العنوان أجندة اليمين الأمريكي والصهيوني
الكاتب عبد الرحمن فرحانة
تاريخ النشر السبت 04-مايو-2002
مشاهدات 78
نشر في العدد 1499
نشر في الصفحة 28
السبت 04-مايو-2002
من مفردات تلك الأجندة المحافظة على زخم حملة محاربة «الإرهاب» لأنها الغطاء الأمثل لضرب مكونات المشروع الإسلامي في فلسطين وخارجها
مهاجر صهيوني غادر فلسطين نهائيًا: «إسرائيل» ليست سوى ظاهرة عابرة.
تحتاج المقاومة الفلسطينية بعض الوقت لامتصاص ضغوط حملة شارون.. ومع ذلك فقد بدأ الرد الفلسطيني بالفعل.
أنتجت انتفاضة الأقصى وتداعياتها ميدانيًا في الساحة الفلسطينية إصرارًا وإرادة فولاذية للتمسك بخيار المقاومة وانهيارًا زلزاليًا لخيار التسوية؛ ذلك لأن النيات الحقيقية للصهاينة تكشفت وبرز الوجه الحقيقي الكالح للصهيونية ومطامحها حتى الذين كانوا يعيشون في حالة التيه السياسي في صحراء التسوية.. وكانت لحظة الحقيقة المكتنزة بهذا المعنى السافر هي كامب ديفيد الثانية. وفي اتجاه مواز طالت تأثيرات الانتفاضة أبعادًا استراتيجية تدخل في المجال الحيوي المؤثر على المصالح الأمريكية وكذلك على مستقبل المشروع الصهيوني وطموحاته, فشهور المقاومة المعدودة دمرت البنية الأساسية لمشاريع استراتيجية كان يحلم بها الصهاينة ودوائر الغرب على حد سواء، وعملوا على إرسائها خلال عقد التسعينيات.
وتمثل ذلك بانحسار تيار التطبيع الداعي لشرعنة الكيان الصهيوني وانخفاض منسوب الثقة إلى الحد الأدنى بمشاريع كالشرق أوسطية والمتوسطية، والأهم من ذلك والأشد خطرًا في نظر المخططين الاستراتيجيين الغربيين هو العودة لأسلمة مفردات الصراع وإعادته لحاضنة «المقدس»، وما استتبعه من تألق لمصطلح الجهاد من جديد، برغم الجهود المضنية التي بذلت خلال العقد الماضي لتشويهه كمصطلح نظريًا وكفعل وممارسة. ولعل أشهر نمط جهادي كرسته الانتفاضة وحمل رموزًا مكتنزة بالعزة والكرامة والتحدي هو ظاهرة الاستشهاديين الذين أعادوا للأذهان سير السلف الصالح وترجموها صورًا حية تتحرك على أرض فلسطين وهي الظاهرة التي احتلت المرتبة الأولى في أجندة باول في رحلته الأخيرة الفاشلة، إذ ألح في المحطات التي توقف فيها على ضرورة وضع حاد سريع لهذه الظاهرة لما تشكله من خطر بالغ على الوجود الصهيوني.
وفي السياق ذاته يندرج الهياج البركاني للشارع العربي والإسلامي مجسدًا بالمظاهرات المليونية العارمة حاملة شعارات ذات مغزى استراتيجي مثل خيبر.. خیبر یا یهود. جيش محمد سوف يعود، ومثل واحد اتنين.. الجيش العربي فين، وهي تعبيرات عن رغبة الشارع بإحياء وعودة الأبعاد الإسلامية والعربية للصراع بالرغم من الجهود الحثيثة من قبل الدوائر الدولية والإقليمية خلال الفترة الماضية لتقزيم القضية الفلسطينية وضغطها إلى ملف سياسي تنحصر معالجته بالطرفين الفلسطيني والصهيوني.
المشهدان الآنفان الفلسطيني والإقليمي وامتداداتهما يشكلان قلقًا بالغًا للدوائر السياسية الغربية، وبطبيعة الحال تشغل دهاقنة الاستراتيجية الصهيونية.
وفي ضوء ما سبق يمكن فهم التحالف الاستراتيجي الحالي بين اليمين الليكودي بزعامة شارون والإدارة الأمريكية بقاعدتها المسيحية الصهيونية ويقف في مركزها شبه الخفي اليهودي الأمريكي بول وولفويتز نائب وزير الدفاع الأمريكي ومهندس الخطط الأمنية والسياسية لوزير الدفاع رامسفيلد، وهو وثيق الصلة بشارون ومن قبله نتنياهو، ويمثل اللوبي اليهودي اليميني، ويؤمن وولفويتز بأن الضفة الغربية هي يهودا والسامرة، وبضرورة التمسك بها تحت أي ظرف ويشترك مع شارون في هذه الرؤية بطبيعة الحال، ومن شدة تطرفه فقد كان من الرافضين لاتفاقية الخليل وواي ريفر، ووجه اللوم لنتنياهو بسبب القبول بهما.
ولكن ما أجندة اليمين في الطرفين الأمريكي والصهيوني؟
أهم مفردات أجندتهما هي:
- المحافظة على زخم حملة محاربة الإرهاب لأنها الغطاء الأمثل لضرب مكونات النهضة الناشئة للمشروع الإسلامي في بقاع الأرض عامة وعلى أرض فلسطين خاصة باعتبارها بؤرة الصراع.
- ضرب العراق وتأهيله وفق المقاس السياسي الأمريكي وهو مقدمة ونموذج للخطوات اللاحقة.
- إعادة هيكلة إقليمية للمنطقة وبناء نظام إقليمي جديد بمنظومة أمنية جديدة رؤوسها تركيا والكيان الصهيوني والدول العربية التي تتماهى في الأجندة الأمريكية، وفي السياق إبعاد مصر عن موقع المركز والعمل على تهميش دورها بالمنطقة.
شارون وأجندته
يعيش شارون في الوقت الراهن في مربع سياسي محاط بعدة تحديات أهمها: فشله في تحقيق برنامجه الانتخابي بشقيه الأمني والاقتصادي، وبرغم أنه يسمى في الأدبيات الصهيونية بـ «جنرال البأس» إلا أنه أخفق في مواجهة تحدي الانتفاضة، وعملت المقاومة على تمريغ هيبته في الوحل الفلسطيني، إذ بلغ عدد القتلى الصهاينة أعلى مستوى في حقبته، وليس ذلك فحسب فقد استطاع الاستشهاديون الوصول إلى أكثر البقع حماية استخبارية، كما أنهم تمكنوا من قتل شخصيات لها أهمية خاصة مثل الوزير رحبعام زئيفي وكذلك عالم الذرة دافيد باتسيم وهو عالم من خمسة علماء يشرفون على البرنامج النووي الصهيوني، ووصل الوضع الاقتصادي أسوأ حالاته كما وصفه وزير الاقتصاد السابق إبراهام شوحط.
وإذا كان التحدي الأول متعلقًا بمستقبله السياسي فالتحدي الآخر له اتصال بمستقبل المشروع الصهيوني برمته، إذ إن تأثيرات المقاومة في الانتفاضة الحالية - أو الحرب السادسة كما يسمونها - هددت الحلم الصهيوني وأدت إلى تزايد القلق الوجودي وتعاظمه في الوسط الصهيوني، وقد اختزل هذا القلق أحد المهاجرين الذين غادروا الكيان إلى غير رجعة قائلًا: «إسرائيل ليست سوى ظاهرة عابرة». والمراقب للإعلام العبري يلمس الخطاب اليائس والمحيط برغم قسوة القوة التي استخدمت ضد الفلسطينيين وخاصة في مخيم جنين وأكثر من كاتب ومحلل سياسي صهيوني وصف إفراط القوة هذا بأنه دلالة ضعف لأن الطرف الآخر أعزل في أكثريته وفي هذا الإطار يقول يوري أفنيري في صحيفة الجارديان بأن شارون قد وقع وثيقة الاستقلال الفلسطيني في مخيم جنين.
لكن ما عرف عن شارون أنه لا يتراجع بل يهرب إلى الأمام وخاصة أن الغطاء الأمريكي متوافر له في هذا الاتجاه، وهروبه الأمامي تجسد في حملته المسماة «الدرع الواقي لحماية نجمة داود» وهي نفس خطة «حقل الأشواك» التي أعدت عام ١٩٩٦م، وأجريت عليها تعديلات في عهد باراك وهدف شارون من هذه الخطوة تحقيق عدة أهداف أهمها:
- سيكولوجي وقد شرح هذا الهدف وزير العدل مائير شطريت الذي قال: إن هذه الحملة ضرورية لإعادة الثقة للشعب ولإقناعه بأن هناك حكومة قادرة على توفير الحماية له وتأمين الأمن الشخصي لأفراده. - توجيه ضربات موجعة للمقاومين من خلال تصفية عناصر المقاومة وتدمير البنية التحتية عن طريق جمع السلاح وتخريب مختبرات المتفجرات ومصانع الأسلحة في مدن الضفة.
- تكوين ستار واق لمنع الاستشهاديين من دخول الخط الأخضر.
- ممارسة سياسة العقاب الجماعي لردع الفلسطينيين عن إسناد المقاومة ولتوصيل رسالة لهم بأن ثمن المقاومة باهظ وبأنه لا جدوى من المقاومة.
- الضغط على السلطة وعرفات خاصة لإرغامه للاستجابة لإملاءاتهم.
مراحل حملة الدرع الواقي:
يبدو الوضع الراهن المتمثل بالغطاء الأمريكي غير المسبوق لشارون وخاصة من مجموعة البنتاجون الذين أفشلوا مهمة باول الأخيرة، كما أشارت إلى ذلك صحيفة الواشنطن بوست وكما أكده الكاتب الأمريكي تود بيردم بمقالة له في صحيفة نيويورك تايمز، إضافة إلى تقاعس الدور الأوروبي وما يوازيه من ضعف وهشاشة في الموقف العربي، محصلة ذلك بمجملها ربما يفسره شارون على أنه فرصة سانحة له لتوسيع خطته لتشمل ست مراحل وهي:
- ضرب السلطة ومؤسساتها والعودة تدريجيًا لصيغة الإدارة المدنية «٥ مناطق بالضفة و٣ في غزة».
- الاستمرار في تصفية عناصر المقاومة عن طريق «جهود استخبارية + قوات خاصة ميدانية + سلاح الجو وهو مروحيات الأباتشي».
- اجتياح غزة في حالة تجدد العمليات الاستشهادية.
- إبرام اتفاق لوقف إطلاق النار ومن ثم عقد مؤتمر إقليمي لمراجعة أسس التسوية والتطبيع وبالتالي إلغاء مرجعية أوسلو.
- وجود عسكري حول المناطق (أ) و(ب) لحصارها مع التمتع بحرية الحركة للجيش داخلها عند الحاجة وإقامة عازل أمني بعمق يتراوح بين ٢ - ٥ كم «ثلاث مناطق أمنية في منطقة طولكرم وقلقيلية وحول القدس بالإضافة إلى منطقة الخليل».
- تفريغ القدس من الفلسطينيين بالتدريج بوسائل الترغيب والترهيب.
وحتى ينفي شارون عن نفسه التهمة التي تصفه بأن ليس لديه أجندة سياسية فقد أعلن عن خطة سياسية جديدة في لقاء تلفازي خاطب فيه أنصار الكيان الصهيوني في مؤتمر لجنة الشؤون الإسرائيلية والأمريكية «إيباك» في واشنطن ملخصها.
- وقف تام للعنف.
- اتفاقية وسطية طويلة المدى تشبه الهدنة.
- اتفاقية نهائية تنتهي بترسيم الحدود بين الطرفين الفلسطيني والصهيوني.
هل ينجح شارون في تحقيق أهدافه؟
معظم المؤشرات في الساحة الفلسطينية تومي بأن حملة شارون لم تكسر شوكة الصمود الفلسطيني بل على العكس من ذلك، فقد أدت الحملة إلى نتائج معاكسة لأهدافها المنشودة إذ أنتجت:
- زيادة سماكة جدار الكراهية بين الطرفين وبالتالي من الصعوبة اختراق هذا الجدار للحديث عن التعايش السلمي، خاصة إذا كانت الطروحات هزيلة.
- مضاعفة الرغبة بالانتقام للضحايا والقتلى الفلسطينيين، والنتيجتان الآنفتان تشكلان حاجزًا سميكًا وثقلًا أخلاقيًا وسياسيًا ضخمًا أمام قيادة السلطة فيما لو قررت التراجع عن موقفها الحالي باتجاه التعاطي مع طروحات شارون.
والأيام، وربما الأسابيع القليلة القادمة ستسفر عن حجم الرد الفلسطيني تجاه هذه الحملة الشارونية القاسية، وتشير بعض التقديرات إلى أن المقاومة تحتاج بعض الوقت لامتصاص ضغوط هذه الضربة لكي تتمكن من التعاطي مع المناخ الجديد في الأراضي المحتلة ولتفرز أنماطًا مستحدثة للمقاومة.
كما أثبت ذلك عملية الخليل يوم السبت الماضي «۲۷ أبريل» والتي قتل فيها أربعة مستوطنين وجرح آخرون، ورغم ذلك فمحاولات الاختراق قائمة ومتكررة، والجهات الاستخبارية الصهيونية تتحدث بكثافة عن تحذيرات أمنية بهذا الخصوص، وقد صرح مدير المخابرات الفلسطينية بغزة أمين الهندي بأن جهازه اعترض ۲۰ صبيًا كانوا متجهين لتنفيذ عمليات استشهادية خلال الأيام القليلة الماضية.
ولكن على صعيد سياسي فالمطلوب أن يتماسك الموقف السياسي العربي أمام الضغط الأمريكي ليبقى على ما هو عليه من ناحية التفريق بين المقاومة والإرهاب بل المطلوب منه أن يتطور أكثر ليرتقي إلى مستوى الدعم الحقيقي.