الجد والمسؤولية والأمن العسكري.

وحين يخلو الموقف من هذه المقومات فإن الكلام عن المعركة يفقد معناه.. وطعمه.. وشروطه.. وروحه، وتكاد نغمة 67 تتكرر عام 1973.. إعلانات مبوبة.. وغير مبوبة، وتهديدات للعدو.. مستمرة، وحرب طبول تدوي..

والحرص على كرامة الأمة.. وعلى حاضرها ومستقبلها.. يقتضي نقد هذا الاتجاه بقوة.. ورفضه رفضًا تامًا. المسؤولية تقتضي التحذير من السير في هذا الطريق الذي قاد إلى الهزيمة. إن الذين صنعوا الهزيمة أشخاص قلائل.. ولكن الأمة كلها دفعت ثمن الهزيمة.. ولا ينبغي أن يتكرر ذلك أبدًا.. لا ينبغي أن يسمح العقلاء والمستنيرون في هذه الأمة بسيادة الاتجاه الذي يعلن الحرب قبل أن يدخل فيها.

لقد كان النبي -عليه الصلاة والسلام- إذا أراد الحرب ورّى بغيرها.. إمعانًا في التكتم وحرصًا على الأمن. وهؤلاء إذا أرادوا شيئًا غير القتال.. أعلنوا الحرب في الصحف والإذاعات.. إن العسكريين الذين كان عليهم أن يجيدوا فنهم العسكري في حماية البلاد والدفاع عنها.. نصبوا أنفسهم قادة سياسيين، وحكامًا يفتون في كل شيء. وبدون اللجوء إلى أسلوب الانقلابات.. هل يسمح هؤلاء للمدنيين -ولو مرة واحدة- أن ينصحوهم في الشؤون العسكرية؟

على أن الأمة تمر بمرحلة لا تحتمل انتظار هذا الإذن.. أو هذا الترخيص. في العصور الغابرة كانت القاعدة الحربية في الانتصار هي: «أن الساعات الأخيرة أو الأيام الأخيرة هي التي تحدد نتائج الحرب»؛ بمعنى: أن الفرسان -ذوي الخيول- الذين يصمدون حتى النهاية وهم يحملون الراية، يقررون الانتصار على خصومهم. أما القاعدة الحربية اليوم فهي: «أن الدقائق الأولى هي التي تحدد نتائج الحرب».. بمعنى: أن أسرع الطرفين في توجيه الضربة الأولى المباغتة هو الذي يسيطر على المعركة في النهاية؛ لأن مبادرته تمكنه من تدمير السلاح الفعال.. وإرباك خطة خصمه.

والضربة المباغتة لا تتم في جو حرب الطبول.. والإعلانات العسكرية في الصحف والإذاعات. الضربة الأولى المباغتة تتم في جو يحير العدو في التقدير والاستنتاج، فبينما غريزته تنبهه لخطر ما.. تفشل معلوماته في الوصول إلى معرفة ما يجري حقيقة في جبهة خصمه.

هل رأيتم أو سمعتم عدوكم يعلن عن استعداداته للحرب ويطلق التصريحات عنها في الإذاعة والصحف؟

أول يونيو 67 -قبيل الحرب بأربعة أيام- منح العدو بعض جنوده إجازات للراحة والاستجمام.. وتعمد أن يذهب هؤلاء الجنود للبحر يستحمون فيه.. كما تعمد التقاط صور لهم وتوزيعها على نطاق واسع.. في العالم.. هل تذكرون؟!!

إن هذه الطريقة السطحية في الإعلان عن الحرب والاستعداد لها جعلت كثيرًا من المراقبين والمعلقين يستنتجون شيئًا آخر.. مناقضًا تمامًا للحرب أو القتال، استنتجوا اقتراب تنفيذ الحل السلمي («يفهم استسلامي»). وقالوا: إن تصعيد الدعاية عن الحرب ربما يكون أنجح وسيلة في الوصول إلى تسوية سلمية («تفهم استسلامية»). ففي جو النذر بالحرب تخاف الأطراف المتنازعة -هكذا يقدرون- وتخاف الدول الكبرى من المضاعفات وتكون النتيجة تنازلات من الأطراف المتعادية.. وضغوطًا من الدول الكبرى.. وهنالك تعقد الصفقات!!

ما الذي حمل هؤلاء على هذا الاستنتاج؟ لا شك أن للطريقة الدعائية عن الحرب أثرًا واضحًا في تكوين هذا الرأي.. فمع استبعاد احتمالات العته أو الجنون يسارع الذهن لكي يكون تحليله منطقيًا إلى ذلك الاستنتاج.

ومن بوائق هذه الطريقة الدعائية عن الحرب.. أثرها السلبي في نفسية الشعوب. فإذا حدث الإعلان عن الحرب أكثر من مرة، ولم تقم، فسينفض الناس قلوبهم وأذهانهم من هذه الوعود، حتى إذا ما جد الجد يومًا، ووقع شيء حقيقي، قابله الناس بالاستخفاف.. واللامبالاة، كما حدث في إسبارطة قديمًا.

وهذه ليست سياسة حكيمة لدى الذين يتمتعون ببعد النظر.. ويتخطون موقفهم الشخصي.. مراعاة لمصلحة الأمة في مداها الطويل. ينبغي الكف عن الإعلانات الحربية، وفي نفس الوقت ينبغي العكوف على بناء أنفسنا عقائديًا.. واقتصاديًا وعلميًا، وينبغي حماية الشباب من المفاسد.. والمظاهر المخدرة.. والعمل على ربطه بأهداف جادة.. واستيعاب طموحه في إطارات من الكفاح المسؤول.. بدل قمعه وترويضه.. وإلهائه بمعارك جانبية.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل