; استراتيجية إسرائيل وأهدافها الاقتصادية | مجلة المجتمع

العنوان استراتيجية إسرائيل وأهدافها الاقتصادية

الكاتب يوسف كمال محمد

تاريخ النشر الثلاثاء 05-نوفمبر-1996

مشاهدات 125

نشر في العدد1224

نشر في الصفحة 28

الثلاثاء 05-نوفمبر-1996

▪ منتجات إسرائيلية مُعدة لغزو الأسواق العربية

كتب أحد خبراء الاستراتيجية المرموقين عن استراتيجية اليهود في هذه المرحلة، فبيّن أنهم يتحركون على محورين:

1- محور مُعلن تدق له الطبول، وتعقد له الجلسات وتنشب في أجوائه الخلافات، وهو ثانوي من ناحية الهدف. 

2- محور خفي، يعمل له بدأب وإصرار وبكافة السُبل، وهو الرئيس من ناحية الهدف. 

وحتى تتضح أبعاد هذه الاستراتيجية نضرب بعض الأمثال لنعرّج بعدها على موضوعنا.

خذ مثلًا شعار السلام الذي رُفع، كان هدفًا ثانويًّا استطاعوا به أن يحصلوا على كل شيء من منظمة التحرير الفلسطينية، وحين أتي وقت العطاء ذهب بيريز وجاء نتنياهو في أدوار محسوبة، ولم يحصل الفلسطينيون على شيء، سوى كانتونات يحكمها اليهود ويتحكمون فيها بالفعل، وتدق طبول السلام، وتعقد موائد المفاوضات في جدل لا ينتهي، والهدف هنا ثانوي، بينما يتم تحقيق الهدف الرئيس في بناء المستوطنات وتفريغ القدس من سكانها العرب لتهويدها.

ومثل آخر عندما عقد مؤتمر الإرهاب بعد الحوادث الانتحارية، وسط جو من التخويف والتهديد والوعيد، يأتي إليه رؤساء العالم تحت شعار مقاومة الإرهاب، وكان الهدف الرئيس الحصول على اعتراف عربي شامل، وتسريع خطوات الهرولة للتطبيع، وإزاحة المقاطعة الاقتصادية العربية بالكامل عن اليهود. 

استراتيجية إسرائيل في خطط السوق الشرق أوسطية

ومن هنا نستطيع استخلاص طبيعة هذه الاستراتيجية في خطط السوق الشرق أوسطية بالمنطق والواقع، بمتابعتها من الدار البيضاء إلى القاهرة مرورًا بعمّان، إن هدفها المعلن هو الخير الجميع عن طريق النمو الاقتصادي والتعاون التجاري، أما هدفها الحقيقي غير المعلن فهو:-

1- اختراق رأس المال اليهودي لقطاع رجال الأعمال عن طريق بريق الغنى والربح الوفير، الذي وحده يستطيع تطبيع قطاع القوة في المجتمع العربي، وهو قطاع رجال الأعمال، بعد ربطهم رباطًا وثيقًا بخدمة رأس المال اليهودي، وبالتالي ضمان التتبيع السياسي والثقافي.

وفي حالة غياب الوعي ينشط النفعيون من رجال الأعمال، بمعاونة النفعيين من أقزام مراكز القوة، ولا يعرفون إلا المذهب العملي النفعي كحافز، فلا يرون إلا تحت أقدامهم، ولا يدركون الهوة السحيقة التي يدفعون إليها أمتهم.

2- تهيئة المنطقة جغرافيًّا واقتصاديًّا لتسهيل قيام إسرائيل الكبرى وإسرائيل العظمي عن طريق ما يسمى بالمشروعات الإقليمية، والغرض منها السعي التدريجي لتحقيق إسرائيل كبرى من حضن إسرائيل العظمي.

لذا يركز الاهتمام على تهيئة الظروف لتكون إسرائيل مركز التكنولوجيا والصناعات المتقدمة، والعالم العربي والإسلامي مجرد مصادر للطاقة والمواد الأولية والعمالة الرخيصة، ومكانًا للصناعات الملوثة للبيئة ومستهلكة للطاقة، ولا تفتح لها إلا أبوابًا محسوبة للاستثمار كالطرق والغاز والكهرباء وتحلية المياه.

وتبذل كافة المحاولات لإخراج إسرائيل من أزمة المياه وأزمة الموارد، فصادراتها عُشر الصادرات العربية وأهمها صادرات الأسلحة، ومواردها ناضبة، ونفقاتها على التسليح والأمن عالية وقاتلة لاقتصادها، وخير دليل على ذلك هو أعمال المؤتمر الأول للشرق أوسطية الذي عُقد في الدار البيضاء والمؤتمر الثاني الذي عقد في عمان.

عُقد المؤتمر الأول للشرق أوسطية في نوفمبر سنة ١٩٩٤ بعد توقيع اتفاقية السلام مع الفلسطينيين أواخر عام ١٩٩٣، وكان واضحًا أن الهدف منه كان تحقيق:-

1- الوصول إلى قاعدة رجال الأعمال في العالم العربي والتسلل إليها.

2- التفلت من قيود المقاطعة العربية الاقتصادية.

3- ورغم أن المؤتمر انعقد بعد مهرجانات السلام، والهدف المعلن عن التنمية والرفاهية، فإن رابين لم يتورع عن أن يقول للجميع بغير مناسبة أن القدس ستظل العاصمة الأبدية لإسرائيل دون مُنازع.

كل هذا والحكماء عندنا يعرفون السياسة بأنها من الممكن، ثم يسمون الاستسلام سلامًا، ويعلون من شأن المنهج البراجماتي الذي يعلي من شأن الواقع ويجعل الحقوق خرافات.

ولقد حققت المتاجرة بالسلام نتائج فورية وملموسة لليهود في عهد بيريز، فأرتفع الناتج القومي الحقيقي لإسرائيل من 3,4% سنة ١٩٩٣ إلى 6,5% سنة ١٩٩٥، مما عمل على زيادة دخل الفرد من ١٣ ألف إلى ١٦ ألف دولار، وتضاعفت الصادرات اليهودية ثلاث مرات بعد النفوذ إلى بلاد إفريقيا وآسيا بعد تجميد اتفاقية المقاطعة العربية.

وفي مؤتمر عمان في نوفمبر سنة ١٩٩٥ أصبح الهدف أكثر وضوحًا ويتمثل في:-

1- أصرّت الولايات المتحدة على ضرورة إنهاء المقاطعة الاقتصادية لإسرائيل تمامًا، ووصفها كريستوفر بأنها من أكبر الحواجز السياسية الضارة ضد تحقيق انفتاح اقتصادي أكبر في المنطقة، ولا تنسجم مع السلام الذي يزحف، وركز اليهود على ضرورة إزالة الحواجز التجارية واستكمال مسيرة الإصلاح الاقتصادي خصوصًا الخصخصة.

2- كانت مفاجأة المؤتمر حين رفع بيريز القناع، وأخذ يدعو علنًا إلى خصخصة السلام، بأن يكون سلام رجال الأعمال، داعيًّا إلى الفصل بين السلام السياسي والسلام الاقتصادي، وهذا الطرح لا يخفي أنهم يتصورون أنه من الممكن تحويل رجال الأعمال إلى طابور خامس للمصالح الإسرائيلية بإغراء البيزنس والكسب السريع، فيتحولون إلى أداة ضغط على حكوماتهم ودولهم ومجتمعاتهم في اتجاه الفصل التام بين السلام السياسي والسلام الاقتصادي كما تروِّج إسرائيل.

3- طرحت علينا خطة اليهود في تشكيل الخريطة الجغرافية للمنطقة، وذلك في مؤتمر عمان فمشروعاتهم تمس البنية الأساسية بشكل مباشر في مجالات النقل والمياه والطاقة والبيئة وغيرها. وهذا نابع من العقلية الصهيونية القائمة على الاستيطان والتوسع في الأرض والهجرة في مصادرها الأساسية، من بادية صغيرة تتسع بالتدريج، فاليهود يرون أن المعاهدات السياسية، والإجراءات الاقتصادية، والاتفاقات الدولية، يمكن نقضها والتراجع عنها، أما التغيرات البيئية والإقليمية فلا يمكن الرجوع عنها مطلقًا، وهذا ما شاهدناه في تهويد القدس وزرع المستوطنات في الضفة الغربية.

فكانت مشاريع اليهود الإقليمية انعكاسًا لمخططاتهم في تهيئة المنطقة جغرافيًّا واقتصاديًّا لطموحاتهم، والدليل على ذلك أنه بدعوى أن تكلفة نقل النفط عبر إفريقيا أو قناة السويس مرتفعة للغاية، حيث تصل إلى ٢٠ دولارًا للطِن، بينما هي عبر إسرائيل ٦ دولارات، يدعون إلى إقامة خطوط أنابيب بترول بديلة تمر عبرها، ثم أقحموا المشروعات المرتبطة بالنَيِل في إطار الحديث عن الترتيبات الإقليمية، وهذه مواضيع تخص دول النهر فقط، كذلك الحديث عن القواعد الاستثمارية الخاصة بسيناء، كمشاريع إقليمية، وهي تتصل بالأمن القومي المصري فحسب.

وسار بيريز بخطوات حديثة معلنة لتحقيق إسرائيل العظمى لتعويض البطء الذي يحدث في تحقيق إسرائيل الكبرى عن طريق الجغرافيا والاجتياح، وهو الهدف غير المعلن، ولكن نتنياهو اليوم يُصِر على تحقيق الهدفين: الكبرى جغرافيًّا والعظمي اقتصاديًّا، معلنًا بكل وقاحة أن العرب يصيحون ولا يعملون، ويحتجون ولكن يأتون ويوافقون.

مراحل المخطط الإسرائيلي

ويمكن تحديد مراحل المخطط الإسرائيلي في هذا الاختراق لتصبح محطة الضخ الاقتصادية الرئيسية في المنطقة من خلال الخطوات التالية:

1- التحرك المدروس لابتلاع الأسواق العربية والإسلامية على أساس تدريجي يبدأ بتتبيع الاقتصاد الفلسطيني والأردني للاقتصاد الإسرائيلي، ويكفي أن تعلم أن قوام الدخل القومي الفلسطيني يعتمد على العمل في إسرائيل، وحين تحرمه منه تخنقه اقتصاديًّا، كما أن ذلك التتبيع يتطلب الاحتواء السريع للاقتصاد الأردني باستغلال ما يمر به من مشاكل.

وحتى تصعب مقاومة هذا التوسع تفجر المشاكل في شرق هذه القاعدة وغربها، عن طريق إثارة القوميات والعصبيات، وتحريك ضعاف العقول من المغامرين والعسكر، لإثارة جو الصراع والخوف وفقدان الثقة، ومشاغلة الأمة بالحروب والصراعات، وتفريغ طاقتها في المؤتمرات والقلاقل، وتضييع الثقة بينها بالشكوك والفِتن.

ويلزم أيضًا لتحقيق هذا الهدف استبعاد الدول ذات الوزن والتأثير، والتي تستطيع بوزنها وتاريخها وقدراتها أن تجهض هذا المخطط أو على الأقل تستعصي عليه. 

3- تصفية التماسك العربي وإحلال مفاهيم الشرق أوسطية، مع إجهاض وتصفية أي محاولة لإقامة سوق عربية مشتركة أو حتى منطقة تجارة عربية حرة واتحاد حركي، حيث إن قيام وحدة اقتصادية عربية بأي صورة تعني التماسك أمام أي محاولة للاحتواء، ويصبح تفوقها التكنولوجي لا قيمة له، فالتكنولوجيا متوفرة عالميًّا، وبمواصفات وأسعار أكثر ملاءة، ولو أتيحت الفرصة لعقول الأمة وخبراتها لتجاورت ما عند اليهود.

3- بناء علاقات اقتصادية متشابكة مع دول الخليج سعيًّا وراء جعل إسرائيل مركزًا لاستثمار المال العربي وتصدير النفط وصناعته، لإتاحة شرايين للحياة الاقتصادية. والتخطيط لجعل إسرائيل قلب شبكة المواصلات الجوية والبحرية والبرية، والاتصالات السلكية واللاسلكية، والبورصات المالية والسلعية.

4- الترويج للخصخصة المتسرعة والارتجالية، خصوصًا وأن الفرصة مواتية عن طريق خصخصة أغلب الثروات القومية في مرحلة التحول الاشتراكي، في سرعة وارتجالية، رغم أن أغلب صناعاتها مِلك للحكومة، حتى يستطيع رأس المال اليهودي تحت ستار أمريكي أو غيره باسم الاستثمار الأجنبي أن يسيطر على مفاصل الصناعات، فيتبِّع منها ما يريد ويصفي منها ما يخاف منافسته والتهليل لحرية التجارة رغم أن اقتصادها أكثر الاقتصاديات انغلاقًا، ليسهل اختراق الأسواق العربية وتصريف منتجاته بها.

5- ضغوط محسوبة لأمريكا وأوروبا بل والمؤسسات المالية الدولية على البلاد العربية، بينما لم تسمع إلى اليوم تدخل لهذه المؤسسات في السياسة الاقتصادية لإسرائيل، بل يعطونها القروض دون حساب.

عن طريق هذه الاستراتيجية والتخطيط تتحقق لإسرائيل الهيمنة عن طريق القيادة الاقتصادية، حين تصبح مصبًا لموارد المال العربي في بنوكها وبورصاتها، ومصبًا لتدفق بتروله في موانيها ومصافيها، ويتحول السوق العربي حقلًا لصناعتها وتفوقها التكنولوجي.

ومن القصور العقلي أن نتصور أن العدد السكاني يمثل عائقًا أمام هذه الهيمنة، وأمامنا عبرة من التاريخ حين سيطر الإنجليز على ميراث الخلافة العثمانية، فأول ما فعلوه لتحقيق هذا في مصر مثلًا أن صفوا القاعدة الاقتصادية التي كونها محمد علي، ثم قضوا على الكفاية الاقتصادية وجعلوا مصر تعتمد على محصول تصدير هو القطن لمصانعها، ثم قامت طبقة رجال أعمال من الإقطاعيين والسماسرة ورجال الأعمال تداولت حُكم مصر، وهي في الحقيقة كانت تخدم أهداف إنجلترا، ولم يكن للكثرة السكانية ولا اتساع الموارد مانع لهم من أن يحكموا كثرة ساحقة من ديار الإسلام بهذا الأسلوب وهم قِلة قليلة، فكيف يكون الحال والإسرائيليون لا يزيدون على 5,5 مليون نَسَمة، لكن دخلهم القومي ٦٦,٦ مليار دولار، بينما بلد كمصر سكانها ٦٠ مليون نَسَمة دخلها القومي ۳۲,۸ مليار دولار سنة ١٩٩٢.

غياب الاستراتيجية العربية

والحقيقة المؤلمة أنه ليس لدى العرب مشروع قومي يلتف حوله الجميع في إصرار كهدف له استراتيجية تجمع كل إمكانات تحقيقه، وخطة ترسم خطوات الوصول إليه، رغم معرفة الجميع أنه لم تمنع قوميات أوروبا المتصارعة ونظمها السياسية المتباينة من حتي الرأس أمام ضرورة السوق الكبير، التي تملي ضرورة الوحدة الاقتصادية لمواجهة التكتلات الاقتصادية الكاسحة، وبدأ الوعي في الجامعات ثم الشعوب ثم لبت الحكومات، ويكفي أن نعرف أن الاتحاد الأوروبي اليوم يشمل ٢٤٠ مليون نَسَمة، والاتحاد الأمريكي ٣٦٠ مليون نَسَمة والاتحاد الأسيوي ١٥۰۰ مليون نَسَمة، والعرب الذين يبلغون ۲۳۰ مليون نَسَمة كل حزب بما لديهم فرحون! يستوردون 60% من غذائهم ولا يصنعون أكثر من 1,8% من بترولهم ورغم أنه وضح بجلاء للجميع هذه الضرورة، ووضح أيضًا للمخالفين والمترقبين أن هذه الوحدة الاقتصادية بأوروبا لم تهدد أي نظام سياسي بها من الملكيات إلى الجمهوريات إلى الديكتاتوريات، فلازلنا نردد باستهتار شعارات السوق العربية المشتركة والإسلامية، ونمتص بحيث آمال الأمة المسلمة بمؤسسات لا فاعلية لها تحت أسماء بنوك دولية إسلامية وصناديق نقدية ومجالس وحدة اقتصادية، ولا يتنبه أحد إلى ذلك إلا بعد فوات الأوان، ثم تبدأ جولة أخرى من الشعارات وامتصاص الطموحات ولم تنجح هذه المؤسسات العربية إلا في الإغداق على الخبراء والموظفين فيها بالمكافآت والمرتبات، وللأسف زاد تداعي مفهوم التعاون العربي الذي أنحدر من اتفاقية الوحدة الاقتصادية والسوق العربية المشتركة في الستينيات إلى مفهوم استراتيجيات الحد الأدنى للعمل العربي المشترك في نهاية السبعينيات، إلى الاتفاقات الثنائية في الوقت الراهن، هذا فضلًا عن بقاء التصدعات العميقة التي أحدثتها أزمة الخليج الثانية في العمل العربي المشترك، وتعثر عملية الاتفاقات الثنائية العربية القائمة. 

واليوم ونحن على مشارف المؤتمر الثالث للسوق الشرق أوسطية الذي سينعقد في القاهرة في ١٢ نوفمبر الجاري، حيث وافقت 99 دولة على الحضور، ويقدّر عدد المشاركين من رجال الأعمال وممثلي المؤسسات والصناديق الدولية والعربية بـ 3000 مشارك، نستطيع أن نتوقع استمرارية اليهود في التحرك نحو الهدف الرئيسي مع فرقعة هدف ثانوي ينشغل فيه المؤتمر في المناقشات والشعارات.

[1] - أستاذ الاقتصاد بكلية التجارة- جامعة الأسكندرية

الرابط المختصر :