العنوان بلا حدود.. هذا ما خرج به الجيش الروسي من الشيشان
الكاتب أحمد منصور
تاريخ النشر الثلاثاء 17-سبتمبر-1996
مشاهدات 64
نشر في العدد 1217
نشر في الصفحة 29
الثلاثاء 17-سبتمبر-1996
فيما لا يزال المسؤولون الروس يتخبطون في تفسيرات الاتفاقية التي وقعها سكرتير مجلس الأمن القومي الروسي ألكسندر ليبيد مع قائد المقاتلين الشيشان أصلان مشهادوف، وهل تعطى الشيشان استقلالا آنيا أم مرحليّا، وكاملًا أم منقوصا، بدأ الآلاف من جنود الجيش الروسي بالفرار من المحرقة التي وضعهم فيها بوريس يلتسين بقراره بغزو الشيشان عسكريا في ديسمبر عام ١٩٩٤م، ورغم المجازر والجرائم الوحشية الرهيبة التي ارتكبها الروس ضد الشعب الشيشاني المسلم إلا أن الروس أنفسهم أقروا بالهزيمة، بل إن الأديب الروسي ألكسندر سوليجينيتسين الحاصل على جائزة نوبل في الأدب وقف في الخامس من سبتمبر الجاري مدافعا عن الجنرال الروسي ألكسندر ليبيد، والاتفاقية التي وقعها، فأنقذ بها عشرات الآلاف من الجنود الروس من المصير الأسود الذي كان ينتظرهم على أيدي المقاتلين الشيشان، وقال سوليجينيتسين: «لقد كانت هذه الاتفاقية هي القرار الصائب الوحيد بعد أن خسرنا الحرب».
وفي المقابل شنَّ هجومًا عنيفًا على بوريس يلتسين دون أن يسميه، قائلا: «إن الهزيمة تتحملها القيادة الحمقاء الغبية التي لا تهمها مصاير البلد»، ولم يكن وصف الكاتب الروسي الحاصل على جائزة نوبل في الأدب نابعًا من فراغ، بل يعكس نقمة عامة يعيشها الروس ضد قيادتهم جعلت أحد الجنود الروس المنهزمين في الشيشان يعلن بوجه سافر على شاشات التليفزيون الروسي في مارس ١٩٩٦م، أنه «سيقتل جميع المسؤولين عن الأزمة حال عودته إلى موسكو»، وقد عبر السكرتير العام لمجلس الأمن القومي الروسي ألكسندر ليبيد عن حالة الانهزام والبؤس التي كان يعيش فيها الجنود الروس في الشيشان، وذلك في المؤتمر الصحفي الذي عقده في أعقاب تكليفه بملف الشيشان في بداية أغسطس الماضي، قائلا أمام وسائل الإعلام العالمية: «إن الجنود الروس في الشيشان أقزام، أضناهم السقم والجوع، ولا تغطي أجسادهم النحيلة سوى ملابس داخلية يعشش فيها القمل»، هذا الوصف الذي أطلقه الجنرال الذي عاش مأساة الجنود الروس قبل ذلك في أفغانستان، وكان أحد المشرفين على خطة خروج الروس منها في عام ۱۹۸۹م، يعكس الوضع المتردي الذي أصبح عليه الجيش الروسي، فحينما كان الاتحاد السوفييتي قائمًا، وكان القوة العظمى الثانية في العالم كان عدد جنود الجيش السوفييتي أربعة ملايين وربع المليون جندي، وكانت المؤسسة العسكرية السوفييتية هي مؤسسة الامتيازات والرفاهية، لكن الهزائم الكبيرة التي تكبدها السوفييت على أيدي الأفغان طوال أكثر من عشر سنوات كانت هي البداية لنهاية أسطورة الجيش السوفييتي الذي ورثه الروس بعد ذلك، وبدأ الجيش الروسي في أعقاب تفكك الاتحاد السوفييتي في طريقه إلى الانهيار، فخطة إصلاح الجيش الروسي التي وضعت في عام 1993م، لم يتم تنفيذ خطوة واحدة منها، وجاء تورط الجيش الروسي في الصراع الدائر في طاجيكستان وانحيازه للحكومة الشيوعية هناك كمقدمة لانهيار نفسي سريع للجنود الذين كانت أمهاتهم يستقبلن جثثهم في التوابيت بشكل يومي، ثم جاء قرار يلتسين بغزو الشيشان في ديسمبر ١٩٩٤م، ليوصل الجيش الروسي إلى حافة الهاوية.
ففي تقرير نشرته صحيفة «لوموند» الفرنسية في بداية مارس ١٩٩٦م، نقلا عن مجلة «جينز» البريطانية المتخصصة في الشؤون العسكرية جاء فيه أن «مستوى التدريب في الجيش الروسي قد تدهور بشكل خطير، ففي عام ١٩٩٤ لم يتمكن الجيش الروسي من تأدية ٧٠٪ من التدريبات العسكرية التي كانت مقررة له»، ونقل التقرير عن الجنرال يزبورودوف - رئيس لجنة الدفاع البرلمانية - قوله: «إن الجيش الروسي أصبح محروما من ٩٠٪ من الموارد والمؤن العاجلة»، أما وكالة الصحافة الفرنسية فقد نقلت عن خبير عسكري روسي قوله: «إن الطيارين الروس ينفذون طلعات تدريبية أقل من نظرائهم في الغرب بأربع أو خمس مرات»، أما مجلة «يو. إس. نيوز» الأمريكية فقد ذكرت في عددها الصادر في ٢٦ من أغسطس الماضي أن معدل الطلعات الجوية التي يقوم بها الطيارون الروس لا تزيد عن ١٠٪ فقط مما يقوم به نظراؤهم الأمريكيون، أما سلاح الطيران الروسي، فلم يتسلم طوال عام ١٩٩٥م، سوى عشر طائرات حديثة فقط وذكرت «لوموند»، أنه من أصل أربعة آلاف طائرة ميج يملكها الجيش الروسي لا يوجد إلا ٢٥٠ طائرة فقط صالحة لخوض الحرب.
أما وضع الفرق العسكرية فقد أصبح مخزيًا لدولة لازالت ترهب العالم بأكثر من 700 منصة صواريخ باليستية عابرة للقارات يمكن أن تدمر بها العالم، فمن أصل ۸۱ فرقة عسكرية برية أصبحت ٥١ فرقة غير قادرة على العمل، ومن بين ٢٦ لواء عسكري هناك ١٤ لواء، ليس لديهم قدرة على القيام بعمليات عسكرية، أما الجيش الذي كان في عام ١٩٩٥م يزيد على 1,9 مليون جندي، فقد انخفض في بداية عام ١٩٩٦م إلى 1.3 مليون جندي، يهرب منهم سنويا من الخدمة ٦٠ ألف جندي، فيما يرفض ما يزيد على ٧٠ ألفًا آخرين الالتحاق بالجيش، أما الجنود الحاليون فتصفهم تقاريرُ كثيرة بأنهم قد أصبحوا من حثالة الناس، كما أن انتشار المخدرات والفساد والرشاوى والسرقات بين صفوفهم يجعل قيادة الجيش تسرح ما يقرب من ثلث هؤلاء الجنود بشكل دوري، ولعل هذا ما دفع يلتسين أثناء حملته الانتخابية إلى أن يعلن أنه سينشئ جيشًا روسيًّا جديدًا يعتمد على المتطوعين المحترفين، لكن ذلك لم يصرف النظر عن عمليات التمرد والعصيان المنتشرة داخل الجيش بسبب عدم دفع الرواتب لعدة أشهر حتى صارت الاحتجاجات التي تقوم بها زوجات الضباط أمام الثكنات العسكرية - بسبب تأخر دفع الرواتب لهم لعدة أشهر - شيئًا مألوفًا، وهذا ما يدفع الضباط إلى القيام بعمليات نهب واسعة لمخازن الجيش لسد احتياجاتهم، كما كانوا يقومون ببيع كميات كبيرة من أسلحتهم إلى المقاتلين الشيشان مقابل مبالغ زهيدة، رغم علمهم أنَّ الشيشان سوف يقاتلونهم بهذه الأسلحة فيما بعد، وقد بلغت المأساة بالجيش الروسي أنه لم يعد قادرًا على توفير الملابس العسكرية للجنود، فأصدرت قيادة الجيش الروسي أوامر تسمح للجنود بارتداء الملابس المدنية أثناء الخدمة.
لكن مخازن الجيش هي الأخرى لم تعد قادرة على تلبية احتياجات الجنود، ففي يوليو عام ١٩٩٥م طلبت وزارة الدفاع الروسية مؤنًا إضافية عاجلة من أجل إطعام الجنود، وأكدت الوزارة أن المؤن الاحتياطية لم تعد تكفي لتعويض الطاقة المستهلكة لجنود الغواصات والطيارين بعد التدريبات، وكان بافل جراتشيف - وزير الدفاع الروسي السابق - قد أعلن في مارس الماضي بأن الموازنة الحالية للجيش والتي بلغت في عام 1995م حوالي ١٥ مليار دولار لا تكفي إلا لتلبية ٤٨% فقط من حاجات الجيش، أما في عام ١٩٩٦م فقد بلغت النفقات العسكرية الروسية ٨٠ تريليون روبل، أي ما يعادل ١٧ مليار دولار أمريكي، وهي ما تعادل ثلث الميزانية التي يطالب بها القادة العسكريون.
لقد دخل الروس إلى الشيشان في ديسمبر ١٩٩٤م؛ ليقضوا على المقاومة الإسلامية فيها خلال ساعتين - حسب تصريح وزير الدفاع الروسي بافيل جراتشيف آنذاك - لكن هذا هو ما خرجوا به منها بعد عشرين شهرًا.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل