; أفلا يتدبرون : القرآن السلبية داء مدمر للأمة | مجلة المجتمع

العنوان أفلا يتدبرون : القرآن السلبية داء مدمر للأمة

الكاتب مجاهد مأمون ديرانية

تاريخ النشر الثلاثاء 14-يوليو-1998

مشاهدات 65

نشر في العدد 1308

نشر في الصفحة 58

الثلاثاء 14-يوليو-1998

إنه لثمن عظيم يدفعه أفراد الأمة جميعًا عندما يزهدون في التحرك للدفاع عن الصالح العام ولإيقاف الخطأ ومحاصرة المخطئين، وهو ثمن يمكن أن يصل إلى دمار الجماعة كلها وزوالها من الوجود، تأملوا العبرة في قصة أصحاب السبت التي يرويها القرآن والقرآن لا يسوق قصة إلا لعبرة . أولئك قوم احتالوا على ربهم واستحلوا الحرام غير مبالين بأمر ولا بنهي، وقد بلغ من إصرارهم على المنكر واحتيالهم فيه أن غلب الظن على عامة أهل القرى أن أولئك المعتدين المجرمين لن يتراجعوا عن عدوانهم ولن يتوبوا من جريمتهم أيا كان النصح أو التذكير، فزهدوا في أي نصح وزهدوا في أي تذكير، وانصرفوا إلى السلوك السلبي المتقوقع، ولعلهم ظنوا أنهم سينجون من العقوبة إذ لم يشاركوا في الجرم بأنفسهم.

وحتى عندما تحرك نفر قليل من الذين أحسوا بالمسؤولية وأرادوا أن يكون لهم موقف إيجابي كان الرد من الجمهور السلبي لماذا ترهقون أنفسكم في النصح لجماعة من المعتدين المخطئين الذين لا تظن لهم توبة ولا يشك أن عذاب الله واقع بهم جزاء جريمتهم دعوهم فلا شأن لنا بهم ولا أمل في صلاحهم 

﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا ﴾(سورة الأعراف: 164:163) فماذا كان رد الفئة القليلة من الذين غلب عليهم الحس الإيجابي وسيطر عليهم الشعور بالمسؤولية الجماعية ﴿قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾(سورة الأعراف:164)، فكأنهم قالوا: «سكوتنا خطأ، والواجب علينا أن نبين الحق وأن تدافع عنه وتدفع إليه، وبذلك فقط نعذر عند الله، وما يدريكم لعل في نصحنا نفعًا أو في تذكيرنا فائدة؟

 المهم هو نهاية القصة لم يصب الله بعذابه الذين مارسوا الخطأ فقط بل- أيضًا- الذين مارسوا السكوت عن الخطأ، ولم ينج غير أصحاب السلوك الإيجابي الذين تحركوا في محاولة لإصلاح الخطأ وتقويم السلوك السيئ ﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾(سورة الأعراف: 165) وقد علق سيد قطب في ظلاله على الآيات بقوله انقسم سكان القرية الواحدة إلى ثلاثة أمم: أمة عاصية محتالة، وأمة تقف في وجه المعصية والاحتيال وقفة إيجابية بالإنكار والتوجيه والنصيحة، وأمة تدع المنكر وأهله وتقف موقف الإنكار السلبي ولا تدفعه بعمل إيجابي» «في ظلال القرآن ج ۳ ص1385» ونقل القرطبي في التفسير: قال جمهور المفسرين إنهم افترقوا ثلاث فرق: فرقة عصت وصادت «أي يوم السبت»، وفرقة نهت واعتزلت وفرقة اعتزلت ولم تنه ولم تعص، قال قتادة: «فما نجا إلا الذين نهوا وهلك سائرهم»، وقال ابن عباس والحسن: « إن الطائفة التي لم تنه ولم تعص هلكت مع العاصية عقوبة على ترك النهي «الجامع لأحكام القرآن ج ٧ ص ٣٠٦».

وانظروا إلى هذا المعنى-كذلك-في قوله تعالى:﴿ وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ ﴾(سورة الأنفال:25)، روى القرطبي عن ابن عباس: أمر الله المؤمنين ألا يقروا المنكر بين أظهرهم فيعمهم العذاب وقال: قال علماؤنا فالفتنة إذا عمت هلك الكل، وذلك عند ظهور المعاصي وانتشار المنكر وعدم التغيير، قال: فإن قيل: فقد قال الله تعالى::﴿ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ﴾(سورة الأنعام:146)، وقال: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ ﴾(سورة المدثر: 38)، وهذا يوجب ألا يؤخذ أحد بذنب أحد وإنما تتعلق العقوبة بصاحب الذنب فالجواب أن الناس إذا تظاهروا بالمنكر فمن الفرض على كل من رآه أن يغيره، فإذا سكت عليه فكلهم عاص، هذا بفعله وهذا برضاه، وقد جعل الله في حكمه وحكمته الراضي بمنزلة العامل، فانتظما في العقوبة، قاله القرطبي: «الجامع لأحكام القرآن ج 7 ص ۳۹۲»

إن «الإيجابية»، والمسؤولية الجماعية من القيم الأساسية في التصور الإسلامي انظروا إلى حديث النبي صلى الله عليه وسلم وهو يشبه أفراد المجتمع براكبي السفينة فذلك واحد منهم ذهب يتمتع بحقه الشخصي في خرق الجزء الخاص به من أرضها، أفرضي النبي صلى الله عليه وسلم لسائر ركابها السكوت أم اعتبر السلبية والانصراف عن التدخل جريمة جماعية روى النعمان بن بشير رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقًا ولم نؤذ من فوقنا، فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعًا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعًا»، رواه البخاري، وفي رواية له« فإن أخذوا على يديه أنجوه ونجوا أنفسهم»، وإن تركوه أهلكوه وأهلكوا أنفسهم وفي رواية الترمذي وأحمد «فإن أخذوا على أيديهم فمنعوهم نجوا جميعا، وإن تركوهم غرقوا جميعا»

تأملوا قول النبي صلى الله عليه وسلم «فإن أخذوا على أيديهم» ألا ترون أنه تحدث عن المجموع بقوله: «أخذوا» ولم يتحدث عن فرد منهم؟ فليس المطلوب أن يأخذ على يد المعتدين واحد من القوم بتحرك فردي بل المطلوب أن يتحركوا جميعا في موقف إيجابي جماعي يصنعه الإحساس بالمسؤولية الجماعية عن أمن وسلامة مجتمعهم، عندئذ ينجون جميعًا، وإلا فما نتيجة السلبية والسكوت إلا العقاب الجماعي: «فإن تركوه أهلكوه وأهلكوا أنفسهم»، «وإن تركوهم غرقوا جميعًا».

وهذا العقاب الجماعي لا يفرق بين صالح وطالح أو عابد وجاحد، فالذين سكتوا عن الخطأ وساروا في ركاب المخطئين استحقوا أن ينزل بهم ما ينزل بالمخطئين من عقاب ذلك في الدنيا، أما في الآخرة فكل يجزى بنيته وعمله، روى البخاري عن عائشة . رضي الله عنها-أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يغزو جيش الكعبة، فإذا كانوا ببيداء من الأرض يخسف بأولهم وآخرهم قلت يا رسول الله وفيهم أسواقهم ومن ليس منهم؟ قال: يخسف بأولهم وآخرهم ويبعثون على نياتهم»، وفي رواية مسلم «يهلكون مهلكًا واحدًا ويصدرون مصادر شتى، يبعثهم الله على نياتهم»، وفي رواية الترمذي: فقلت: يا رسول الله، أفيكون الله ظالمًا للذين رافقوا ذلك الجيش. وليسوا منه. إذ يهلكون فيمن يهلك فقال: معاذ الله بل هم الذين ظلموا أنفسهم حين رضوا أن يسيروا في ركاب المجرمين، قال القسطلاني في شرحه للحديث التقدير: أهل أسواقهم الذين يبيعون ويشترون، وفي رواية مسلم فقلنا: إن الطريق تجمع الناس؟ قال: نعم، فيهم المستبصر «أي المستبين لذلك القاصد للمقاتلة» والمجبور «أي المكره» وابن السبيل «أي سالك الطريق معهم وليس منهم»، والغرض أنها السيدة عائشة-استشكلت وقوع العذاب على من لا إرادة له في القتال الذي هو سبب العقوبة فأجابها النبي صلى الله عليه وسلم بذلك الجواب، ثم قال القسطلاني: «وفيه التحذير من مصاحبة أهل الظلم ومجالستهم»«إرشاد الساري ج ٤ ص ٤٩».

فإذا علمنا أن العقوبة الجماعية هي الجزاء المترتب على السلبية والسكوت والاستسلام، وأن السلوك الإيجابي الذي ينكر أصحابه على المنكرين منكرهم هو-وحده- سبب النجاة في الدارين.

الرابط المختصر :