العنوان حول.. قصة من يوغوسلافيا.. تعقيب على تعقيب
الكاتب محمد المجذوب
تاريخ النشر الثلاثاء 09-يوليو-1974
مشاهدات 72
نشر في العدد 208
نشر في الصفحة 37
الثلاثاء 09-يوليو-1974
حول.. قصة من يوغوسلافيا
تعقيب.. على تعقيب
اطلعت على ما كتبه فضيلة الحاج سليمان كيمورا تعقيبًا على (قصة من يوغوسلافيا) التي سبق أن نشرتها لي (المجتمع) في العدد ١٨٧ ولا بد في التعقيب على هذا التعقيب من تلخيص ما تضمنه كلام فضيلته حول هذه القصة، وها أنذا أوجزه في النقاط التالية:
ا - يعتبر فضيلته أن تقدير رابطة العالم الإسلامي للتطورات الإصلاحية الطارئة مؤخرًا على حياة المسلمين في يوغوسلافية دليل على بطـلان ما تضمنته القصة عن ألوان الاضطهاد الذي عانوه في ظل الشيوعية، ويدعم حجته هذه بإطراء ما كتبه سماحة مفتي لوبية - ليبيا - في صحيفة الرائد، وفيه يقول: إن يوغوسلافية قلعة الإسلام في أوروبا.. ومؤهلة لأن تكون منطلقًا لنشر الدعوة الإسلامية هناك ص ٢ و٣.
۲ - ومن مستنداته في الرد على القصة حرية العبادة والوعظ وإقامة المساجد التي بلغت خمسمائة منذ الحرب العالمية الثانية. ونشوء معهدين لتخريج الأئمة والوعاظ والمرشدين والعديد من الكتاتيب - لا المدارس - التي تتولى تعليم أطفال المسلمين أصول دينهم.. ثم توقع إنشاء كلية إسلامية في سار اييغو ص ٣.
٣ - وفي الرد على ما تضمنت القصة من إشارة إلى ما كان عليه الأمر من حظر السلطات الشيوعية اقتناء المصاحف، يشير إلى ما يطبع اليوم من نسخ القرآن في يوغوسلافية وبيعها علنًا، وترجمته إلى لغة المسلمين، وظهور ثلاثة أجزاء من تفسيره، وأن ترجمة للجزء الأول من صحيح البخاري توشك أن تصدر... وانتشار بعض الصحف والكتب الإسلامية هناك.
ونبدأ الآن بعرض ملاحظاتنا على هذه النقاط، التي هي أهم مستندات الشيخ في محاولة التشكيك بما عرضناه من حقائق لا تقبل نقضًا ولا نقدًا وبالله التوفيق:
ا - إن تقديرًا للرابطة الموقرة جاء نتيجة لزيارة بعض الفضلاء الذين أوفدتهم إلى يوغوسلافيا. فعادوا يعلنون ما شاهدوا في المجال الذي أتيح لهم زيارته، ثم من تصريحات الإخوة اليوغوسلافيين الذين اتصلوا بالرابطة مباشرة، وعلى رأسهم فضيلة الحاج كيمورا. وهكذا القول في إطراء سماحة مفتي لوبية لوضع المسلمين هناك.
ومع احترامنا التام لمثل هذه الشهادات نذكر فضيلته بحقيقة لا تفوته، وهي أن المألوف في الدول المضطهدة للإسلام أن تقيم واحات خاصة في جحيمها، تدعو لزيارتها - كبار المسلمين، حتى إذا ما شاهدوا مظاهر النعيم في تلك الواحات أبدوا بحق رضاهم عما شاهدوه.. وهي في الواقع زيارات محدودة وعابرة لا تكفي لاستيفاء الصورة الكاملة للوضع الذي يراد دراسته، وإنما تصور الواقع الذي واجهوه وأعد لاستهوائهم. وقد حدث هذا لوفود إسلامية زارت بعض المناطق في الفلبين وروسية. ولقد بلغ من أثر هذا التكتيك الدقيق أن وفدًا من كبار المشايخ زار موسكو بدعوة رسمية، ثم عاد ليعلن بلسان رئيسه - رحمه الله - إن الذي رآه من روعة الإسلام في روسية لا يكاد يجد مثله في بلد إسلامي ووقف أحد أعضاء هذا الوفد في مسجد شهير يخاطب ستالين من على منبره محييًا إياه باسم مسلمي بلده كلهم... وذات يوم أوفدت مؤسسة إسلامية شهيرة وفدًا لتقصي الحقائق عن مسلمي الحبشة، فعاد مشحونا إعجابا بما شاهده من حرية المسلمين وتقدمهم في ظل الطاغوت الهيلاسلاسي! ثم جاءت الأحداث الأخيرة تحطم بعض أغلال المسلمين ليعلنوا في تظاهراتهم الضخمة أنهم محرومون من أدنى حقوق الإنسان، حتى حق التملك في قطر يؤلفون معظم سكانه.
۲ - أما موضوع حرية العبادة والوعظ فهو الركيزة التي تبني عليها الشيوعية دعايتها بين سذج المسلمين في كل مكان، إذ تؤكد في كل مناسبة وبمختلف المظاهر أنها لا تمنع أحدًا من أداء شعائره الدينية، ولكنها في الوقت نفسه تخنق كل صوت يدعو إلى الإسلام، أو يتكلم عن محاسنه وحلوله لمشكلات المجتمع محليًا وعالميًا.. وفي روسية وألبانية وبلغارية يراقب كل ذي صلة بدور العبادة، فتضاعف له العقوبة، التي قد تبلغ حدود منعه العمل أو حرمانه الوظيفة. وفي بلغارية خاصة لا يسمح لطفل بدخول المدرسة إلا بعد تخليه عن كل صفة إسلامية مميزة.
أما السماح للمسلمين بإنشاء المساجد والمعهدين والكتاتيب، والتطلع إلى إنشاء كلية، فليست إلا دليلًا على التعديلات الحديثة التي ألمت بالنظام الحاكم نفسه في يوغوسلافية بعد أن أثبتت التجارب إفلاس الماركسية نهائيًا... فكان من جراء ذلك حدوث تغييرات عامة في كل مرفق حتى في الملكيات الشخصية.
٣- وفي كلام الشيخ عن حرية النشر للمصاحف والتفاسير ونحوها ينسى سامحه الله إن حديثنا عن حظر المصاحف في يوغوسلافية إنما يصور واقع ما قبل التطورات الجديدة وهو أمر لا يستطيع أحد مواجهته بالإنكار، لأن ملايين المسلمين يعرفونه. ويحسن أن يعلم فضيلته أن الحادثة التي تضمنتها القصة عن حظر اقتناء المصاحف، وعن امتناع الشيخ - أحد رجال القصة - عن تسلم النسخة من جمال عبد الناصر والاكتفاء بالسجادة، حادثة حقيقية لا محل فيها لزخرف الخيال، وقد تلقيناها من ثقة عن ثقة.. والحاج کیمورا نفسه يؤكد ذلك إذ يعلن أكثر من مرة في تعقيبه (إن وضع المسلمين أحسن بكثير مما كانوا عليه بفضل المساواة التي حصلوا عليها في المجتمع اليوغوسلافي الجديد) ويعتبر من الأهمية التاريخية (إنه اعترف رسميًا مؤخرًا بكون المسلمين في جمهورية البوسنة والهرسك شعبًا إسلاميًا مستقلًا له تاريخه وشخصيته الإسلامية وحضارته) ويقول في التعليق على ذلك: (وهذا الاعتراف معناه أن المسلمين قد تغير وضعهم واعتبارهم) إذ أصبحوا بعد ذلك شعبًا (يتمتع بجميع ما يتمتع بــــــه سائر الشعوب اليوغوسلافية) ولهم اليوم كيان ديني.. يجد في ظروف يوغوسلافية الجديدة ما يمكنه من التطور والتنمية)
أليس هذا اعترافًا صريحًا بصدق الصورة التي عرضناها لمسلمي يوغوسلافية في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وقبل الإصلاحات الجديدة، التي ردت لهم بعض اعتبارهم في بعض المناطق.. ونقول (بعض) لأن للمسلمين وجودًا غير قليل خارج نطاق البوسنة والهرسك.. وعبارة الشيخ توحي بقصر هذه الإصلاحات على مسلمي هاتين (الجمهوريتين) دون سواهم.
ونرى من حقنا بعد هذا التعقيب الموضوعي أن نذكر فضيلة الحاج كيمورا بالحقائق التالية:
١-في قصتنا صور عن مجازر رهيبة ذهبت بمئات الألوف من مسلمي يوغوسلافية في أعقاب انتصار الحلفاء وتغلب القوات الشيوعية على مقاومة المسلمين فما رأيه فيها؟ وهل لديه اعتراض على صحتها!
۲ - وفي القصة كذلك خبر عن خمسة وأربعين من لاجئي المجاهدين اليوغوسلافيين الذين تخلفوا عن شهداء الكتيبة التي حاربت في فلسطين، فاستقروا في مصر حتى سلمهم جمال إلى تيتو، الذي نفذ فيهم حكم الإعدام... فهل عند الشيخ ما يحرج هذا الخبر، وقد نشر من قبل في مجلة (حضارة الإسلام) الدمشقية بقلم واحد من كبار مسلمي يوغوسلافية!
٣- وفي القصة خبر عن تلك المدينة التي استأصلت المذابح الشيوعية عشرين ألفًا من مسلميها، فلم تبق منهم سوى عجوزين يعيشان في مسجدها الوحيد، الباقي شاهدًا على المذبحة بمنارته المقطوعة، وأبوابه المغلقة - ولعلي غير مخطئ إذا سميتها (مستار) وهي مأساة نقلتها عن ثقة من إخوة لنا يعيشون في أوروبا وقد مر بالبلد، واجتمع بالعجوزين، وعرف منهما قصة المجزرة، ولولا خشيتي عليه طاغوت الاشتراكية في بلده العربي لأبرزت اسمه ولقبه العلمي فما موقف الشيخ سلمه الله من خبر هذه المجزرة وهي أحق بالكلام عن كل ما أشار إليه!
وبعد؛ فإن للشيوعية تكتيكًا شيطانيًا يستهدف تدمير الإسلام من طريقين. أما أحدهما فإلغاء التعليم الديني وإغراق الجيل الجديد بأمواج السموم الإلحادية، حتى يفصله نهائيًا عن مصادر دينه، فلا يبقى لديه من آثاره سوى ما يتلقفه من صور مهزوزة يقبسها عن الآباء والأجداد، في جو من الحذر الشديد، ودون أي تعمق لحقائقه.
وأما الثانية فهي تصفية الجيل القديم عن طريق إهماله حتى يلتهمه الموت.. فينتهي الإسلام بانتهائه ولقد شاء الله أن تشدد المآسي ركائز الإيمان في قلوب الكثيرين من شعبنا المؤمن في يوغوسلافية فحفظ بهم دينه، حتى انتهى بهم إلى بعض الفرج الذي يستمتعون به اليوم.. ولكن هذا لا يعطي المدافعين عن السلطات الشيوعية أي حق في ادعاء رعايتها للإسلام، لأن الواقع أن الإفساد الشيوعي قد سجل كثيرًا من النجاح في صفوف الجيل الجديد منهم وأقرب دليل هو أن إلى جانب الملتزمين بالإسلام جموعًا من أبناء المسلمين الذين لا يتصفون بأي انتماء إليه.
وبين يدي الآن العدد «5» من صحيفة (فيالا - الكلمة) الصادرة بالألبانية في مدينة (برشيتنا) بولاية فوصوة اليوغوسلافية لشهر آب سنة ۱۹۷۲ وفي صفحتها الأخيرة ۲۰ مقالًا خبيثًا عن ( نشأة الإسلام ) وعن ( ياسين قلب القرآن ) كتبه ابن مسلم يوغوسلافي هو البروفوسور ( فهم كلمندی)... وإنه لمحشو بالطعن على القرآن العظيم، وعلى الرسول الكريم. وها أنذا انقل ترجمة بعض فقراته:
۱ - إن محمدًا - صلى الله عليه وسلم - مع ورقة بن نوفل وأبي بكر بن أبي قحافة وزيد بن حارثة وعثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وطلحة بن عبيد الله وغيرهم، تعاونوا على ابتداع الإسلام
۲ - إن محمدًا خدع أصحابه فأغراهم باعتزال الدنيا والانصراف لطلب الآخرة وراح هو يتمتع بهذه الدنيا تاركًا الآخرة غير عابئ بها ثم تمتع بالنساء غير التي تزوجهن بالعقد مثل خديجة وسودة وجويرية وعائشة وهند وزينب و (أم) حبيبة (التي يقول هذا الكافر أنه اشتراها بالنقود) وصفية وميمونة وغيرها.
٣ - وزعم هذا الشيوعي أن الرسول صلى الله عليه وسلم تزوج بزوج ابنه زيد، وعمد إلى تغطية هذا الزواج بالآيات القرآنية، وإنه أکره زیدًا على تطليقها فلم تسعه مخالفته.
٤ - ويتهم القرآن بالتناقض على طريقة بورقيبة - ويكرر مزاعم المبشرين بأنه مأخوذ من التوراة.
٥- ويصف سورة (يس) فضلًا عن التناقض بالتكرار الذي يستدعي الهزء.
أجل.. إن هذا الشيوعي الخبيث ليتطاول على حقائق الإسلام بكل هذا الجهل الحقير، وليس هو إلا واحد من ألوف صنعهم الإلحاد على عينه، فراحوا ينطحون بقرونهم جبل الإسلام كشاكر مصطفى ونديم البيطار ومحمد ربيع والطائفي الحاقد الذي اختار لنفسه لقب (ادونيس) إيثارًا للفينيقية على العروبة والإسلام، ومصطفى النهيري، ومئات من أضرابهم خريجي الصليبية أو الصهيونية أو القرمطية في بلاد العرب... فهل بوسع الحاج كيمورا، وهو رئيس العلماء، أن يتعرض لهذا الأحيمق الجويهل بكلمة تفضح أضاليله، وتكشف حماقته فيبرهن على صحة ما يزعمونه من حرية الفكر والدين في يوغوسلافية الجديدة!!.
ولنا أخيرًا سؤال صغير: هذه المساجد والمعاهد والكتاتيب، التي أقيمت في ظل التطورات الحديثة في يوغوسلافية هل عوضت ما هدمته الشيوعية الجهنمية من معاهد العبادة والعلم، أيام هجمتها الشرسة على الإسلام.
حبذا لو يتفضل الشيخ بجواب معقول يبتغي به وجه الله وحده ولا يقيم لأهواء السياسة أي وزن. نحن نقدر ظروف الأخ الحاج سليمان كيمورا.. والجهود التي يبذلها كضابط ارتباط بين إرادة السلطة الحاكمة، ومصلحة دينه وأبناء ملته. ولكننا على يقين أن وضعه أكثر فسحة من وضع زميله الشيخ ضياء الدين بابا خان الذي يضطره الاسترضاء إلى حد الزعم بأن كل نشرة تعادي الإسلام لابد أن تكون مدسوسة على الاتحاد السوفيتي، الذي ينعم المسلمون من ظله بأقصى ما يتصور من الحرية الدينية! في حين أنه أزكى من أن يجهل نشاط التنظيمات الإلحادية في أوساط المسلمين، وما ينشره أبناؤهم - الذين فرغت أدمغتهم من آثار الإسلام - في الصحف السوفيتية والمطبوعات المختلفة من الافتراءات على دين الله ورسوله (۱).
بقي أن نقول لفضيلة الشيخ إننا نتتبع التطورات الحديثة في حياة مسلمي يوغوسلافية فيسرنا ما تحمله من تفريج ولو محدود لكرباتهم الفادحة.. ولكن هذا لا يمنعنا حق الكلام عن الماضي الأليم جدًا لنستخلص منه العبرة، التي من شأنها أن تنفع المؤمنين، إن شاء الله.
وقبل أن أرفع القلم ألفت نظرـ فضيلته إلى الهفوة القلمية التـي وردت آخر مقاله، وهي قوله: (معتمدين أولًا على الله وعلـى أنفسهم) إذ لا يجوز التسوية. بــين الخالق عز وجل ومخلوقاته في أي شيء.
والله المسئول أن يكشف غمة الإسلام في كل مكان وله الحمد أولًا وآخرًا وعليه وحده التكلان.
محمد المجذوب
المدرس في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة
(۱) انظر ما كتبه العلامة عبد الله كنون حول كتاب السفير السوفييتي محيي الدينوف هل يمكن الاعتقاد بالقرآن!» في عدد رمضان ۱۳۹۳ من مجلة (دعوة الحق) المغربية ص ۲۱
الرابط المختصر :
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل