العنوان أيها الحاكمون.. تعالوا إلى كلمة سواء
الكاتب محمد المجذوب
تاريخ النشر الثلاثاء 11-يونيو-1974
مشاهدات 65
نشر في العدد 204
نشر في الصفحة 35
الثلاثاء 11-يونيو-1974
أيها الحاكمون.. تعالوا إلى كلمة سواء
بقلم: الأستاذ محمد المجذوب
ا- بالأمس كنت استمع إلى نشرة الأخبار من إحدى محطات الإذاعة، ومع أنها كانت حافلة بما يسر ويحزن، فقد وجدتني مشدود الذهن إلى هذا الخبر الذي يعلن انضمام غير واحد من زعماء الحزب الجمهوري - حزب نيكسون إلى خصومه في دعوته إلى الاستقالة وإجراء محاكمته، لتلوث سمعته بفضيحة »ووترجيت« على الرغم من أن نيكسون هو الذي حقق لأمريكة ما عجز عنه ثلاثة رؤساء قبله.. من المصالح.
وقبل ذلك كنت مشغول الفكر بتقييم (١) عمل حكومة العمال، عندما رأت نفسها عاجزة عن حل مشكلة «الأحزاب» الذي أعلنه عمال الفحم والكهرباء فبدلًا من أن تقذف بالجيش لاحتلال المعامل والمناجم وزج آلاف آلاف الزعماء والنقابيين في السجون، لإرغامهم بقوة السياط والكهرباء على وقف إضرابهم الذي يهدد اقتصــاد بريطانيه كلها بالدمار.. أعلنت حل البرلمان، الذي تملك فيه أصوات الكثرة، ودعت الشعب إلى انتخاب ممثلين جدد يخولهم حق اتخاذ التدابير، التي لم تجد في أكثريتها الضئيلة قدرة على النهوض بها..
وإلى جانب هذا التصرف الديموقراطي كانت إسرائيل -ذات الأجناس والألوان واللغات المتعددة- مدعوة لانتخاب ممثلين يفوض إليهم حق التصرف بإزاء التغيرات الجديدة، التي طرأت على الموقف الحربي، بعد حرب أكتوبر.
وكان طبيعيًا أن تجري هذه الأحداث إلى شيء من المقارنة بين مفهوم الحكم لدى هذه الشعوب، ومفهومه لدى غيرهم.. وبوجه خاص لدينا نحن العرب والمسلمين في مختلف أقطارنا المعذبة من آسية وأفريقية..
فبينما نشاهد المسؤولين في هاتيك الشعوب يرجعون إلى استفتاء شعوبهم على هذا النحو في كل أزمة كبيرة تواجههم، لتختار وكلاءها الشرعيين من جديد وفي جو من الحرية يمنحهم تفويضًا مطلقًا باتخاذ العلاج الذي يرونه الأفضل لتلك الأزمات.. إذا نحن على الضد من ذلك، كلما اشتدت الأزمات في ديارنا حتى التي تهدد باجتياح الوطن، وتشريد الملايين.. اشتد الضغط على مخانق شعوبها حتى لا يتاح لها أن تتنفس إلا من خلال الثقب الذي يفتحه لها المتسلطون.. وتفاقم كابوس الاستبداد حتى ليصبح العلاج محصورًا في مزيد من التضييق على الحرية، لأنها بزعمهم تشتت الطاقات التي يجب أن تتوحد، ولا سبيل لتوحدها إلا في تشديد قبضة الحاكم على أزمة الأمور، بحيث لا يبقى لأحد حق في غير التصفيق للفارس، أو الهتاف للموكب الزاحف.
۲- وأسأل نفسي لم كان الحرمان من حرية القول والنقد والتوجيه يكاد يقتصر علينا وحدنا نحن العرب والمسلمين..
أذلك لقصور في مداركنا.. أم لخلل في فطراتنا.. أم لنقص في انسانيتنا؟.. لما تقاسم الحلفاء غنائم الحرب الكونية الأولى وزعت أوطاننا على المنتصرين.. بوصفنا شعوبًا متخلفة لا تصلح للحكم فلا بد من تدريبنا عليه زمنًا طويلًا. وهكذا فرضت علينا الوصاية الدولية وعوضنا عن المشاركة في الغنيمة، بأن صرنا بعض الغنائم، يتقاسمنا الذين قاتلنا بجانبهم إخوتنا على الصورة المزرية التي يعنيها شوقي بقوله:
قد رجونا من الغنائم حظًا
ووردنا الوغى فكنا الغنائم
ولكن بقية من المقومات التـي ورثتها هذه الشعوب من دينها الحي ومن مواريثها الأبية قد ساعدتها على إثبات ذاتها في سلسلة فن الثورات الدامية، خاضت خلالها بحارًا من الدماء، فأكرهتهم على التخلي عن مواقعهم، والاعتراف بحقوقها في الحياة والكرامة حتى خرجوا في مواكب العار يحدو
هم هتاف الهوان والازدراء
وعلى الأرض من طيوف مآسيهم
بقايا الألام بعد الوباء
وكان من حق هذه الشعوب التي حققت كل هذه المواقف أن تنعم بأكبر قسط من الحرية والعزة التي بالغت في شرائها بأرفع الأثمان.. ولكن الذي حدث غير ذلك تمامًا، لأن الذين تولوا سياسة الأمة في أعقاب جلاء الأجنبي عن أرضها، سرعان ما نسوا فضلها في ذلك الجهاد العظيم، وراحوا يعبثون بمقدراتها على وجه لم يخطر في بال الأجنبي نفسه.. فبدلًا من أن يتعهدوا فيها تلك المقومات، التي منحتها القدرة على مواجهة طوفان الأحداث طوال عهود الركود، من الغزو التتاري، إلى الزحف الصليبي، إلى الغارات الاستعمارية المتوحشة.. ابو إلا الانحراف بها عن ذلك الطريق، فثبتوا كل ما خلفه الأجنبي في دوائر الحكم من نظم هدامة لخصائصها وتركوا الأذناب الذين كانوا أدواته في إذلال هذه الشعوب، على منازلهم من السلطة الأولى، بل ضاعفوا من حريتهم في التصرف.. حتى ضجت الأرض من مفاسدهم، وبذلك تهيأ الجو لقبول الدعوات المغرية، التي راحت تمنى الناس بكل ما يعوزهم من العدالة والكفاية والأمن... وما هي إلا قفزة تلتها قفزات حتى كان أصحاب هذه الدعوات على صهوة السلطة.. وفي موكب من ضجيج الشعارات الغائمة شرعوا في تجميع أزمة المواقف كلها، سواء في نطاق الاقتصاد أو السياسة أو الاجتماع في أيديهم وحدها.. ثم استطاعوا في برهة وجيزة أن يقضوا على كل أمل بالتحرك خارج المدى الذي أرادوه.
٣- هكذا أوجدت الشعوب -التي دفعت من دمائها وعرقها ثمن الاستقلال- نفسها فريسة هيئة للسادة الجدد، أشبه بالأرنب المخدر يمزق جسده مدرس التشريح لإجراء التجارب.. فكانت صورة مجسمة لقصة ذلك النكاش الذي كان ينبش قبور الموتى ليسرق أكفانهم، فلما قضى عليه الموت وورثه ولده في مهنته وسمع لعنات الناس عليه إلى على نفسه ليدعنهم يترحمون على أبيه.
ومضى يستأنف عمل الوالد نفسه، ويزيد عليه الوتد الذي يدقه في جسد كل ميت.. حتى انقلب الناس يترحمون على النكاش الأول بإزاء ما يصنعه النكاش الثاني..
لقد حرمت الشعوب في ظل هذه السلطات الثورية حقها في التملك، فهرب كل مستطيع بما تبقى له من مال إلى حيث يأمن على أتعابه..
وحرمت حقها في الأمن، فهربت الكفايات العقلية إلى حيث تجد الجو الصالح لعملها وتطورها … ومن لم يستطع فرارًا من أشباح الخوف.. لزم مكانه مضطرًا في حياة خير منها الموت...
والذين استطاعوا الاحتفاظ بكرامتهم في ذلك الجو الرهيب فلـم ينحنوا للعاصفة سيقوا إلى المعتقلات ذات التعذيب التالي ليلبثوا فيها الشهور والأعوام دون محاكمة بل دون أي تهمة، سوى أنهم غير مرغوب فيهم بالنسبة إلى النظم الحاكمة
وذلك على الرغم من الدساتير التي أصدروها، وأعلنوا فيها كفالة الحريات الشخصية لكل مواطن...
والعجيب في أمر هؤلاء الثوريين أنهم يصبون على شعوبهم كل هذه المحن، وهم أحوج ما يكونون إلى حب هذه الشعوب وثقتها بهم.. ولو لم يكن ثمة من حاجة إلى حبها وثقتها سوى تحديات الأفعى الإسرائيلية اليومية، لكان ذلك وحده كافيًا لأقنعهم بوجوب تصحيح علاقاتهم بهذه الشعوب.. فكيف والشعوب العنصر الرئيسي لكل بناء وقوة ومجد...
إن القائد، مهما سما في مواهبه، لا يعدو صفة المهندس، الذي يدرس طبيعة الأرض ويضع لها المخطط المناسب.. ولكن تنفيذ هذا المخطط يتطلب جهود مئات الأفراد من ذوي الاختصاصات المختلفة ولا جرم أن الحاكم الذي يفرض القهر المذل على شعبه هو كالمهندس الذي يزعم الاستغناء عن تضافر هذه الجهود لمعونته ثم يرفض معونتها نهائيا..
فإلى متى يستمر حكامنا الثوريون في تناسى هذه الحقائق الأولية.. أو تجاهلها، فيتذكروا أن الإنسان هو اسمى هبات الخالق، وكل شيء ينبغي أن يوضع في خدمته لتأمين سلامته وإطلاق مواهبه في صنع الحضارة والتنافس في بناء العظائم...
٤- أن في تجارب التاريخ البشري خير الأمثلة على سداد هذا التقدير.. فالشعوب التي لا تطمئن إلى سلطاتها الحاكمة، ولا تؤمن بأنها هي صاحبة الحق الأول في إقامتها ومراقبة تصرفاتها، لا يحق لولاتها أن يطمئنوا إلى نصرتها أبدًا.. لأن العداء والريبة هما أساس العلاقة بين الفريقين.
وقد أوضح رسول الله صلوات الله وسلامه عليه أن (خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، وتصلون عليهم ويصلون عليكم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم. وتلعنونهم ويلعنونكم) (۱) وفي هذا التصوير النبوي الدقيق تعليم للحكام بأن السبيل الوحيد للحكم الناجح هي إقامته على قواعد الحب المتبادل والحب هو العلاج الوحيد الذي لا يفرض بالإرهاب، ولا يصنعه تصفيق المنافقين..
إن زعم المستعمرين بالأمس عدم أهلية شعوبنا للحرية والاستقلال، لا يختلف كثيرا من زعم حكامنا الثوريين اليوم: أن شعوبهم غير مؤهلة للحرية وإنهم من أجل ذلك يفرضون عليهم وصاية الحزب المختار لتدريبهم على استعمالها! والحق أن زعم الفريقين لعجيب، لأن القاصر من البشر يستحق التصرف بما له بمجرد بلوغه سنًا محددة.. على حين أن الشعوب المتهمة بالقصور لا مطمع لها في بلوغ الرشد، لأن تحديد سنها خاضع لإرادة الحاكم، تستمر سيطرة القبضة الواحدة على مخانقها عشرات السنين كما حدث للبرتغال تحت كابوس سالازار، وقد يستمر ذلك جيلًا فجيلًا كما هو الحال في روسيه، حيث تتسلط نسبة الستة في المئة على مجموع الملايين المئتين.. أو كما تفعل العسكرية التركية في إكراه الشعب المؤمن على التزام طريق العلمانية الكمالية.
ولقد أثبتت الوقائع في كل بقعة تخضع لتسلط الفرد أو الحزب أن حصار الحرية مهما طال ليله لا يقتلع جذورها، لأنها جزء من فطرة البشر، ولكنها بدلًا من أن تأخذ سبيلها إلى التكامل في ظل الشورى.. فتنتفع من التجارب، وتكتسب الخبرة من الحوادث، حتى تستقر في المسلك السليم البناء، فكرة في ظل الاستبداد على الالتواء والتذبذب، فتضطرب مسيرتها، ثم تفقد القدرة على الإنتاج الصالح.. وربما استحالت في الكثيرين إلى ضرب من النفاق الممزوج بالحقد، فيهتفون للقوى، وينفسون عن كبتهم بإيذاء الضعيف... كما هو الشأن في كل بلد يخضع لمثل ذلك التسلط...
5- وقد شاء الله أن يشهد جيل الثوريين -في بلاد العرب- أكبر الشواهد على صحة هذا الواقع بالنسبة لنفسيات الشعوب.. ولنجتزئ منها بمثل واحد لا يزال ماثلًا في خيال كل ذي عينين..
لقد عبأ العهد الناصري كل طاقات الصراخ والتهريج قرابة ربع قرن، حتى ملأ أذان العالم بأغاني النصر، وأناشيد المجد، وكتابات المنافقين الذين اشترى أقلامهم.. ولكنه على الرغم من كل ذلك قد أثبت عجزه في كل مناسبة تستدعي العزم والجد والتخطيط العبقري.. وسجل عهده الرهيب أفجع الهزائم في كل معركة خاضها، وإن استطاع عن طريق »الفن« تحويلها إلى »انتصارات«.. سيختلف المفكرون في تحديد العوامل التي أدت بالعهد الناصري إلى كل هذه الكوارث، ولكن العامل الأكبر الذي لا يجوز الاختلاف عليه هو سياسة الإذلال التي أدار بها مقدرات مصر -بوجه خاص- إذ حاول أن يزج بالمصريين في دوامة من الصراع تمزق طاقة الجميع، حتى لا تبقى لديهم فرصة للتفكير في وسيلة للخلاص. لقد بدأ ضربته في أوساط الملاك فانتزع ما بأيديهم باسم الكادحين حتى إذا اطمأن إلى موقف هؤلاء التفت إليهم فعالج طموحهم إلى العدالة بتعليق ثلاثة من كبارهم على أعواد المشانق في كفر الدوار... ثم تفرغ للحركة الإسلامية الكبرى فلاحقها بالاتهامات والضربات، حتى ملأ القلوب ذعرًا وهلعًا... وأعاد من جديد إلى مصر سياسة المعز الذى سأله كبار المصريين عن حقيقة نسبه فنثر ذهبه وهو يقول: هذا نسبي، ثم استل سيفه في وجوههم وهو يصيح: ومن أبى فهذا حسبي..
وسرعان ما ذهب والعناد وقصر النظر بوعى العده الناصري، فمضى يخوض مغامراته في اليمن والقناة وحرب حزيران ٦٧ بهذا الشعب الذي سلبه روح الأمن، وشحن سجونه ومعتقلاته بالآلاف من خيرة شبابه وصفوة مجاهديه، مسلطًا عليهم من فنون التعذيب ما عجز عن تصوره حتى صلاح نصر وشمس بدران وعلي صبري وحمزه البسيوني، فراح يستقدم لهم خبراءه العالميين من شرق أوروبة فيعلموهم ما لم يعلموا من وسائل الإرهاب.. ثم كانت النتيجة التي لا مندوحة عنها لهذه المقدمات، وهي الهزائم التي دفعت مصر العزيزة ثمنها عشرات الآلاف من صفوة فتيانها، والعديد من مدنها ومرافقها، دون أن تحرز نجاحًا واحدًا في أي من هذه المغامرات... وطبيعي أن المسؤول عن هذه الكوارث كلها النظام الذي لم يتسع صدره لنقد ناقد، ولم يحتمل سمعه نصيحة مخلص.. وقد اضطر ممثل ذلك العهد أن يعلن تحمله التبعة كلها في أعقاب آخر الهزائم، التي وضعت مرافق مصر جميعها بالمجان تحت سلطان العدو الذي لا يؤمن بالرحمة ولا يقيم وزنًا للقوانين الدولية...
إذن فالسبل الوحيدة إلى النصر إنما هي ارتباط الشعب بالسلطة على أساس من الثقة بنزاهتها وعدالتها وإخلاصها لقيمه... وبعبارة أوجز هي إشعار المواطن بأن القضية هي قضيته أولًا وأخيرًا وإشعار المحارب في الجبهة أن ظهره محمي بقلوب أمته وأن أهله وأطفاله وديعة مكرمة في أيد مطهرة.. وأنه غير معرض للتسريح إذا سلم من الموت..
إن ربع قرن ونيفًا يمر على وجود إسرائيل في قلب أمتنا فلا تزداد إلا استكبارًا وعنادًا وتوسعًا على حسابنا هو أوضح دليل على أن مسيرتنا في مواجهتها لم تنطلق من نقطة السداد... وان كل تصرفات حكامنا لم تكن صادرة عن تخطيط سليم..
لقد أن لهؤلاء الخاطئين في حق امتهم أن يثوبوا إلى رشدهم. فيصلحوا ما بينهم وبينها على أساس من الثقة المتبادلة...
إن هذا الضرب من التعامل الشريف بين الحاكم والمحكوم هو أحد الركائز الأصيلة في تراثنا الحضاري، فلا صلاح لشعوبنا إلا باحترامه، ولا عزة لأمتنا إلا بالتزامه.. فمتى يعي القابضون على أزمة الحكم في بلاد العرب والمسلمين هذه الحقيقة البديهية!..
٧- لقد أقبل رسول الله يوم بدر على صحابته يصفهم للقتال، ويسوى نظامهم بسهم في يده، وقرع على بطن أحدهم يرده إلى الصف فقال: أوجعتني وقد بعثك الله بالحق والعدل فأقدني.. »فكشف عن بطنه وهو يقول لصاحبه: «استعد«.. (۳) وفي أعقاب بيعة السقيفة وقف الصديق على منبر المسجد النبوي يلقى على ناخبيه بيانه السياسي.. فكان مما أعلنه يومذاك قوله (قد وليت عليكم ولست بخيركم فإن رأيتموني على حق فأعينوني وإن رأيتموني على باطل فسددوني)
وخطب الفاروق في وفود الحجيج يقول: (أيها الناس... إني إنما أبعث عمالي ليعلموكم دينكم وسنتكم ولا ابعثهم ليضربوا ظهوركم ويأخذوا أموالكم … إلا من رابه شيء من ذلك فليرفعه إلي.. فوالذي نفسي بيده لأقصنكم منه.. ) أي أنه يقسم على أنه سيقتص من الأمير الذي يضرب مسلمًا في غير عقوبة شرعية.. والتفت إلى أمرائه يحذرهم على ملاً من أهل الموسم: »إلا لا تضربوا المسلمين فتذلوهم.. ولا تمنعوهم حقوقهم فتكفروهم. «(4)
ونحن لا نريد من حكام المسلمين إلا أن ينعموا الفكر في هذه الأصول الإسلامية لسياسة الدولة، فيعلموا حدود وظيفتهم، وإنها تعليم الناس وتوفير حقوقهم في العدالة والأمن والحماية من الظالمين.. لا سوقهم إلى المشانق بتهم مزورة، ولا تسليط الجلادين على رقابهم لمجرد الإرهاب.
إن سياسة الإسلام التي عرضنا بعض نماذجها في أعمال رسول الله وصاحبيه هي التي رغبت الرعيل الأول في الجهاد لإعلاء كلمة الله، وتحرير عباده من بغي الطواغيت ذلك لأن نظام الشورى الذي عليه قام نظام الإسلام قد ملأ المسلم من أي لون وأي طبقة شعورًا بالأمن، واعتزازًا بالدين فتح له الطريق للوصول إلى أسمـى ما تؤهله له كفاياته من المناصب العلمية والسياسية وكان من ثمرات هذه السياسة ذلك البنيان الحضاري الذي لم يعرف التاريخ له مثيلًا من قبل ولا من بعد...
أما سياسة الاستعلاء الحزبي والعنصري، وما وراءها من أساليب الإذلال والقهر فلا مردود لها سوى الانهيار، الذي جرف ويجرف الحاكم والمحكوم جميعًا.
أيها الحاكمون.. من أجل مستقبلكم.. وفي سبيل الإنقاذ لأمتكم.. جربوا العودة إلى نظام الشورى، الذي به وحده يتاح لشعوبكم المقهورة المحطمة أن تعود خير أمة أخرجت للناس.. ولن يكلفكم هذا سوى انتخاب نظيف يعبر فيه كل فرد عن رأيه في ممثل طائفته، كشأن الحكام الذين يقدرون إرادة شعوبهم، ويقرون بأنها وحدها صاحبة الحق في اختيار ولاتها. وفي مقدمة هذا الإصلاح إلغاء القاعدة المشبوهة التي تجعل نتيجة الانتخاب فوق التسعين مهما قل عدد الناخبين.
أيها الحاكمون.. ﴿تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إلا نَعْبُدَ إلا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ فإن استجبتم فقد اهتديتم وهديتم، وان توليتم فاشهدوا بأنا مسلمون.. مسلمون ولو كره الكافرون.. إلا هل بلغت..
اللهم فاشهد وأنت خير الشاهدين.
(١) التقويم هو الأصل، وقد أثبتنا الياء قياسا على « التعييد » وعلى « أحيل » التي اصل يائها واو.
(١) من حديث رواه مسلم.
(۳) سيرة ابن هشام.
(٤) جمهرة خطب العرب.
الرابط المختصر :
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل