العنوان من معاني السيرة..
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 04-مايو-1971
مشاهدات 105
نشر في العدد 58
نشر في الصفحة 3
الثلاثاء 04-مايو-1971
- كن متفائلًا ونحِّ عن ضميرك وطأة اليأس
- وكن واثقًا.. ولا تفقد نفسك أبدًا
لا يأس!!
ولئن كان الواقع يحاط بمثبطات ثقيلة.. ويلفه ظلام سميك الطبقات؛ فإن هناك حقيقة لا ينبغي أن تغيب عن أذهاننا وأفئدتنا لحظة، وهي: أن التغيير أمر ممكن، وأن تمزيق الظلام ليس شيئًا مستحيلًا.
إن اليأس عجز عن مواجهة الواقع.. واستسلام للحظات قنوط تهيّئ لصاحبها أن لا سبيل إلى رؤية الضياء.. وأن الدجال يدق الأبواب بفتنة.
وكأي من شعب أو أمة.. وكأي من رجل واجه مثل هذا الواقع الثقيل وكاد أن ييأس، ولكن تجمل بالصبر، وتماسك وما هي إلا فترة قصيرة حتى تغير الحال.. وانفلق الصبح بعد ليل طويل.
إن الذي يرى واقع هذه الأمة الإسلامية؛ يفزعه ما بهذه الأمة من قصور ذاتي، وما يدبره لها الخصوم من مكر تزول منه الجبال.. بيد أن الوقوف عند هذا الفزع.. وحصر الرؤية فيه وحده تصرف لا يستقيم مع الإيمان.. ولا مع تجربة الحياة والتاريخ.
إن الإيمان بالله هو إيمان بالقدرة التي تغير الواقع.. وبالأمل الذي لا ينقطع أبدًا، وبأن مع العسر يسرًا.
أمم بكاملها مرت بلحظات يأس؛ ولكنها انتصرت على هذا اليأس في النهاية، وتغلبت على عوامله.
هذه حقيقة قائمة ينبغي أن نواجه بها الواقع القائم.
وفي تجربة الأشخاص قديمًا وحديثًا ما يؤكد في حسم أن الفرج آت يقينًا.. علم ذلك من علمه.. وجهله من جهله، صحة بعد مرض.. وعمل بعد تعطل.. وإنجاب بعد عقم.. ونجاح بعد فشل.. ولقاء بعد فراق.. وابتهاج بعد اكتئاب.. وربح بعد خسارة.. ونشاط بعد فتور وكسل... إلخ.
هذه كلها تجارب حية تفعم الأفئدة بأن الانتقال من حال إلى حال.. من سيء إلى حسن.. إلى أحسن منه.. إلى أنضر حسنًا.. هذا الانتقال واقع كذلك.. ومن ثم لا داعي قط للاستسلام للجانب المظلم من الواقع.. وتجاهل الجانب المشرق الباسم.
لا تيأس أبدًا..
إن احتمالات المستقبل مفعمة بالخير.. وأن اليسر في الطريق إليك..
هل هذه أمنيات مفرطة في الخيال؟؟ لا!!
إن النبي -صلى الله عليه وسلم- واجه واقعًا ثقيلًا يحيط به الظلام من كل جانب.. ومثلًا عندما رده أهل مكة ردًا غير كريم؛ ذهب إلى الطائف فلعل في القوم هناك من يحسن الاستماع والاقتناع.. لكن هذه الأمنية لم تتحقق؛ فقد لقى النبي من القوم ما لا يطيق احتماله سوى الأنبياء.. وقفل النبي راجعًا.. وكان معه زيد بن حارثة فسأله: كيف يرجع إلى مكة وقد خرج منها بعد أن صد القوم عنه صدودًا؟
هنا قال النبي لزيد: يا زيد، إن الله جاعل لما ترى فرجًا ومخرجًا لا يأس أبدًا..
ومن الإيمان أن نسكب في نفوسنا الأمل وأن نشيع فيها التفاؤل.. ذلك أن التفاؤل هو جوهر التوكل على الله.. وهو الذي يمنح المسلم الرؤية في أحلك ظلمة.. ويمنحه القدرة على تخطي أي عقبة.. ويمنحه الارتفاع فوق كل مثبط... ويطرد عنه التشاؤم والكآبة، ويرويه بالبهجة والانشراح والحبور.
ومن المعاني التي ينبغي التركيز عليها ونحن نتحدث عن سيرة النبي.. معنى الثقة.
أن نثق بأنفسنا تمامًا.. ولا نهن أبدًا.
إن الرجل الواثق من نفسه.. رجل قوي العقيدة.. مستنير التفكير.. عزيز النفس.. عالي الهمة والروح والاهتمام.
إن لاعبي بعض أنواع الرياضة يقوم أحدهم بممارسة لعبة خطرة.. كالوقوف على رجل واحدة على طرف خشبة معلقة في الهواء بينما ثقل جسمه الباقي في جانب آخر.. أو كإسناد رأسه إلى حبل متأرجح إلخ.. يقوم بمثل هذه اللعبة؛ فتنبض قلوب المتفرجين دهشة وخوفًا.. بينما هو يقوم بذلك في ثبات واطمئنان عاديين... لماذا؟
لأنه واثق من نفسه وأعصابه.
إن الثقة بالنفس أمر ضروري للتغلب على الواقع مهما كان ثقيلًا.
إن التردد والرجفة.. وترك الأمر الحق خشية من الناس.. أو تهويلًا وتضخيمًا لردود أفعالهم.. هذا الموقف لا يفعله إنسان يثق بنفسه..
ولقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- ممتلئًا بهذه الثقة.. لا تفارقه في منشط ولا في مكره.. وبهذه الثقة واجه العرب بدعوته بدون تردد.
وكما أن التفاؤل هو جوهر التوكل على الله، فإن الثقة بالنفس سلوك عملي يترجم هذا التوكل في الواقع.. ويحوله من مشاعر نفسية إلى مواقف جادة.
ولن يغيض نبع التفاؤل لأنه جوهر التوكل على الله -سبحانه، والله هو الحي الذي لا يموت، ومن ثم يقول القرآن: ﴿وَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱلۡحَيِّ ٱلَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحۡ بِحَمۡدِهِۦۚ﴾ (الفرقان: 58).