العنوان الاستقلال
الكاتب د. إيمان الشوبكي
تاريخ النشر الأربعاء 01-أكتوبر-2014
مشاهدات 71
نشر في العدد 2076
نشر في الصفحة 74
الأربعاء 01-أكتوبر-2014
قطارنا اليوم - أعزائي الشباب والفتيات - يسير نحو الحاجة التاسعة من حاجات التوازن النفسي المؤثرة في النفوس، بل والمجتمعات، وأنفق من أجلها الكثير؛ لأنها من أكبر مسببات بناء الشخصية؛ إما على ثقة بالنفس أو ضعف للشخصية وجعلها اعتمادية، وسأروي لكم مشكلة جاءتني في أحد الأيام من شاب يشتكي سقوط شعره وثأثأة في الكلام، ثم وصل إلى أنه أخذ يحدث نفسه بعض الشيء نتيجة معاملة والده القاسية المحقرة لذاته، التي ولَّدت شعور فقدان الثقة بنفسه في أي قرار أو عمل يقوم به، حتى بعد أن تزوج وأصبح أباً لثلاثة أطفال، مازال يتعامل معه بتبعية والتدخل في حياته كفاقد لأهليته في إدارة حياته!
ووصل به الأمر إلى أنه غير قادر على اتخاذ قرار بنفسه الآن في حياته الشخصية، حتى إنني حينما عرضت عليه خياراً للحل قال: أنا لم أختر لنفسي شيئاً في حياتي.. هل سأستطيع الاختيار الآن؟!
مع العلم أن سن هذا الشاب 26 عاماً فقط.
وهكذا يمكن أن تُفقدك التبعية وعدم الاستقلالية الثقة بالنفس؛ وبالتالي يمكن أن تصل إلى الأمراض النفسية.
فاندفع قائلاً: هو مخطئ في حق نفسه.. لماذا لم يحقِّق لنفسه السعادة ويوفر لها متطلباتها؟!
قلت: لأنه تربى في مناخ تسلطيِّ أو مثاليِّ كماليِّ من الأب كغيره من الشخصيات المثالية، حينما يريد من حولهم مساعدتهم في شيء، مثاليتهم ترفض أي إنجاز من الآخرين أو عمل يقومون به لمساعدتهم؛ لأنه بالتأكيد هو ناقص وليس بالجودة المطلوبة من وجهة نظرهم، كما تدفعهم قوة النصح إلى الانتقاد بل تحقير العمل وصاحبه أحياناً، ثم الشعور بالدونية والتبعية الدائمة لجهة متسلطة.
قالت: أهو استسلام؟
لا، قد يكون البعض منا يستسلم للاعتمادية على الآخرين، وعدم الاستقلال والركون إلى الآخرين؛ وفي ذلك أكبر المشكلات حيث لا يضيفون إلى حياتهم شيئاً يُذكر أو إلى حياة الآخرين.
أما إذا كانت الشخصية ترفض التبعية، وتنشد الاستقلال؛ سيحدث الصدام؛ حتى تأتي الفرصة لينفك من تحت هذه القبضة الفولاذية، ولم ينطبق ذلك على الأبناء فقط مع آبائهم، بل مثلاً في مناخ العمل أيضاً، حينما تكون البنية تسلطية؛ ستكون إدارة الفكر الواحد، وكذلك في الشعوب حينما تقودها أنظمة قهرية قسرية قمعية لأي فرد عن منظومتها.
قال: أليست الاستقلالية جزءاً من الحرية؟
قلت: لا، بل ثمرة الحرية، وليست جزءاً منها؛ لأن بدونها لن يكون هناك استقلال، وستظل العبودية بكل أنواعها الفكرية والمادية والنفسية تحكم الشعوب، لكن الحرية تولد الاستقلال لكل فرد داخل الأسرة وداخل الوطن.
قال: لقد نشبت معارك، واشتدت حروب؛ من أجل الاستقلال، وخاضت الشعوب هزائم وانتصارات من أجلها فعلاً؛ لأن ثمرتها غالية ثمينة تولد قوة الإنجاز والنجاح لأهدافك، فلابد أن يكون ثمنها أغلى، والاستقلال داخل الأسرة يختلف عن الاستقلال داخل الوطن.
قال: لماذا؟
لأن لكلٍ ضوابطه وخصائصه؛ فالأسرة هي المنشأ الأول لبثِّ مفهوم الاستقلال، وحاجة النفس له شديدة، كلبنة أساسية ينطلق بها بنجاحاته في المجتمع.. فتدخل الأسرة في بعض قرارات الأبناء تربطه علاقات إنسانية وصلات أرحام وتقدير واعتبارات القيم الأخلاقية تجاه الآباء مهما كانوا.
قال: وبناء على هذا، فهل على الابن أن يستسلم لتلك الاعتبارات عابراً نهاية حياته بهذا كما حدث من الشاب السالف الذكر؟
قلت: لا، لكن اتخاذ كافة السبل والوسائل للدفاع عن حقك في الاستقلال بالمعايير القيمية، وأن تراعي حجم مشاركة الوالدين في حياتك المادية؛ لأنها تفتح مجالاً كبيراً عن بعض الآباء للتبعية الدائمة، وعليكم كآباء المستقبل أن تعوا ذلك.
لكن التعاطي مع المجتمع في هذه القضية يختلف، فتربطك به أسس محددة مسبقاً؛ سواء في العمل، أو كعلاقة حاكم بمواطن، يعمل الحاكم لدى المواطن ليحقق له كامل الاستقلالية الفكرية.. وغيرها، لا كما يحدث من حاكم يهيمن ويسخِّر كل ما حوله لتحقيق استقلالية واحدة فقط له هو.
لذا أنواع الاستقلال تؤثر حتماً على النفس البشرية وتوازنها في الحياة بحسب أولوياتها عنده، فقد تكون الاستقلالية الفكرية سبب مشكلات وتوترات لبعض الأشخاص، خاصة المفكرين والكتَّاب مثلاً.. وغيرهم، وقد تكون الاستقلالية المادية سبب اضطرابات عند غيرهم.. وهكذا، لكن لكل دوره في فقدان التوازن.
فإن استقلال المعتقد.. ستنحصر الأمور في قناعات ضيقة محددة.
استقلال الفكر.. لن يخلق إبداعاً أو أفكاراً.
استقلال المادة.. سيورث شريحتين؛ ملكاً وخدماً.
استقلال العواطف.. لن يتحقق؛ لأنك لا تستطيع التحكم فيها مهما فعلت؛ لذلك سيتولد الكره أكثر والحقد.
استقلال الجسد.. سيكون حبيساً للحركة، غير منجز العمل الحركي، لكنه قد يحقق إنجازات فكرية.
قال: ولكنه – للأسف - يصل في بعض الأسر والمجتمعات إلى سيطرة كاملة، وعدم استقلاله في كل شيء، حتى تكاد تظن أن الآراء كلها اجتمعت في رأي واحد، والصواب هو صوابه، والخطأ هو ما يراه خطأ.
قالت: نعم، لذا ثارت على مثل هؤلاء العقول والقلوب قبل الأجساد، وهان فيها كل شيء؛ أولها النفس والجسد والمال؛ لأن الاستقلال يعني لك كل شيء وفي كل شيء.
فإن عدم توافره يسوق الأمراض تترا إلى النفس والعقل والجسد، لقد فطر الله عز وجل النفس على الاستقلال، وتحمل مسؤولية وتبعات ذلك، حتى في الكفر والإيمان به جعله لمن يشاء، ولكنه وضع معها نتائج اختيار كل طريق، وعليك أن تختار، هذه هي الأمانة الكبرى التي خص الله عز وجل الإنسان بها؛ لذا للاستقلال ثمن يدفع لشيء في الحصول عليها فقط، ولكن في استمرارها وبقائها يحاسب عنها الإنسان كمسؤولية حملت له.
قال: حتى الاستقلال سنحاسب عليه؟ فكيف يكون استقلال إذاً؟
قلت: الاستقلال كالفطام، عليك أن توفره لنفسك، وفطام معرفي، وعليك أن تبحث عنه بنفسك، حتى وإن ساعدك أحد، وفطام عاطفي عليك أن تغطي احتياجك منه.. وهكذا، وعدم تحقُّقه يشعرك بالفشل والملل والعجز، وتفقد جزءاً من شخصيتك على المستوى النفسي والمزاجي.
والاستقلال شعور يعيشه الإنسان الناجح العصامي الذي بنى نفسه بنفسه.
قلت مازحة: لكن لا يعي ذلك أن الجميع يخرجون الآن على أسرهم مطالبين بالاستقلال، وإعلان استقلال جمهورية الأبناء عن الآباء حتى تكون مخططاً له كل بأوانه ووقته المناسب، وإلا سقطت في فخ الغرور والكبر.
بل كونوا في خندق النجاح والإنجاز لأهدافكم باستقلالية الأفكار وتبعية الخبرة.
لتكون أنت أنت بتواضع وخبرة مع ثقة وحكمة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل